هذا سائل يقول نرجوا من فضيلتكم بيانا شافيا حول المسعى الجديد حيث إن الكثير أشكل عليهم اختلاف الفتوى و البعض توقف عن أداء العمرة بل بعضهم حج هذا العام و سعى في المسعى الجديد و شُكك في أن حجه صحيح أو غير ذالك، فما موقف فضيلتكم جزاكم الله خيرا
الشيخ:اللحيدان
أنا لست ممن وافق على المسعى الجديد و لا أرضى بتلك التوسعة،أكثر أعضاء هيئة كبار العلماء لم يرضوا بذالك و لا أعرف أن أحدا وقّع سوى اثنين من الأعضاء, و الذي سئلني لا أرى له السعي في المسعى الجديد لكني أرى إذا أدى عمرة أنه يكون في حكم من ترك فرضا من العمرة يجبره بدم ،ذبيحة ، فإن السعي على قول من يقول انه ركن ما تصح العمرة أصلا و على قول من يقول ان السعي واجب من واجبات العمرة، المسألة فيها خلاف بين العلماء، يقول هذا الواجب اذا تعذر الحصول عليه يجزء عنه أن يذبح ذبيحة لفقراء مكة, و من اتصل بنا نصحته أن لا يعتمر ما دام المسعى القديم لم يفتح للناس, و عسى الظن بولاة الأمر لم يستمروا على المنع, ان شاء الله يوفقهم الله جل و علا ليسعهم ما وسع المسلمين خلال ألف و أربعة مئة و أكثر من ثمان و عشرين سنة ، بحول الله نعتقد أن الله جل و علا لا يتركها كذالك و نثق بحول الله أن الله جل و علا سوف يهدي و لاة أمرنا لترك الأمر على ما كان عليه خلال هذه المدة الطويلة و الله المستعان ..
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
وهذا مقال لفضيلة الشيخ الدكتور/ مصطفى مخدوم في الموضوع [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
التوسعة الجديدة للمسعى.. رؤية فقهية
لقد أخذت توسعة المسعى الجديدة حيزاً كبيراً من أحاديث المجالس وفتاوى العلماء، وأسئلة العامة، ولعل هذا الاهتمام الواسع بالمسألة راجع إلى أمرين:
1. ارتباط المسألة بعبادة السعي بين الصفا والمروة، وهي مسالة تعمّ بها البلوى كما يقول الفقهاء، ويحتاج إلى معرفتها آلاف المسلمين القاصدين للحج والعمرة.
2. معارضة بعض العلماء الفضلاء للتوسعة وفتواهم بعدم صحة السعي فيها، وهي معارضة فقهية جاءت متأخرة عن وقتها المناسب، وبعد بدء العمل في التوسعة.
ومن الإنصاف أن نقول بأن هذه المعارضة الفقهية المتأخرة لا تصلح مبرراً للاستنكار والتعنيف، والتطاول على أقدار الفقهاء المخالفين، والواجب شرعاً احترام الخلاف والتأدب مع ورثة الأنبياء وإن كانت الفتوى في نظرناً مجانبة للصواب فإن المسألة اجتهادية ولا إنكار فيها على المخالف.
وقد ألحّ عليّ بعض أهل الفضل والمكانة بالكلام عن المسألة، وبيان وجهة نظري الفقهية، فأقول مستعيناً بالله:
إن العبادات التي شرعها الله تعالى نوعان:
الأول : عبادات مطلقة من حيث المكان، بمعنى أن الله تعالى شرعها للناس دون أن يربطها بأماكن مخصوصة مثل الأذكار المطلقة والصلوات الخمس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وجعلت لي الأرض مسجداً وظهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته" متفق عليه.
الثاني : عبادات مقيدة بأماكن مخصوصة بحيث لا تؤدى إلاّ في مكان معين، مثل الطواف فإنه عبادة مرتبطة بالبيت الحرام (وليطوّفوا بالبيت العتيق) ومثل الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى، ولهذا جاء في الموطأ أن عمر رضي الله عنه كان يقول: "لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة" وكان يبعث رجالاً يُدخِلون الناس من وراء العقبة، أي إلى منى، لأن العقبة ليست من منى، بل هي حدى منى من جهة مكة، فهذه عبادات يلزم التقيد فيها بالمكان الذي حدده الشرع دون تغيير.
ومن ذلك السعي، فإنه عبادة مرتبطة بالصفا والمروة، كما قال تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم). وقوله (من شعائر الله) أي من معالم الله التي جعلها مشعراً للناس يعبدونه عندها كما قاله الإمام ابن جرير الطبري، فالسعي مخصوص بهذا المكان، والآية خبر في الظاهر ولكنها أمر في الباطن.
قالت عائشة رضي الله عنها: "طاف رسول الله وطاف المسلمون يعني بين الصفا والمروة، فكانت سنة، ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة" متفق عليه.
وبناءً على ذلك فالواجب هو إيقاع السعي بين الجبلين، بحيث لا يخرج المحرم عن محاذاة الجلبين من جهة العرض، كما يجب عليه استيعاب المسافة بينهما من جهة الطول، وقدرها بعض الفقهاء قديماً بـ 777 ذراعاً وقيل غير ذلك.
وينبغي التنبيه إلى أن تحديد العرض بالمحاذاة والمسامتة هو من باب التقريب وليس من باب التحديد الدقيق، ولهذا قال بعض الفقهاء: "لا يضر الالتواء اليسير" أي الخروج اليسير عن المحاذاة، ويؤيده أن الأصل هو التسامح والتيسير في الشيء اليسير.
وهذا الجانب النظري متفق عليه بين المختلفين، وإنما وقع الخلاف في التوسعة الجديدة من جهة أن المسعى الجديد هل هو داخل في البينية ومحاذاة الجبلين أو هو خارج عن السمت والمحاذاة؟ فمن رأى التوسعة الجديدة خارجة عن السمت والمحاذاة من جهة العرض أنكر التوسعة الجديدة ومنع من السعي فيها، ومن رآها داخلة في المحاذاة والبينية لم ينكر التوسعة الجديدة وأجاز السعي فيها.
وهذا الخلاف في تحقيق المناط كما يعبر عنه الأصوليون، والمقصود به كما يقول الشاطبي: "أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى الحكم في تعيين محله" وذلك مثل الاتفاق على وجوب استقبال القبلة في صلاة الفريضة ثم يقع النظر أو الخلاف في تحديد جهة القبلة.
والخلاف في تحقيق المناط هو من جنس الخلاف في المسائل الاجتهادية التي لا يجـــوز فيها الإنكار على المخالف، وليس في المسألة دليل قاطع يجب المصير إليه.
ولكن القدر الثابت من الناحية التاريخية والجغرافية هو أن جبلي الصفا والمروة كانا أكبر حجماً مما هو مشاهد اليوم وكانت عليهما مساكن وبيوت، كما روى الحاكم في المستدرك أن دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه كانت على الصفا ثم تصدق بها على ولده لا تباع ولا تورث حتى أخذها أبو جعفر المنصور وكانت مشرفة على المسعى حتى قال يجيى الأرقم : " والله لأعلم اليوم الذي وقع في نفس أبي جعفر، إنه يسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها ونحن على ظهر الدار فيمر تحتنا لو أشاء آخذ قلنسوته لأخذتها وإنه لينظر إلينا من حين هبط الوادي حتى يصعد حتى يصعد إلى الصفا..".
وممن كان له بيت على الصفا العلامة اللغوي الفيروزأبادي وقد أتم كتابه "القاموس المحيط" في منزله على الصفا وهو من علماء القرن التاسع الهجري، وقد أكد جماعة من المعاصرين العدول من كبار السن ممن شاهدوا الجبلين أعرض من الباقي اليوم، ويؤكد هذا أيضاً ما ذكره غير واحد من العلماء قديماً من كون الصفا طرفا جبل أبي قبيس، وكون المروة طرفاً من جبل قيقعان.
وأما تحديد بعض العلماء كأبي الوليد الأزري عرض المسعى بخمسة وثلاثين ذراعاً ونصف ذراع فالمراد به _ والله أعلم _ تحديد عرض المسعى الذي كان الناس يسعون فيه وقتئذ، وليس المسعى الذي تحاذى حدوده جبلي الصفا والمروة فإنه يبعد أن يكون عرض كل منهما مساوياً للآخر بهذا التحديد الدقيق، وإنما هو تحديد لما بين العلمين العلم الذي كند باب المسجد والعلم الذي دار بين العباس بن عبدالمطلب، ولا يلزم من ذلك أن يكون عرض المسعى الذي تتحقق به المحاذاة والمسامتة للجبلين بهذا المقدار بل هو أوسع من ذلك كما سبق.
ومن الثابت تاريخياً وجود بيوت كثيرة بين المسجد وبين المسعى كما يدل عليه كلام الأزرقي وابن تيميّة وغيرهما فلو حسبناها في الخمسة والثلاثين ذراعاً لما بقي لدينا للمسعى إلاّ القليل!!
وأرى أن المسألة مرتبطة بأمر آخر يجب بيانه في هذا المقام، وهو أننا لو فرضنا جدلاً خروج التوسعة الجديدة عن محاذاة الجبلي الصفا والمروة فهل يمنع ذلك من صحة السعي فيها؟
والجواب هو أن الأصل _كما عرفنا سابقاً_ وجوب إيقاع السعي بين الجبلين بحيث لا يخرج عن السمت والمحاذاة بين الجبلين ولكن لو دعت الحاجة كالزحام الشديد إلى الخروج عن محاذاة الجبلين فإن المسعى الخارج يعتبر في حكم المتصل والواقع بين الجبلين، ويسمى مثله في مصطلحات العلماء بالمتصل حكماً، وله نظائر فقهية متعددة منها :
ما ذهب إليه الحنابلة وغيرهم من صحة الاقتداء بإمام إذا كان المأموم خارج المسجد متى اتصلت الصفوف، وقد ذكر المجد وغيره أن المشترط هو الاتصال العرفي بمعنى ألاّ يكون بينهما بعد كثير لم تجر العادة بمثله، فالبعد اليسير أو الكثير الذي لا يخرج العادة عن الاتصال فهو كالصف المتصل حكماً.
ومنها : ما جاء عن الإمام أحمد في الرجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبوابه مغلقة، فقال : أرجو ألا يكون به بأس.
ومنها : قول أحمد في المنبر يوم الجمعة إذا قطع الصف فإنه لا يضر ويجوز للحاجة، وألحق بذلك بعض الحنابلة كل بناء بني لمصلحة المسجد.
ومنها : قول الرجل لامرأته: أنت طالق _يافاطمة_ إن خرجت من الدار، فإن الشرط هنا معتبر لأنه متصل حكماً، والأصل في لك قوله صلى الله عليه وسلم: "إلاّ الإذخر" بعد فاصل يسير.
ولا شك أن واقع المسعى قبل التوسعة يعاني من الزحام الشديد الذي وقع في الحرج والمشقة، ولا سيما لدى كبار السن والنساء والأطفال، وخاصة في أيام المواسم حيث يجتمع الملايين من الناس في هذه البقعة الضيقة، ومثل هذه المشقة الزائدة معتبرة في الشرع، وهي سبب للتوسعة والرخصة كما قال الفقهاء : "المشقة تجلب التيسير" وكما قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج).
فالخلاصة هي أن التوسعة الجديدة داخل في محاذاة الصفا والمروة وأن الزيادة لها حكم المزيد فيه، ولو فرضنا جدلاً خروجها عن المحاذاة والبينية فإن ذلك لا يمنع صحة المسعى في حالة المشقة والحاجة لكونها في حكم المتصل، ولأن الحاجة العامة تقتضيها، والله أعلم..