02-13-2008, 07:03 PM
|
#1 (permalink)
|
|
*--| رئيسة منتديات الأسرة والمجتمع |--*
|

إنهُ الفقر يا ولدي
إنهُ الفقر يا ولدي
هذه القصة قرأتها في أحد المنتديات و أعجبتني فأحببت ان أنقلها لكم.
خلع نظارته الكبيرة كعادتهِ حين يرغب بالتحدث، خبأتُ رأسي بين كتبي ودفاتري، لم أشأ مجادلته فغداً إمتحان الكيمياء، لم انتهي حتى من وزن أولى المعادلات، قاطعني ابي قائلاً بغضب: تتجاهلني يا ملعون، اترك عنك الدراسة واعمل مع أخيك ناصر في حوطة (أبو مازن). دفع رأسي بشدة: (نعم، تعال لمساعدتي) نظرتُ إليه، يا لطول عمرك يا ناصر!
الصيفُ في شدته، فهذه آخر السنة الدراسية لملمتُ حاجياتي تلكَ الظهيرة وجلستُ على عتبة الباب لكي استطيع الدراسة!
الأفكارُ تعربد في دماغي، لِمَ لمْ أُولد في بيت مازن؟! أنا أحلى منه وأذكى منه!
تباً لهذا الفقر لا ينفك يجتاحنا كلما تنفسنا الصعداء، اختي الكبيرة فاطمة تركت ابن الجيران علي لتلحق بركب عبد الرحمن الغني بعد تعنيف والدي لها!
أتذكرُ تلك الليلة جيداً، في مأتمٍ صغير على أطراف قريتي البائسة، وقفتُ مع زمرة من الرجال، دق منتصف الليل فبدأت اصوات النساء تتعالى وأنثى ثلجية بعباءةٍ سوداء تخرجُ من ذاك الباب، تقدم إليها عبدالرحمن الذي تجاوز الأربعين، امسكَ يدها وعلى وجههِ ابتسامة يعرض من خلالها اصفرار اسنانه، وفي عينيه الشاحبتين لمعة وبريق وكأن تلك العروس أعادته لريعان الشباب. طبع قبلة على جبينها الخجل، تلك اللحظة شعرتُ بمغصٍ شديد وددتُ لو افرغ أحشائي، تحول وجهي الحنطي إلى أحمرٍ قاني!
آه؛ لِمَ يا أبي ترمي بأختي لبراثنٍ شياطانية لا هم لها إلا ارضاء رغباتها، لِمَ تُفقدها نضارتها لأجل دنانيرٍ معدودة!! في تلك الليلة كان والدي يردد بصوتٍ بائس: (إنه الفقر يا ولدي)!!
والصغرى أمل تحرقُ قلبي حين تطلب ثوباً للعيد أوحين يتسابق الأطفال نحو بائع الآيس كريم وهي جامدة تنظرهم بعينين دامعتين، تبتلع ريقها كم تحلم في تذوق قضمة واحدة منه، لا تزال في السابعة لكنها كإمرأةٍ عجوز، تحمل هموم الدنيا في عينيها الواسعتين، صفعها أبي ألفَ مرة بـ "لا"، اسمعُها تسأل أمي: "لِمَ لستُ كزميلاتي في المدرسة؟ لِمَ لا أستطيع أن اشاركهم الطعام في الفسحة؟ لِم..." فتجيبها أمي مكشرة الوجه: "اقتنعي، تعقلي، إنه النصيب! " الحُرمان يقتاتُ من بشاشتها والفقر يهشمها، آه أخيه!
أو أحكي عن ناصر وزوجته حسناء وأطفالهما الأربعة لا يزال يقطن أعلى السقف! ويستنزف وقتي لإرضاء زوجته المسرفة المتسلطة، يُصيبني منهُ الإشمئزاز، اتمنى لو يشعر يوماً بحالنا أوحال أخواته، يا لتلكَ الأنانية التي يحملها!!
وأخيراً محمد، أخي الأكبر.. هاجر هارباً منا إلينا! فرسائلهُ المطالبة بالمال لا تتوقفُ أبداً وسمعتُ ذات مرة ناصر يتشاجر مع ابي بشأنه ويتهم أخي بأشياء مُخزية أخجل من ذكرها هنا، هه.. يبدو أن ما يُجمع له هنا يضيع على اهواءه في بلد الأجانب!!!
وأنا، لا أدري ماذا أقول عن نفسي فقد يحترق لساني غضباً، ضاعت من عمري سنه دراسية وأنا ألاحق متطلبات أبي في العمل، اما سوق الخضار وأما حمالي في السوق المركزية!
لكني لن أكبر لأصبح كأبي أو كأخوتي أبداً، لن أجعل من تعبي وشقائي أضحوكة بين صبية القرية، فدائماً ما نهرني هذا وذاك على مواصلتي الدراسة ولقبوني بأتفه الألقاب، لا أصدقاء لدي هنا فكل والد يخاف أن اسبب لأولاده عقدة المدرسة والدراسة وبالأخص النجاح!
أليس غريب امرهم؟!
حتى الغاز يشغل حيزاً من المكان فلو وضعنا كمية هواء كبيرة في عُلبة صغيرة ستنفجر أما ابي كان يشغل منصب مزارع في وزارة التربية حتى اقعده المرض، وها نحنُ نعيش على الخدمات الإجتماعية والصناديق الخيرية، ويا ليتنا نعيشُ فعلاً!!
على كلٍ، حمداً لله..!
أصبح الفقر إرهاباً، يقتُلنا أحياء ويدفننا في بيوتاتنا المتآيلة للسقوط وكم ساعدتنا قضايا الفقر التي انتهجتها الدولة، فبدل ان ترمي لنا بطوق النجاة، أغرقتنا! بيتنا في أحد أزقة القرية لا يتجاوز حجمه غرفتين وحمام منهك – كرمكم الله – ومطبخ أخشى أن يسقط على والدتي يوماً، فلا اعتقد ان الحجارة تستطيع تحمُل غرفة ناصر أكثر!
عمر خرابتنا... أقصد بيتنا تجاوز السبعين عاماً وأصبح كبيوتات البهائم! ألا يجب على أحدهم أقلّها ترميمه؟ يقلدون امريكا في كل شيء، قلدوها في احترام الشعب!!
والذي يصدع الرأس أكثر اولئك "محافظوا المناطق" حين يظهرون امام وسائل الإعلام ينفون وجود الفقر وعلى بُعدِ شارعا منهم نموت جوعاً، تباً لأبا مازن! ويريدوني اخدمه!
إذا تشاجرتُ مع ناصر بهذا الخصوص أجابني بجملته الشهيرة:(شاللي جابرك على المر قال اللي أمر منه)!
هناك الآلف من العناصر والآلف من المركبات الكيميائية، وفي داخلي ألف غصة وخوف من المستقبل تحت هذا السقف الموبوء، اخشى على نفسي بعد تخرجي أن أعمل في جامعة سوق السمك!
ولا أدري على من يقع الذنب، ابي الذي لم يجتهد في صغره ليكبر مزارعاً أو دولة شطبت قريتنا من قائمة الشعب !
سمعتُ أحد العجائز من الجيران يهزء قائلاً: (كتب عليكم الفقر كما كتب على الذين من قبلكم) وأشار لنفسه، رفعتُ بصري لأنظر، حتى زاوية القمامة غير ممتلئة فمن اين لنا ان نشتري لنرمي؟!
(H2O) هذا المركب مكون من عنصرين هما الأوكسجين والهيدروجين، عندما يتحدان يكونان.. ماذا يكونان؟؟
لن انظر للصفحة سأتذكر، آه نعم نعم ماذا لو جمعنا (ف غ ) فقر وغنى ذينك العنصرين سيكونان ( م ) اقصد حالاً متوسط، هل أضحك على نفسي؟ إن الغنى فعلاً غاز متطاير.. ومن يستطيع أن يمسك غازاً؟!
أوه، نسيتُ أن اتحدث ولو قليلاً عن أمي.. ربما هي الآن في نهاية الستين أو دخلت السبعين بقليل، لا تعرف القراءة أو الكتابة جّل ما تعلمَتَّهُ هو حفظ القرآن الكريم، هيّ اشدُنا إيماناً ولكن للأسف اقتبست بعض صفات والدي كالبخل والنكد.!
قرأتُ معلومة جديدة استطيع الإستفادة منها في إمتحان الغد وهي إن عنصريّ الماء هما اكثر الوسائل المساعدة في تكوين الحرائق ولكن حين يتحدا يكونا مركب لإطفاء النار، يا ليتني استطيعُ نسف القرية بهذه العناصر الموجودة أمامي، لنرتاح من مشاكلنا وهمومنا المجتمعة في كلمة واحدة... (الفقر)..!!
الشمسُ على وشكِ المغيب بعد أن سلخت جسدي والليلُ قادمٌ لا محاله، انهيتُ العصر في التفكير، يبدو إن حالفني الحظ سأرسب في امتحانين فقط، والحظ لم يكن حليفي يوماً!!
اللهم أنت تعلم بعبادك، اللهم فك ضيق كل محتاج، و أشبع كل جائع، و اكسو كل عريان... اللهم آمين...
|
|
|
|
|