المساحة البيضاءمواضيع عامه , نقاشات ساخنه , الاتجاه المعاكس , مقالات عامة , حوارات هادفه , مستجدات الساحه العربية , حرية الرأي و الرأي الآخر (اختلاف الأراء لا يفسد للود قضيه).
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
ها أنت مرة أخرى تعود لتأمل هذه المساحة البيضاء أمامك، تحدق فيها، ويقتحم عالمك من جديد السؤال الذي همست به تلك الصبية الحسناء ببراءة .
- هل ستكتب عن لقاء العشاق ؟
- لست أدري، فتلاحم العشاق يكون أحيانا فوق الكلمات، ترد، وتضيف متسائلا: لماذا يبقى للحلم رونقه الأجمل، لماذا تبقى الأنثى المتلفعة بعباءة الليل أكثر إثارة ؟
- لكن للفجر شفافيته الخاصة …تقاطعين …
تنظر إليها هامسا ……ذلك لأنه انبثاق من رحم الليل……ولادة جديدة، ولكن ما أن تسطع الضياء، ويصبح كل شيء عارياً تذوب فتنته ويغدو مملاً …….
هل ستكتب عن لقاء العشاق ؟
والمساحة البيضاء تتمدد أمامك كأنها أفق يمتد ويمتد ……وقلمك حصان كبا وعجز أن يصحو من كبوته فأخذ يحمحم محتجا .
كان الطريق طويلاً ..طويلاً…ربما أطول من مسار مهرة ضوء أطلقتها الشمس في الأفق، تجوب المدارات بلا نهاية …والسيارات تنطلق في ذلك الصباح البارد باتجاه جسر العائدين، أرقب الشوارع الخالية، وأعمدةً تبعث النور الشاحب برتابة .
صمت يحيط بك كأنما الركاب لا يزالون في حالة نوم عميق، تقطع الصمت بصوتك المبحوح …هل المسافة بعيدة؟ يرد أحدهم بهزة من رأسه وينبري السائق لسؤالك: أهذه أول مرة تسافر إلى الضفة ؟ فتجيب : لقد ولدت هناك، ولكن عندما هُجّرنا لم أكن أعقل بعد شيئا، ولم أدرِ كم هي المسافات التي قضمت قدمي أبي الحافيتين وهو يحملني على كتفه .
كانت نظرات السائق في المرآة قد تسمرتا كأنما يبحث عني فيها، أو لعله يبحث عن نفسه في مساحة بيضاء.
وكأنما أفسدت صمت عابدين فأخرجتهم من صلاتهم، أخذ الجميع يتحدث، تتداخل كلماتهم …تتوحد في توليفة تفسد عليك متعة الشعور بقرب اللقاء/ الحلم .
لم يكن هناك أحد يسمع الآخر …وزاد السائق من غرائبية الموقف إذا أدار المذياع لينطلق منه صوت مقرئ…يتلو آيات ويرددها ويكررها بتنغم .
طريق طويل ..صوت مقرئ …سائق يسأل …ركاب يتحدثون عن كل شيء …صغير استيقظ من نومه وبدأ البكاء …وأنت تنظر إلى اللامرئي …تبحث عيناك عن نهاية الطريق/معبر الحلم الذي كنت تراوده حينا، ويمتلك عليك نفسك دائما .
لقد وصلنا …صوت السائق ينطلق أجشَ…جافاً .ترجلت، همست في أذن مجاوري : أنا أعود لأول مرة كما أخبرتكم ولا أدري ما الإجراءات؟ هز رأســـه هِزَّة معتاد على هذا الموقف، وبآلية محضة تمتمت شفتاه، اتبعني فقط.
كم مرَّ من الوقت لست أدري …، كنت صدىً لصوته وظلاً لحركاته…ولم يكن يشغلني إلاّ سؤال محموم...متى سنعبر الجسر؟ وهـو يقول :ما تزال أمامنا محطة …وعاد ليكمل الإجراءات…
-هل ستكتب عن لقاء العشاق ؟
وتلك الصبية الممشوقة القوام تغيب بثوبها المطرز عبر طريق متعرج وتذوب في رائحة الطوابين لتغدو بخوراً ريفياً على البيوت …
-هل ستكتب ؟
-ربما ..ولكن قد أكتب عنك أيضا …
تبتسم الصبية هامسة…أنا، عني أنا؟…باستغراب قالتها، مردفة …لقاء العشاق بعد طول فراق يكون مسكراً، ربما لا يصحو منه المرءُ إلا بعد وقت ومعاناة …فاكتب عن لقائك ودعني. أرتشف شيئا من القهوة، أشعل سيجارة، أهمس: سأفي بوعدي أجلس على طاولتي، أمدد جسداً أبيض أمامي …أشرع القلم وأنتظر البدء ..أتأمل المساحة البيضاء ..
-هل ستكتب ..ولم تتم سؤالها ..نظرت إليّ بعينين حزينتين وهي تلبس ثوباً أبيض ..نفضت يديها، رفرفت ثم طارت حمامة بيضاء في سماء القرية ..
كم غريب هو الإنسان إذ يوحد المتناقضات، لِمَ يكون كفن الموت أبيض ولون الزفاف أبيض، ولون مئزر الحج ..ولون الهزيمة ..والورق الذي يستنزفك الآن أبيض ؟!!!
يتمدد البياض أمامك ..يلفك كوشاح ثلجي ..تحمل قلمك ..تكتب ..وتكتب..لتفاجأ بأنك كنت ترقم على الأوراق البيضاء بحبر أبيض ..تنتفض ..تكسر القلم ..تتلمس دمه النازف. تبحث عن يدك فوق الأوراق فلا تراها ..تقفز ..تتعرى، تقف أمام المرآة لتكتشف بأنك غدوت ككل عالمك، مجرد مساحة بيضاء..!!
أخوكم المحب لكم دوماً / سلطان الجماعي
(أبوالقلوب).
آخر تعديل سلطان الجماعي يوم 04-22-2008 في 06:16 PM.
كم مرَّ من الوقت لست أدري …، كنت صدىً لصوته وظلاً لحركاته…ولم يكن يشغلني إلاّ سؤال محموم...متى سنعبر الجسر؟ وهـو يقول :ما تزال أمامنا محطة …وعاد ليكمل الإجراءات…