المساحة البيضاءمواضيع عامه , نقاشات ساخنه , الاتجاه المعاكس , مقالات عامة , حوارات هادفه , مستجدات الساحه العربية , حرية الرأي و الرأي الآخر (اختلاف الأراء لا يفسد للود قضيه).
في البداية، إن الإنسان في كل حياته يسعى لكي يكون إنسان بكل معنى الكلمة. أي أن الإنسان لم يصبح بعد إنسانا. بل نحن في مسيرة باتجاه "الأنسنة" إذ صح استعمال هذه الكلمة. وهذه المسيرة المفتوحة لا تنتهي على الإطلاق. فهي التي تعطي حيوية وديناميكية ومعنى لحياة الإنسان. ولكن كيف تتم هذه المسيرة ؟ تتم بطرق عديدة ومتنوعة. لا تهمنا الآن. لكن المهم هو أن هذه المسيرة تتم بقدر ما يدرك الإنسان أنه لم يصبح بعد إنسان إلا بقدر ما يسعى لتحقيق ذاته. أي بمقدار ما يسعى جاهدا ليعيش حقيقته.
برأيي هذه هي الوسيلة الوحيدة التي سنوضحها والتي تسمح للإنسان أن يعرف ذاته ويكتشفها ويحققها، وهي التي تجعل الإنسان في الفرح الحقيقي. لماذا أركز على هذه النقطة ؟ لأنه في الحقيقة أن غالبية الناس ـ إن لم نقل كلهم ـ يعيشون في جهل كبير جدا لذواتهم. أو يعيشون في شيء من الاغتراب مع حقيقتهم وذاتهم.
والمشكلة هي أن الإنسان يعيش في هروب مستمر إلى الأمان مع ذاته ومن حقيقته. لهذا السبب نلاحظ أن أصعب سؤال يجيب عليه الإنسان هو: من أنا ؟ لكن الأهم هو لماذا يعيش الإنسان هذا الاغتراب ؟ لماذا يعيش الإنسان في هروب مستمر من ذاته ومن حقيقته ؟ والأسباب حتما عديدة وأولها هو: ( ولن أعطيها بحسب أهميتها بل بشكل عد تسلسلي)
1- الإنسان لا يريد أن يواجه ذاته لأنه ليس لديه الجرأة أو الإرادة. إن الإنسان لا يريد أن يرى حقيقته كما هي. وهذا الأمر يعود أيضا لسببين: الإنسان ميال لأن يرى ويتوقف على السلبيات. أي أنه عندما يواجه نفسه ويكتشف حقيقته يرى السلبيات ونادرا ما يرى أو يتلمس الإيجابيات.
2- الإنسان لا يثق بذاته بالكفاية لأن الإنسان بشكل عام ليس لديه شعور كاف وليس لديه ثقة تامة بأنه كائن محبوب. أو إنه كائن يستحق أن يحب. وبالتالي نظرا لعدم وجود الثقة بداخله فهو يفتش عن وسائل أخرى ليطمئن نفسه وليشعر بأنه محبوب. لذلك وفي هذه الحالة سيفتش عن حقيقته وعن ذاته وعن الآخرين بدلا من أن يفتش عنها بداخله وبذاته. ولهذا السبب بدلا من أن يعيش ذاته نراه يعيش الآخرين. أو يعيش كما يريده الآخرون أن يكون. وبالتالي يعيش الإنسان في اغتراب لا يمكن إلا أن يولد عند الإنسان طبعا في أعماقه. ولا يكون دائما ظاهرا على الساحة. بل يظهر شيء من الكآبة أو شيء من الروتين القاتل أو شيء من الخوف من كل ما هو جديد أو خوف من كل ما هو مجابهة. ولهذا السبب أيضا نلاحظ بشكل عام عند الإنسان تناقضات عديدة.
مثلا: إحدى هذه التناقضات التي توضح لنا الفكرة: كثير من الناس وخاصة الشباب يعبرون عن إزعاجهم من الروتين والملل الذي يعيشون فيه وعندما تضعهم أمام المحك حتى يغيروا نراهم يتراجعون إلى الوراء لأنهم يفضلون الروتين في النهاية على ما هو جديد. وذلك لأنه ليس لديهم الجرأة أو الثقة التي تسمح لهم أن يغامروا وأن يجابهوا وينطلقوا بمغامرة جديدة لمرحلة جديدة من حياتهم. لهذا فهم يبقوا في هذا الروتين يعيشون ولا يعرفون لماذا؟ وكيف؟ بل لأنه ليس أمامهم حل آخر.
ولهذا السبب نرى الناس يسيرون في الحياة بملل بدل أن يكون الإنسان حيوي منطلق، كله ثقة بنفسه، يعكس الفرح للآخرين. ونلاحظ بأن هذا الشيء غير موجود. علما بأننا في نطاق كنسي وإيماني. من المفروض أن التزامي الإيماني يجب أن يوصلني إلى شيء من الفرح.
أين هو هذا الإيمان ولماذا لا يوصلني إلى الفرح ؟
إن هذا الإيمان لا يمكن أن يوصلني للفرح إلا بمقدار ما أعيش هذا الإيمان بشكل يتناسب مع حقيقتي وليس مع الأقنعة التي أصنعها وأفرضها على نفسي أو الصور التي أفرضها دائما على ذاتي.
هناك نقطة أخرى مهمة. برأي أنه لا يوجد شيء في الدنيا يجعل الإنسان في فرح ولا شيء يجعله في سلام داخلي إلا بقدر ما يكون هذا الإنسان قريب إلى حقيقته. وكلما ابتعد عن حقيقته فهو إلزاما بعيد عن الفرح. وبالتالي بعيد عن الحياة بكل بساطة.
ونجد هذا في الإنجيل. نحن نكتشف أن الإنجيل لا يطلب منا أكثر من أن نكون حقيقيين مع ذواتنا. "فماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم"، لو ربح المجتمع كله، لو ربح كل المجتمعات و"خسر نفسه".
دعوة الإنسان الحقيقية والأساسية هي أن يربح ذاته، أي أن يكون مع ذاته، أي أن يعيش حقيقته قدر الإمكان. وبالتالي أن يعيش دعوته الأساسية. هذا هو الصراع الأهم والأساسي الذي يعيشه الإنسان. صراع بين أن يعيش ذاته وبين أن يعيش المجتمع. أو أن يعيش كما يريده الآخرون أن يكون. وهذا موجود بشكل قوي جدا في مجتمعنا الشرقي ويضغط علينا إلى حد مأساوي.
معرفة الذات أو اكتشافها أمر ضروري جدا لا بل أساسي لحياة الإنسان. إذا أراد الإنسان أن يكون في الحياة. وكما يقول المسيح في إنجيل متى (6:35) "أليست الحياة أعظم من الأكل والجسد أعظم من اللباس". فالحياة أثمن من كل هذه الهموم. الحياة الحقيقية هي أن أكون أنا مع ذاتي وليس مطلوب مني أكثر من هذا.
إذا، وبمعنى آخر، يمكننا القول أن معرفة الذات هي أهم شيء في الدنيا. لأن هذه المعرفة ليست معرفة عقلانية إذ ليست على صعيد المعلومات، بل تتطلب حياة. أي يجب أن أعيش ذاتي وليس أن أعرف ذاتي.
فإذا كانت المعرفة غير مرتبطة ومتلازمة مع حياة فلا فائدة منها ولا تكون معرفة حقيقية.
ثانيا: الإنسان لا يملك ذاته كليا:
بعد أن قلنا وبيّنا قدر الإمكان أهمية هذه المعرفة وأهمية اكتشاف الإنسان لذاته يجب أيضا القول بأن هناك عامل آخر يلعب دورا في أن يكون الإنسان بعيدا عن ذاته. وهو أن الإنسان لا يملك ذاته بشكل كلي، بل يملك ذاته ضمن حدود معينة، لأن الإنسان يتميز بالنقص والانقسام بين الوعي واللاوعي. فالإنسان يبقى سر بالنسبة لذاته. وكلمة سر تعني أن الإنسان لا يمكن على الإطلاق أن يعرف ذاته بشكل كلي وكامل ومطلق، فهذا وهم أو حلم ليس له علاقة بالواقع.
وفي الحقيقة فإن الإنسان مهما غاص في أعماق اللاوعي لديه فإنه لا يمكن أن يملك اللاوعي بشكل كلي وإلا سيقع في الجنون. والإنسان مهما حاول أن يكتسب من معلومات ومن معرفة لا يمكن أن يكتسب كل المعرفة لأنه في النهاية سيموت إذا حاول أن يعرف كل المعرفة. ولكن لماذا سيموت ؟ إذا أخرجنا كل اللاوعي إلى ساحة الوعي فمعنى ذلك أن الإنسان يفقد آنذاك كل الروادع وكل الممنوعات. وبالتالي إذا كانت لديه رغبة في القتل سيقتل. وإذا كانت لديه رغبة في الخراب والدمار سيدمر.
إن الوعي هو الذي يضع المكابح وهو الذي يمنعني من أن أنفذ رغباتي كما تظهر على ساحة الوعي في لحظات معينة أو في فترات ما.
فهل سيملك الإنسان كل المعرفة ؟ مثلما يقول الكتاب المقدس عندما يقول الله للإنسان بأنه ليس لديك الحق بأن تأكل من شجرة معرفة الخير والشر بالمفهوم الكتابي لكلمة معرفة. معنى ذلك أن الإنسان سيختبر الخير والشر وسيموت. فالإنسان عندما يختبر الشر سيموت.
إذا، مهما حاول الإنسان أن يعرف ذاته وأن يدخل في أعماقه ليكشف حقيقة ذاته فهو لا يستطيع أن يعرفها ويكشفها ويملكها. إنما تبقى كل الأمور ضمن حدود معينة لا يستطيع تجاوزها وإلا سيقع في الجنون أو في الموت.
هذا يجعلنا نقول أن معرفة الذات هي عبارة عن بحث ومعرفة لا يمكن أن ينتهيا أو يتوقفا يوما ما. لكن هناك عوائق أخرى في هذا المجال. وهي أن الإنسان لا يريد أن يقول ذاته للآخر ويرفض أن يكشف حقيقته للآخر. نظرا لعدم ثقته بذاته.
في فيلم أمريكي اسمه: "قبل شروق الشمس". نرى قصة شاب وفتاة يلتقيان في القطار والشاب يبقى في المدينة نهارا واحد ثم يسافر بالطائرة فيقنع الفتاة أن تمضي النهار معه قبل أن تسافر. والمهم في هذا الفيلم أن هذان الشخصان اللذان لا يعرفان بعضهما قد تحادثا في هذا النهار الذي أمضياه معا عن كل شيء في ذاتيهما.
طبعا الرسالة التي يقولها الفيلم هي أن الآخر الذي لا أعرفه أفتح له قلبي. وأعتقد أن كلنا نختبر أمورا من هذا النوع. فمن الممكن أن نستقل الباص ونلتقي بشخص لا نعرفه فنقول له أمور من الممكن أن لا نقولها لذاتنا أو لشريكنا أو لأخونا أو لأختنا أو لأهلنا أو لأعز أصدقائنا. لماذا ؟ لأن هذا عابر سبيل لذلك لا يخيفنا. أما عندما يكون الآخر معروف من قبلي لا أستطيع عندئذ أن أفتح له قلبي تماما لأنه ليس لدي الثقة (ليس بالآخر) بل بنفسي.
وعندما يلتقي الناس في مجموعات دينية أو أخويات. لا يوجد أفضل منهم بالتنظير والتحليل. ولكن لا يوجد لدى أي واحد الجرأة لأن يشرك الآخرين بخبرات شخصية مهما كانت بسيطة وصغيرة. فالإنسان لا يريد أن يكشف حقيقته للآخر نظرا لعدم ثقته بذاته أولا وبالآخر ثانية.. إضافة إلى أن الإنسان لا يعرف ذاته تماما.
ثالثا : لا يقبل الإنسان ما يقوله له الآخرون عن ذاته
علما أن للآخر دور مهم جدا في كشفه لذاته. فهناك الكثير من الدوافع التي تدفع الإنسان ليقوم بكثير من التصرفات. وهذه الدوافع هي دوافع لا وعي. أنا لا أراها ولكن الآخر يستطيع أن يراها وأن يلفت انتباهي إليها ويقولها لي. لكن المشكلة هي أنني أرفض ما يقوله لي الآخر عن ذاتي مع الحقيقة.
إذا ما هو دور الآخر في معرفتي لذاتي ؟
يستطيع الآخر أن يقول لي الكثير من الأمور الحقيقية عن ذاتي. ولكن لماذا ؟ لأن الآخر موجود عن بعد ويستطيع أن ينظر لي بموضوعية أكبر، فالآخر موجود خارجا مثل العين الخارجية بالنسبة لي. والإنسان حتى يستطيع أن يعرف ذاته فهو محتاج لأن يضع نفسه مع ذاته خارجا.
عندما يدخل الإنسان في مغامرة تحليلية. فالمحلل هو هذه المرآة التي تعكس له ذاته من الخارج. وعندما يتكلم فهو يسمع لذاته. وبمجرد إصغائه لذاته يأخذ البعد لذاته. وعندئذ يمكن أن يكتشف ذاته إلى حد ما موضوعيا.
إذا، للآخر دور كبير في أن يكشف ذاتي لذاتي. فالآخر يستطيع أن يقول لي من أنا من خلال أقوالي وتصرفاتي وردود أفعالي، ومن خلال زلات اللسان التي يمكن أن أرتكبها أمام الآخر ومن خلال التصرفات التي من الممكن أن أتصرفها بشكل لا واعي والتي لا أنتبه لها.
وزلات اللسان مهمة كثيرا. فأنا أقول حقيقة ما وبنفس الوقت لا أسمعها. وهذا ما نجده كثيرا في التحليل النفسي. فالشخص غالبا ما يقول عكس الأمور التي يريد قولها. وعندما نلفت انتباهه ليعيد الجملة التي قالها من لحظة نجده لا يستطيع لأنه لم يسمع ولم يكن مصغي تماما لذاته.
وبالتالي فالحقيقة تخرج من نفسي، وهي تقول ذاتها من خلالي، من حيث لا أدري. هذا هو دور اللاوعي تماما. وهذا هو ما لا أستطيع أن أدركه إلا إذا كنت فعلا أصغي إلى ذاتي كما يجب. وفي هذه الحالة، فإن الآخر هو الذي يستطيع – إن صح – التعبير أن يرسل لي صورتي، ويستطيع أن يعكس لي صورتي بمرآة. إذا، للآخر دور مهم جدا في معرفتي لذاتي بشرط أن آخذ على محمل الجد ما يقوله الآخر عن ذاتي. وغالبا ما تكون ردة الفعل العفوية لدينا هي أننا نرفض ما يقوله لنا الآخر عن ذواتنا.
قبل الجواب على هذا السؤال هناك سؤال أهم: حتى أعرف نفسي وأكتشف ذاتي قبل كل شيء يجب أن يكون لدي الرغبة لأن أعرف نفسي. إذا لم يكن لدي الرغبة لا يمكن على الإطلاق أن أعرف ذاتي. ولكن من أين ستأتي هذه الرغبة ؟
تأتي الرغبة عندما يكون لدي أقل نسبة ممكنة من الصدق مع ذاتي، وغالبا يكون لدى الإنسان مثلا مشكلة أو أزمة أو سؤال جدا مهم بخصوص ذاته وبخصوص هويته الشخصية، النفسية، الجنسية، . لكن لا تكون لديه الرغبة الكافية، ولهذا السبب لا يخطو الخطوة، فينتظر حتى تتفاقم الأمور ثم يجد نفسه من حيث لا يدري يطلب المساعدة حتى يدخل أعماقه ويكتشف ذاته ويتعرف عليها.
فإذا لم تكن لدي الرغبة لا يمكن أن أعرف ذاتي. وحتى تكون لدي الرغبة يجب أن يكون لدي أقل ما يمكن من الصدق.
والسؤال هو: من أين يأتي الصدق ؟ الصدق يأتي من ثقتي بنفسي أني إنسان محبوب. والسؤال: من أين ستأتي الثقة بذاتي على أنني كائن محبوب ؟ هذا يعود إلى الخبرات التي أستطيع أن أعيشها مع الآخرين. وبمعنى أصح خبراتي التي أستطيع أن أقرأها. وعندما أقرأها أكتشف أن لدي أشياء حلوة. عندما يأتي شخص يتكلم عن ذاته يخرج لنا لائحة لا تنتهي من السلبيات عن ذاته وعندما نطلب منه أن يقول لنا إيجابياته، فنادرا ما تخرج هذه الإيجابيات وبمشقة كبيرة جدا. لماذا ؟ هل لأنه ليس لديه إيجابيات ؟ في الحقيقة لا يوجد إنسان ليس لديه إيجابيات وأشياء حلوة لأن كل إنسان جوهره حسن وطيب وغني ولكن المشكلة هي أننا نخنق هذا الجوهر (الحقيقة) ونشوهها ونعيش بعيدين كليا عن هذا الجوهر.
إذا كنت أريد أن أعرف ذاتي يجب أن يكون لدي الرغبة وأن يكون لدي وسائل أستخدمها وأمارسها حتى أعرف ذاتي. فما هي الوسائل التي تسمح لي أن أعرف ذاتي ؟
1- أولها وأهمها هو أم أجلس مع نفسي بكل بساطة .. في بداية حديثي قلت أننا غالبا ما نعيش في هروب مستمر من ذاتنا إلى الأمان. غالبا ما أقدم للآخر صورة عن ذاتي كما يريدها هو، إذا أهم وأول وسيلة هي أن أصغي إلى ذاتي، ولكن كيف يتم ذلك ؟ إذا أصغيت لما يقوله الآخرون عن ذاتي. لكن ليس كل شيء. على الأقل أن آخذ على محمل الجد ما يقوله لي الآخر. وأتساءل هل ما قاله لي الآخر صح أم لا، أي أ يكون لدي الجرأة على الأقل أن أطرح على ذاتي هذا السؤال لأن الآخر غالبا ما يقول لي حقيقة عن ذاتي من خلال المزاح. لأنه لا يوجد لأحد جرأة أن يقول للآخر الحقيقة وجها لوجه. فيقولها دائما عن طريق المزاح. في كل مرة يقول لي الآخر شيء عن حقيقتي من خلال المزاح، أستطيع أن أقول لنفسي أن 90 % من هذا الكلام صحيح وحقيقي. أصغي إلى ذاتي عندما أقرأ خبراتي . أي عندما أتساءل في آخر النهار عما عشته في هذا النهار. وطبعا أكون قد عشته مع الآخرين ومع الناس من حلو ومر، ومن فرح وكآبة وحزن وتعازي، ومن غنى وفقر ومن قوة وضعف. أقرأها ليس لأذنب نفسي، ولا لأؤيد ذاتي، بل أقرأها بكل بساطة كمن يشاهد أمامه فيلما سينمائيا. أنظر إلى ذاتي نظرة خارجية وأتساءل كيف أعيش، كيف أتصرف مع الناس ؟ لماذا كانت ردة فعلي عنيفة هنا ؟ لماذا لم تكن لدي الجرأة هناك لأن أعبر عن الشيء الذي بودي أن أقوله للآخر ؟ لماذا جرحني هنا الآخر وأنا صمت ؟
ومن خلال هذه القراءة اليومية لذاتي وللخبرات التي أعيشها فإنني أستطيع أن أحقق ثورة كبيرة جدا في حياتي الشخصية.
2- يمكن أن اكتشف وأعرف ذاتي من خلال الإنجيل إذا كنت أعرف كيف أقرأ إنجيلي بموضوعية. لا أن أركض وأرى الأفكار التي أريدها وأسقطها على النص الذي أريده لأن إنجيلي يكشف لي حقيقتي.
عندما أقرأ الإنجيل أدرك أن الشخصيات التي في الإنجيل ما هي إلا مواقف أنا أعيشها وأمر فيها. فالفريسي ليس هو فقط من كان يعيش قبل 2000 سنة، بل هو موقف أنا أعيشه بين فترة وأخرى. ومريم المجدلية هي أنا وكذلك لص اليمين. إذا، كل هذه الشخصيات والمواقف التي أجدها في الإنجيل هي ببساطة مرآة تعكس لي كل المواقف التي من الممكن أن يمر الإنسان بها. وبالتالي أمر أنا بها. ولهذا فإن إنجيلي يعتبر وسيلة ثمينة للغاية حتى أعرف ذاتي. ويمكن أن يكون وسيلة في البداية، قبل أن أجلس وأقرأ نهاري فهو على الأقل نص أقرأه. لكن في نفس الوقت، لا بد من أن أقرأ خبراتي وما عشته في هذا النهار مع الناس من دون حكم ومن دون أن أقع في هوس أنني سأتذكر كل شيء من الألف إلى الياء خلال هذا النهار منذ الصباح وحتى اللحظة التي أنا موجود فيها. وبعد فترة ألاحظ يوما بعد يوم كم أصبحت أعرف نفسي وبالنتيجة سيكون هناك تغيير في ذاتي وتصرفاتي وعلاقاتي مع الآخرين. وإلزاما يكون هذا التغيير إيجابيا.
قد نحاول أن نقوم في هذه التجربة ونقول أننا لم نتغير. ولكنها في الحقيقة تحتاج إلى مراس. لأن الإنسان لا يتغير بسهولة ولا يغوص إلى أعماقه بهذه السهولة. فهناك لا وعي والعملية تحتاج إلى صبر وتمرين ومراس. وإذا قمت بها مرة في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنة فلن أحرز أي نتيجة حتى في أي مجال في الحياة.
فمثلا إذا أردت أن أتعلم الكمبيوتر أو الموسيقى فلن أتعلم أي شيء إذا مارست ذلك مرة في السنة. كل شيء في الدنيا يريد الإنسان أن يعرفه ويكتسبه يحتاج إلى استمرارية وتمرين يومي هذا أمر أكيد وحتمي.
3- يمكن أن نقول أنني إذا أردت أن أغوص في نفسي أكثر فمن الممكن أن أطلب مساعدة إنسان آخر. قد يكون عند هذا الآخر اختصاصي في هذا المجال ولكن ليس من الضروري ذلك أيضا. إننا أحيانا نحتاج إلى وسيلة أخرى خارجية مثل إنسان أنا أثق به ويلعب دور المرآة التي تعكس نفسي لذاتي من خلال الأسئلة التي يمكن أن يوجهها لي. وهنا طبعا أنا لا أختار صديقي أو شخص من عمري. بل يجب أن أختار إنسان ذو ثقة أولا ولديه خبرة في الحياة حتى يستطيع أن يوجه لي الأسئلة المناسبة والتي تساعدني على أن أتقدم في هذه المسيرة.
عندما أختار رفيقي مثلا، فأنا ظاهريا أقنع ذاتي أنني أريد مواجهة ذاتي لكنني عمليا أكون قد أخذت أفضل وسيلة لكي أهرب منها. لأن صديقي لن يقول لي حقيقتي وهذا الأمر معروف.
وكذلك ليس لدي الجرأة والثقة لأن أقول حقيقتي لنفسي وليس لدي الجرأة لكي أقول للآخر حقيقته بوجهه. لأنني أخاف أن لا يبقى صديقي لأن علاقتي معه هي علاقة تملك وليست علاقة مجانية. لذلك أقول له حقيقته من خلال المزح والتنكيت وكل الوسائل. ما عدا مجابهته وجها لوجه.
خامسا – لماذا أحاول أن أكتشف وأعرف ذاتي وإلى أين ستوصلني هذه المعرفة ؟
قلت في البداية أن هذه المعرفة وهذا الاكتشاف للذات سيوصلني إلى الفرح لأنه بمقدار ما أكون قريبا من حقيقتي هكذا أكون في الفرح.
كان المسيح إنسانا فرحا بالرغم من كل النبذ والرفض والسخرية التي واجهته في حياته، لأنه كان يتطابق مع حقيقته. كانت أقواله وأعماله واحدا. أما بالنسبة لنا، فتوجد سنين ضوئية بين كلامنا وبين حقيقتنا وبين ما نعيشه كل يوم. فمعرفتي لذاتي ستخفف هذه بين حقيقتي وبين كلامي وبين ما أعيشه على أرض الواقع.
إذا معرفة الذات مهمة جدا. لأنه بمقدار ما أعرف ذاتي، وبمقدار ما أقبل أن أدخل في ذاتي واكتشفها، بهذا المقدار سوف أقبل ذاتي.
وبشكل عام، نظرا للجهل والاغتراب الذي نعيش فيه مع ذواتنا. يوجد في النهاية رفض لذواتنا وبالعكس. فإذا قبلت أن أغامر هذه المغامرة الحلوة جدا التي فيها صعوبات وفيها لحظات معتمة ومظلمة ومؤلمة. لأنني سأكتشف في ذاتي أشياء بشعة أنا لا أريدها ولا أريد أن أراها. ولكن بنفس الوقت سأكتشف غناي والكنز الكبير الموجود بذاتي لأنني مخلوق على صورة الله. فأنا إنسان جيد رغم كل السلبيات التي لا أحبها وهي موجودة بداخلي.
إذا أهمية معرفة الذات هي أنها تجعلني أحب ذاتي. وبالتالي قبولي لذاتي يجعلني أكون في فرح. أيضا بمقدار ما أعرف نفسي فأنا لا أخاف من حكم الآخرين وآرائهم، وأعيش أكثر فأكثر ذاتي، وأنتقل من عيش حقيقتي لذاتي إلى عيش أعمق وأكمل لذاتي. وهذه النقطة مهمة جدا، لأنه بشكل عام نحن نستقبل الفرح من الآخرين، أي أن فرحنا معلق بالآخر، لذلك نعطي للآخر صورة عن نفسنا كما يريدها. ولهذا السبب أعيش وأنا معتقد أنني فرحان ولكن في الواقع أنا لست كذلك.
عندما أعيش ذاتي وأكتشفها وأقبلها عندئذ سعادتي تنبع من داخلي ولا تنبع من الآخرين. وآنذاك فرح الآخرين يكون فرح لي، وليس الآخرين هم مصدر الفرح لي. فهناك فرق بين أن فرحي مرتبط بالآخر الذي يفرض علي أن أتصرف بطريقة معينة وأن ألبس ذاتي صورة مزيفة معينة إلزاما، وبين أن سعادتي تنبع من ذاتي وبنفس الوقت يكون فرح الآخرين فرح لي أيضا. هذا الشيء عاشه المسيح، ففرحه لم يكن من عند الآخرين وإنما فرح الآخرين كان يفرحه. ولكن فرح المسيح كان نابع من ذاته ونابع من كونه هو وحقيقته أمر واحد، لا يوجد فرق بينهما.
لا يوجد شيء في الدنيا يجعل الإنسان فرح إلا بمقدار ما يعيش ذاته وحقيقته كما هي. عندها ليس لدي أي مشكلة مع الآخرين وبماذا يفكرون عني. فما يجعلني إنسان مشلول هو آراء وأفكار الآخرين. فالناس سيستمرون في كلامهم إن عملنا الحسن وإن عملنا القبيح. فلماذا إذا هذا الخوف من أحكام الآخرين ؟ والسبب هو أن سعادتي ووجودي وكياني يستمدوا من الآخر. ولأنني أعيش ذاتي. وعندما أعيش ذاتي لا أهتم بالآخرين وآنذاك أكون إنسانا منطلق، خلاق، وكلي حيوية، فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر ذاته.
عندما أستطيع أن أعرف نفسي وأكتشف نفسي وأقبلها. عندئذ سوف أساعد الآخر أيضا على أن يقبل ذاته. لأنني سأقبله مثلما هو على حقيقته، ولن أفرض عليه صور أو أقنعة أو أفكار معينة ألبسه إياها. بل سأقبله بكل بساطة كما هو. في النهاية نقول أنني عندما أعرف ذاتي وأقبل ذاتي سأكون إنسان حر. وسأساعد الآخر أيضا على أن يكون حرا.
إذا ما تقوله العلوم الإنسانية نراه في الإنجيل: "وأنا سأرسل لكم الروح المعزي روح الحق. والحق يحرركم". عندما أكون في الحقيقة فإنني إلزاما أكون حرا. وعندما أكون حرا أكون في السعادة وفي الفرح وفي القيامة – هذا إذا كنا نتكلم لغة لاهوتية وإيمانية.
النقطة الأخيرة: أهمية كل هذه الأمور في العلاقة مع الآخر
بشكل عام وفي العلاقة مع من يمكن أن يكون يوما ما شريكا أو شريكة لي: بشكل عام، بمقدار ما أقبل نفسي أقبل الآخر، أحرر نفسي وأساعد الآخر على أن يكون حرا. وعلى صعيد العلاقة الحميمة، والخطبة، والتحضير للزواج وما شابه ذلك فيعتبر هذا الموضوع مهم جدا. لأن الكارثة أو الكوارث التي نعيشها اليوم على صعيد طلبات الطلاق كثيرة. وهي تأتي من أن فترة التحضير للزواج، ما قبل الخطبة أو في الخطبة هي مرحلة ومع الأسف في قمة التزييف.هي مرحلة لا علاقة لها بالحقيقة. وهي مرحلة مبنية على الكذب والمسايرة والخداع، وأنا لا أدين أحد. لأن الكذب والخداع تعاش بشكل لا واعي ولأنه ليس لأحد فيه علنية لأن يخدع الآخر إلا في حالة فرضية لن أدخل فيها في هذا الحديث.
بشكل لا واع، تعاش هذه الفترات بشكل كاذب وخداع وبعيد عن الحقيقة. إذا من المهم أن أكون في هذه الفترة صادقا مع ذاتي. وبقدر ما أكون صادقا مع ذاتي فأكون صادقا مع الآخر. والشيء الملفت للنظر في فترة الخطبة والتحضير للزواج، هو فترة "المسايرة". لماذا يساير المحبان بعضهما البعض ؟ يسايران بعضهما لأنه هكذا تربيا، تربيا على المسايرة، وعلى النفاق، وعلى الكذب، وعلى كل شيء، إلا على الحقيقة، الحقيقة مع الذات وبالتالي حقيقة مع الآخر.
أحيانا عندما يلتقي اثنان مع بعضهما ويقرران بناء مشروع من هذا النوع فيبدوان أنهما مستعدان لأن يدفعا أي ثمن شرط ألا يتلاشى هذا المشروع. وهناك خوف فالمحبان عندما يتحضران للزواج لا يأتيان بفكرة أنهما ممكن ألا يرتبطا مع بعضهما البعض، بل بفكرة أنهما قد قررا أن يرتبطا مع بعض. يجب أن نتمهل في هذا القرار. فإذا جئت لكي تتحضر يجب أن تقبل بأن تضع هذه العلاقة موضع تساؤل. ليس لكي تقول فيما بعد أنكما لستما لبعض بل لكي تميز. فكيف تستطيع أن تميز إذا كان القرار مأخوذ مسبقا.
مثلا، اثنان يعانيان من مشاكل وصعوبات كبيرة في مرحلة ما قبل الارتباط، عندئذ يجب الانتباه إلى كل النقاط إذا كان يمكن لهما أن يستمرا مع بعض أو لا. نجد أن أحد الطرفين يحب لأنه يدعي أنه لا يستطيع العيش دون الطرف الثاني. بقدر ما أعرف ذاتي أستطيع أن أكون صادقا مع الآخر. ومن المهم في الحياة الزوجية فيما بعد أن يواجه الزوجان معا جميع الصعوبات والأزمات التي ستواجه حياتهما بدلا من أن يواجها بعضهما البعض.
أخيرا، عندما أعيش في هذا التزييف فأنا أرفض الانتقال من العشق إلى الحب، والفارق بينهما كبير. في العشق، أنا لا أرى الآخر كما هو بل أراه كما أريد أنا. لذلك في مرحلة العشق نرى السلبيات عند الآخر لكن نبررها، ونغض النظر عنها. فإذا لم يكن عندي صدق مع ذاتي أبقى مع الآخر في مرحلة العشق. ثم يأتي اليوم الذي تظهر فيه الحقيقة كما هي، وهنا تكمن الكارثة. أما الحب الحقيقي، فما يميزه هو وجود نظرة موضوعية. أي إنني أرى سلبيات الآخر وأقبله مع هذه السلبيات التي هي برأي سلبيات.
إذا، في النهاية نقول بمقدار ما أكتشف ذاتي وأعرفها وأقبلها أستطيع أن أقبل الآخر كما هو وعندما أقبل الآخر كما هو عندها أكون جاهزا لعلاقة ارتباط.
إن الأساس الوحيد الذي يكفل الحياة الزوجية هو قبول الاختلاف بيني وبين الآخر. ولا يمكن أن أقبل اختلاف الآخر إلا بمقدار ما أقبل ذاتي كما هي بغناها وبفقرها وبحلاوتها ومرارتها