قصص و روايات و مذكرات خاصهقصص عربية , قصص أطفال , قصص غراميه , قصة قصيره , قصة طويلة , روايات , قصص واقعية , قصص من نسج الخيال , قصص موروثة , حكايات عربيه , قصص طريفه , قصص السيرة , قصص الأغبياء
قرأتها في أحد المواقع .. هزتني أحداثها وتلهفت لمتابعة فصولها
إكتملت أخيراً .. فكانت خاتمتها مثيرة بما لا أقوى على وصفه
أترككم مع أول فصولها ......
=============
قبل حوالي عقدٍ من الزمان .. ابان دراستي الجامعيه .. وفي نهاية المستوى الثاني تقريبا" .. التحقت كطالب متدرب .. بأحدى المؤسسات الصـُحـُفيه .. ومع مرور الايام .. مارست العمل الصحفي .. بمهنيه احترافيه .. خرجت منها بخبرات عظيمة .. وعلاقات لازلت ادين للفضل ببعضها.. حتى يومنا هذا .
وخلال تلك الفتره خالطت علية القوم ومتوسطيهم .. ساستهم وعلمائهم .. فنانيهم ولاعبيهم .. ادبائهم واطبائهم .. و زاملت اقلاما صـُحـُفيه .. متعددة المشارب والمواهب والتوجهات .
وكان ضمن من زاملتهم .. بطل قصتنا هذه ..
( صديقي ) .. هذه كلمته لي .. كلما رأني .. !!
اقول له احيانا" ممازحا" .. انا اخيك .. فيرد بل انت ( صديقي ) ..!!
لذلك سأطلق عليه .. خلال سرد احداث هذه القصه .. لقب ( صديقي )
كان ( صديقي ) الاعزب .. معروفا" بيننا بأناقته المفرطه .. وعطوره الباريسيه .. وحبه الشديد للتفرنج .. كنا نجتمع كطاقم تحرير .. ظهيرة كل يوم .. على طاولة مستديرة .. لتجهيز المادة الصحفيه التي ستصدر من الغد .. وحين يراني قادما" الى مكان الاجتماع .. يشير الي بأصبعه .. قائلا" : الى هنا ياصديقي .. لو لم يكن لك من مكسب في الجلوس بجواري .. الا عبق روائح ايف سان لوران .. حتى ان رئيس التحرير اذا شاهده .. يسير في احدى الردهات .. يناديه بصوت مسموع ..:
( حيا الله قزاز ) نسبة الى اشهر بائعي العطور في المملكه ..
كثيرا" ماكان يردد ( صديقي ) .. بأنه غربي الهوى .. عربي الجوى
فهو ناقم وبشده على مايعيشه مجتمعه من تحفظ .. وتقليديه وانطواء .. ورجعية ( على حد تعبيره ) يعشق نزار قباني حد الثماله .. ولا يترنم ويطيح برقبته يمنة ويسرة الا على أغاني فيروز
يقرأ لنجيب محفوظ .. وفاروق جويده ..
يملك ( صديقي ) من الخصال .. ما لاتجده متوافرا" في رجل واحد ، خلوق ذو ابتسامه لاتفارق محياه .. ذكي ونبيه .. يحتكم على قلما" سيالا" .. واسلوبا" ادبيا" رفيعا
الا ان مشكلة ( صديقي ) العظمى .. والازليه .. والتي تصيبه بالاكتئاب المزمن ..
انه لايحب ذوي ( اللحى ) ..
يمقتهم ويصرح بذلك علنا" .. وعلى رؤوس الاشهاد .. لايمكن ان يمر يوما" ما .. دون ان يشذب .. في رجال هيئات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . دائما" مايردد عنهم .. انهم حجر العثرة الصماء .. على طريق سيرنا نحو الحضاره .
بصدق ..
لم اشهده ابدا" .. يدخل الى مصلى المبنى الذي نجتمع تحت سقفه ..
اظنه كان لايؤدي الصلوات ..
كنا نناصحه .. فيقول لنا : ( ومن قال لكم اني لا اصلي .. الايمان هاهنا .. ويشير الى الجهة اليمنى من صدره لا اليسرى.. امعانا منه في السخريه ) .
اذا خرجنا هو وانا .. لوحدنا .. يفضفض لي .. عن مايكنه جوفه من هموم وافكار ورؤى .. مما يجعلني اشعر .. بمدى سطوة الشيطان على افكاره ..!! بدات أتقرب منه أكثر .. شيئا" فشيئا" .. في محاولة مني لتذكيره بالله وبرسوله واليوم الاخر .. فلم اجد منه الا قلبا" صلدا" .. واذنا" صماء ..
في يوم ( اثنين ) شتوي .. شاهد احد الاخوة السودانيين العاملين في الاقسام الفنيه بالجريده .. .. مارا" من امام مكتبه .. فدعاه الى تناول قدحا" من شاي .. شكره السوداني معتذرا" بانشغاله .. وعندما اصر ( صديقي ) .. اعتذر الضيف بلباقه .. وقال ( انا صائم )
بـُهـت ( صديقي ) .. وقال : وهل نحن في شهر صيام .. حتى تحرم نفسك . لذة شراب ساخن .. في جو قارس البروده .. !!
ساسألك .. قالها موجها حديثه للسوداني ..
هل يمكن ان تـُعفى عن صيام يوم .. في رمضان !! ؟ اذا ليكن عطائك بقدر مكسبك .. يكفيك ثلاثون يوما في العام يازول .. !!
لم نزيد السوداني وانا على قولنا .. هداك الله .. وخرجنا .
حينما كنت.. اقرأ كتابات ( صديقي ) .. غير المنشورة طبعا" .. اشعر بقشعريره . تسري في بدني ..
أي قلم يجرؤ .. على كتابة مثل هذا .. !!؟فلا اتمالك نفسي .. واؤنبه .. بل واهدده .. !
فلم يكن يزيد على قوله :
لاتعجل ياصديقي .. سيأتي ذلك اليوم الذي .. تجد ماتقرأه هنا .. امام ما سيـُنشر .
وكان زماننا ذاك .. في بداية .. ظهور زمن الاطباق الفضائيه .. اوماكنا نسميه بـ ( البث المباشر ) ..
خوفا" .. على فكري وديني .. نفذت بجلدي .. واصبحت اتحاشا .. الجلوس معه .. او التقرب منه . وأبديت له شيء من جفاء فقد اخذ اليأس طريقه الى نفسي .. من عودة ( صديقي ) الى جادة الصواب ..
شعر هو بذلك .. فكان كلما رأني .. يقول .. لن تبرح ان تكون ( صديقي ) !!
ارد عليه بأبتسامة باهته .. وفي داخلي اقول (( اللهم رده اليك ردا" جميلا )
بعد عدة اشهر ..
كنت اسير في احد الشوارع التجاريه .. المكتظه بمحلات الازياء .. واذا ببصري يقع على ( صديقي ) على قدميه وبجواره فتاه .. تلف ساعدها الايسر حول يمناه .. وتحمل في يمينها عدد من الاكياس المليئه بالمشتريات ..
لم تكن تلك الفتاه .. متحجبه بالشكل الذي نعهده نحن في نساء بلادنا .. فحجابها لايكاد يغطي عشر وجهها !!
وكعادتنا نحن السعوديين .. حينما يشاهد احد منا صديقا" له .. ومعه اسرته .. فأنه يتحاشا اللقاء به مباشرة .. !!
وهذا مافعلته .. اتحت له الفرصه ليكون لقاءنا وسلامنا منفردا" .. مسترجعا" بذاكرتي .. متى اقدم هذا ( الصديق ) على الزواج .. !!؟
الا انه رفع عقيرته .. مناديا" (( صديقي )) ..
توقفت .. واقبل عليّ .. وهو في ذات الوضع مع تلك الفتاه .. !!
ومع اقتراب خطواتهما مني .. وهي بجواره .. بدأت اشعر بتعرق جبيني ..وكفاي !!
مد يده مصافحا" .. ومعانقا"
كيفك .. !؟ قالها لي .. !!
يمم وجهه شطر صاحبته وقال : اعرفك على خطيبتي .. ( فلانه الفلاني ) ..
و مدت هي يدها نحوي .. للسلام .. !
تزامن مدها (الجريء ) ليمناها .. بقصد السلام .. مع صوت بالكاد يـُسمع لـ ( طقطة ) لبان بين فكيها ..فاشمئزت نفسي ..
مددت يدي ..
وبعنف ..
نحو ذراع ( صديقي ) .. وتنحيت به جانبا" .. !!
من هذه الفتاه .. !؟ قلتها له ..
الم اقل لك انها خطيبتي .. !؟ هكذا اجاب .!!
قلت له : اظنك تقصد ان تقول ( قرينتي ) .. فقد تم عقد قرانك عليها .. ولم تدخل بها بعد . .!
تبسم .. وقال لا .. لا ..
انا اعي ماترمي اليه .. ياصديقي المتخلف ..
عقد القرآن.. سيكون بعد اختبار مشاعر كل منا نحو الاخر ..!!!
شعرت بان اوداجي قد تورمت ..
ولكن يـا ( صديقي ) .. انت هنا تجاوزت كل الخطوط الحمراء .. منها والسوداء
شرعا" .. وعرفا" .. وسلوكا" .. فأنت مذنب .
من اباح لك الخروج والانفراد بها .. وبهذا الشكل الموغل في ازدراء المحيطين بك .. ؟
قاطعني ..
دع عنك نصائحك الذهبيه .. ووفرها الى ان نلتقي في الجريده .
وهناك ساشرح لك الامر .
والان دعني اذهب قبل اغلاق المتاجر لصلاتكم !!!
تأبط ذراعها .. وغادرا
وفي القلب منه حسره ..
انتظرت قدوم اليوم التالي .. بفارغ الصبر
بحثت عنه حتى وجدته ..
حين شاهدني .. بادرني .. مرحبا" بـ ( الرفيق ) ..
هززت رأسي .. لايهم ان اكون ( صديق ) او ( رفيق ) ..
اخذته الى حيث لا احد ..
وعلمت منه .. ان تلك الفتاة هي ابنة احد اشهر من عـُرف عنهم .. حب التأمرك ..
واهم دعاة التغريب .. وخروج المرأه
وانها بالفعل خطيبته .. وخروجها معه بموافقة .. ذويها ..
وانه لامانع لديهم .. طالما انهم يثقون في ( صديقي ) .. ونواياه حسنه .
بل انها تلقى التشجيع .. من والدها شخصيا" ..
بعد ان ادلى بكل هذه المعلومات ..
حاولت ان ابين له .. خطأ مايذهب اليه ..
وان الشيطان حريص على اغوائه ..
بقينا ( صديقي ) وانا .. في مد وجزر .. على مستوى العلاقات الشخصيه ..
اكن له شفقة وخوفا .. و يحمل لي محبه وتقديرا .. اشعر بها من خلال تعامله معي .. !!
ذات مره ..و في مناسبة عشاء
وبعد ان انتهينا من تناول الطعام .. تقابلنا امام مغاسل اليدين ..
فقد كان هو على يميني .. وعلى شمالي أخ ( ملتح ) ..
نظر اليه بتعجرف .. وهو في طريقة الى مغادرة المكان ..
وهمس لي .. ( كم اكره هذه اللحى ) . !!
اذا" فأنت تكره محمد عليه السلام وصحابته ..!! هكذا رميت بها على مسامعه .
ارتبك .. وقال انا لا اقول بهذا ..
ولكنك تكره سنته واوامره .. وهذا يعطي انطباعا" بانك تكرهه ..
فلو كنت تحبه صادقا" .. لأقتديت به ..
وفي اقل الاحوال لصنت لسانك عن الاستهزاء بأتباعه ..
استشف من حديثي الجفوه والغلظه ..
فغير مسار الحديث ..
كرهت البقاء .. وغادرت .
شاء الله .. ان انهي علاقتي .. بتلك المؤسسه الـصُحـُفيه .. وان اغادر الى موقع اخر ..
وبقيت ذكرى ( صديقي ) .. ومواقفه المؤلمه .. تدور في مخيلتي ..
كان في داخلي صوت ينادي .. بأن لاتدعه للشيطان !!
وكنت كلما قرأت له .. اعجب بأسلوبه .. واتذكر جميل اخلاقه .. فأدعو له :
( اللهم رده اليك ردا جميلا ) .
تقطعت بنا السبل .. ونأت بنا الايام ..
ونسيت ( صديقي ) .. وهو كذلك .. نسيني .
فمن بـعُد عن العين .. نسيه القلب ..
وانشغل كلٌ منا بحياته .. ولم اعد اعلم .. ماالذي انتهى امره اليه .. هو وصاحبته .
الا انني كلما التقيت .. بأحد ممن زاملنا .. وسألته عنه
قال لي : هو بخير .. ( ولازالوا في طغيانهم يعمهون ) ..
مرت سنوات ..
وذات يوم .. وبينما كنت منهمك .. في عمل ما .. بحضور جمع من الناس ..
اذا بصوتٍ يأتيني من الخلف ومن صوب كتفي الايمن .. هامسا" ..
(( مرحبا" ياصديقي ) ) ..
التفت بدهشه .. فالصوت معهودا" و قد لامس مسمعي ..
ونبراته ليست بغريبه على طبقات اوتار اذني ..
فاذا انا بصاحبي ..
عقدت الدهشة لساني ..
نظرت اليه فقط
ولم أمد له يدي مصافحا" ..
وشعرت بأن خلايا المخ لدي .. قد تباطأت للحظات في نقل التوجيه الى تفكيري ..
فلم اعد ادرك مالواجب علي فعله .. !
حساسية المكان .. واهمية الزمان .. الذي التقينا في .. وهول المفاجأة
تواكبت جميعها .. لتشل قدرتي على اتخاذ القرار المناسب .. !
التقت عيناي .. بعينيه !
وشعـُر هو .. بهول الصدمه والحيرة .. التي اعيشها ..
تسمر في مكانه ..
واغرورقت عيناه .. بدمعة حرى صامته .. جامده !!
لاهو بالذي مسحها .. !!
ولا هي بالتي .. انسكبت على خده ..!
لم امد له يدي مصافحا" ..
ابدا" .. ابدا"
فما تلك اللحظة .. بلحظة التقاء الاكف ..
بل هي لحظات التقاء القلوب ..
شرّعتُ له .. ذراعيّ الاثنتين ..
وما كاد يراها وقد شـُرِّعتْ
الا وارتمى بينها بكل ما اوتي من قوة ..
والتفـّتْ يمينه لتلقي شماله .. حول كتفيّ
وكأنه غريق .. في بحر لجي .. وقد وجد ضالته .
شعرت بأزيز اضلعه ..
وسخونة انفاسه
وكأنما في حنجرته .. سدود وحشرجات !!
لم ينطق ببنت شفه ..
وما زال مقدار قوة احتضانه كما هي .. لم تخبو .. او تقل!
تركت له نفسي ..
ووضعت يمناي .. خلف رأسه المتعب !
واذا به يطبع قبلة .. على كتفي الايمن .. لم اشعر بأصدق منها .. من اخٍ لأخيه ..!!
رفعت رأسه ..
لأبصر وجهه ..
فاذا بأودية من الدموع .. قد تراكمت .
وسارت ..
وانسدلت ..
بتحنان بالغ ..
على خديه ..
ومن ثم ..
على ( لحية ) ..
لم ار بأجمل منها ..
قد نبتت على عارضيه ..
قال لي : وعبراته تتزافر ..
واضلعه تتنافر ..
انت ( اخي ) ..
ولست بـ ( صديقي ) ..
قبلت جبينه .. بقوة
وعانقته من جديد ..
كان الزمان .. ضحى التاسع من ذو الحجه ..الفائت
وهو اشرف يوم اشرقت فيه شمس ..
وكان المكان .. في مخيم دعوي .. على ارض عرفات الطاهره ..
وكان ( أخي ) .. يلتحف بردائين ابيضين ..
كأنصع مارأيت من بياض ..
اخذته بيده ..
فأنقاد طواعية ..
وفي الطريق الى خيمتي ..
كانت دموعه تذرف بصمت ..
واصابع يسراه .. تقبض على انامل يمناي .. بكل ما اوتي من قوه !
وكانني أسيرٌ بين يديه .. يخشى هروبي !
اللهم ما اكرمك .. وما احلمك .. وما اجودك ..
اهذا هو ( صديقي )
عدو ( اللحى ) اللدود
وقد اصبح ..
صديق ( اللحى ) الودود ..
(( اللهم ردنا اليك ردا جميلا ))
دخلنا الخيمه ..
وبعد ان اسندته الى صدرها ..
حيا الله ( صديقي ) .. قلتها له .
رمقني بنظرة عتاب .. وقال :
الم اقل بأنك ( اخي ) ..
اجبته :
بل انت من اغلى الاخوان .. ايها الحبيب !!
مرت لحظات صمت ..
وفي قلبي شوق عارم .. لمعرفة سر تحوله ..
من ذلك المقاتل الشرس .. الى الحمل الوديع .. !!
اردت ان اسأله .. انـّـى لك هذا !!؟
لدي الف سؤال وسؤال .. اريد نثرها بين يديه .
فأثرت الانتظار .. ريثما تهدأ نفسه وتستقر مشاعره ..
وما هي الا لحظات .. حتى عاد الى هدؤه
ونظر الي .. .. وبحنكته التي اعرفها فيه ..
وقال ..: لديك اسئلة كثيرة .. اليس كذلك ؟
اومأت له برأسي .. كدليل موافقه .. !
سأجيبك .. عن كل شيء ..
فقط .. عندما نعود الى مدينتنا .. وبعد ان نكمل حجتنا .. !!
سأحدثك بأهم حدث عرفته في حياتي .. !!
وكيف احياني الله .. بعد موتي !!
وماذا قلت لأبنتي الصغيره ..؟
ومن ذاك الذي دعاني وانا نائم ؟
فقط كن بالقرب .. وعلمّني ..
كيف احب الله ورسوله .. ؟؟
بقينا في ضيافة الرحمن .. بقية ايام الحج ..
رأيت في اخي .. لهف وشوق .. الى محبة الله .. لم اره في احد قبله ..
كان دعائه .. مصحوب بدوع الندم .. وحسرات الضياع .. !
قبيل غروب شمس يوم عرفه .. انتحى جانبا" ..
وانا ارمقه بنظرات المشفق المحب ..
وقد ستر خديه وعينيه بكفيه ..