عرض مشاركة واحدة
قديم 08-10-2007, 12:11 PM   #9 (permalink)
 
الصورة الرمزية أبو خالد
افتراضي رد: موسوعة الملل والفرق


الباب الخامس ‏

الباطنية

الفصل الأول تمهيد في‎ ‎بيان خطر هذه الطائفة‎ ‎
________________________________________
الفصل الثاني متى ظهر‎ ‎مذهب الباطنية‎ ‎
________________________________________
الفصل الثالث الغرض من‎ ‎إقامة هذا المذهب وكيف تأسس‎ ‎
________________________________________
الفصل الرابع أسماء‎ ‎الباطنية وسبب تسميتهم بتلك الأسماء‎ ‎
________________________________________
الفصل الخامس الطرق‎ ‎والحيل التي يستعملها الباطنيون لإغواء الناس‎ ‎
________________________________________
الفصل السادس عقائد‎ ‎الباطنية‎ ‎


الفصل الأول

تمهيد في بيان خطر هذه الطائفة

مذهب الباطنية من‎ ‎أخبث وأردأ المذاهب، وأهله من عتاة الشر وأفسد المخلوقات، وهم أعدى ‏أعداء المسلمين‎ ‎قديماً وحديثاً، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى بعض عقائدهم ‏نحو‎ ‎المسلمين، فذكر أن لهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة، فإذا كانت لهم مكنة‎ ‎يسفكون دماء المسلمين، وإن عجزوا لجئوا إلى الخطط والمؤامرات السرية ضدهم، وحينما‎ ‎استولوا على البحرين وصارت لهم فيه دولة عاثوا فساداً‎.
وكذلك حينما تمكنوا من‎ ‎الوصول إلى مكة والناس في الحج قتلوا الحجيج، بل حصدوهم كما ‏تحصد الحشائش، وألقوا‎ ‎بجثثهم في بئر زمزم، وبعضهم دفنوهم في صحن المسجد، وبعضهم ‏تركوهم جثثاً منثورة، ثم‎ ‎اقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه معهم، وقتلوا من علماء المسلمين ‏ومشائخهم وأمرائهم‎ ‎وجندهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى‎.
وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين، فقد‎ ‎كانوا في أيام الحروب الصليبية أعظم أعوان النصارى، ‏فلم يستول الصليبيون على‎ ‎السواحل الشامية إلا من جهتهم، وما دخل التتار بلاد المسلمين إلا ‏بمعونتهم، فلقد‏‎ ‎كان النصير الطوسي أبرز عيونهم، ولقد كان الخليفة مغتراً به‎.
وما أن دخل التتار‎ ‎بغداد حتى حرضهم النصير الطوسي على قتل الخليفة وعشرات الألوف ‏من المسلمين، وهدم‎ ‎عليهم دورهم، وقتل النساء والأطفال، وسبى من أراد سبيه من نسائهم ‏وفضحهن، وأغرق‎ ‎كثيراً من كتب المسلمين في نهر دجلة حتى تغير ماء النهر‎.
وأعظم أعيادهم هو‎ ‎اليوم الذي يصيب المسلمين فيه بلاء وكرب، كيوم استيلاء الصليبيين على ‏سواحل الشام،‎ ‎وكيوم استيلاء التتار على بغداد‎.
كما كانت أعظم مصائبهم يوم أن نصر الله‎ ‎المسلمين على التتار والصليبيين والعبيديين‎.
وقد أوجز البغدادي عداوة الفرق‎ ‎الباطنية للإسلام والمسلمين في كلامه الآتي فقال‎:
‎((‎اعلموا أسعدكم الله أن ضرر‎ ‎الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى ‏والمجوس عليهم، بل وأعظم من‎ ‎الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر ‏الدجال الذي يظهر في آخر الزمان،‎ ‎لأن الذين ضلوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور ‏دعوتهم إلى يومنا أكثر من‎ ‎الذين يضلون بالدجال من وقت ظهوره، لأن فتنة الدجال لا تزيد ‏مدتها عن أربعين يوماً‎ ‎وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر‎)) ‎ ‎.
والسبب أن من ذكرهم البغدادي خطرهم ظاهر وعداوتهم معروفة‎ ‎والناس يحذرونهم بطبيعة ‏الحال، ولكن الضرر الشديد يأتي ممن يتظاهر بالإسلام فيغتر‎ ‎به المسلمون، فيطعنهم من خلفهم ‏كما هو حال الباطنية في مختلف عصورهم، وقلما تجد‎ ‎كاتباً من علماء المسلمين من المؤرخين ‏وعلماء الفرق إلا وهو يذكر من أفعال هؤلاء‎ ‎بالمسلمين ما تقشعر له الجلود‎.
وقد وصف ابن كثير رحمه الله عداوتهم ووقيعتهم‎ ‎بالمسلمين حينما قادهم أبو طاهر الجنابي ‏ووصلوا إلى مكة، والناس في الحج آمنون‎ ‎مطمئنون...قال عن ذلك‎:
‎((‎فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة‎ ‎وشعابها وفي المسجد الحرام وفي ‏جوف الكعبة من الحجاج خلقاً كثيراً، وجلس أميرهم أبو‎ ‎طاهر لعنه الله على باب الكعبة ‏والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد‎ ‎الحرام، في الشهر الحرام، في ‏يوم التروية الذي هو من أشرف الأيام وهو يقول: ((أنا‎ ‎الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم ‏أنا)). فكان الناس يفروّن منهم فيتعلقون‎ ‎بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئاً بل يقتلون وهم ‏كذلك، ويطوفون فيقتلون وهم في‎ ‎الطواف...))) إلى أن قال‎:
‎((‎فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره، وفعل ما فعل‎ ‎بالحجيج من الأفاعيل القبيحة أمر أن تدفن ‏القتلى في بئر زمزم ودفن كثيراً منهم في‎ ‎أماكنهم من الحرم وفي المسجد الحرام. وهدم قبّة ‏زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة ونزع‎ ‎كسوتها عنها وشققها بين أصحابه‎...)) ‎ الخ ما ذكره عن ‏جرم هؤلاء، وقد حدد بعض العلماء عدد من قتل بثلاثة‎ ‎عشرة ألف نسمة‎ ‎ ‎.
وكان شيخ‎ ‎الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أشد المحذرين من الباطنية لمعرفته الواسعة‎ ‎بمذاهبهم، وقد أجاب من سأله عنهم بجواب طويل جاء فيه‎:
‎((‎هؤلاء القوم المسمَّونْ‎ ‎بالنصيرية‎ ‎ هم وسائر أصناف‎ ‎القرامطة الباطنية أكفر من اليهود ‏والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم‎ ‎على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ‏أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار‎ ‎والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون ‏عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت،‎ ‎وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسلوله ‏ولا بكتابه ولا بأمر ولا بنهي ولا‎ ‎بثواب ولا بعقاب ولا بجنة ولا بنار‎...)).
إلى أن قال: ((فإن كانت لهم مكنة‎ ‎سفكوا دماء المسلمين كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر ‏زمزم...)) إلى أن قال‎: ‎ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى ‏من جهتهم، وهم‏‎ ‎دائماً مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم ‏المصائب عندهم‎ ‎انتصار المسلمين على التتار‎.
ومن أعظم أعيادهم إذا استولى –والعياذ بالله‎- ‎النصارى على ثغور الإسلام‎.
ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة‎ ‎بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعونتهم ‏ومؤازرتهم، فإن منجم هولاكو الذي كان‎ ‎وزيرهم وهو النصير الطوسي، كان وزيراً لهم ‏بالموث، وهو الذي أمر بقتل الخليفة‎ ‎وبولاية هؤلاء‎)) ‎ ‎.
وفي كتب‎ ‎الباطنية من المدح والتمجيد لهذا المجرم ما لا يستحقه. يقول مصطفى غالب عنه‎:
‎((‎حتى أخضع هولاكو خان قلعتي ((آلموت))، ((ميمون دز)) فعثر على هذا الفيلسوف‎ ‎الكبير ‏في مرصد القلعة، فاقتاده الجند إلى هولاكو خان، ولما مثل بين يديه أكرمه‎ ‎وطلب منه أن ‏يلتحق بخدمته كوزير له، فرفض في بادئ الأمر إلا إذا أمن على أرواح‎ ‎وممتلكات ‏الإسماعيلية، فوعده خيراً شريطة أن يرافقه في حملته على بغداد، وهكذا‎ ‎انتقل هذا الفيلسوف ‏العظيم إلى خدمة هولاكو خان بعد أن أخذ منه العهد على المحافظة‎ ‎على الإسماعيلية‎)).
ثم قال عن إشارته على هولاكو بقتل خليفة المسلمين‎:
‎((‎وبعد أن تم لهولاكو احتلال بغداد أشار عليه بأن يقتل آخر خلفاء بني العباس‎ ‎المستعصم ‏بالله‎)).
ثم قال عن سرقته كتب المسلمين، ونهب ما شاء منها‎:
‎((‎واغتنم فرصة وجوده في بغداد، فجمع كل ما تمكن من جمعه من الكتب النادرة،‎ ‎وقيل: إن ‏مكتبته أصبحت بعد فتح بغداد‎- ‎انظر كيف يسمي تلك الفاجعة فتحاً –تضم أكثر‎ ‎من أربعمائة ‏ألف مجلد‎)) ‎ ‎.
ولقد ظل هؤلاء‎ ‎على عداوتهم للمسلمين، ورغم تشتت النصيرية قديماً لكنهم ظلوا يعملون في ‏الخفاء‎ ‎بنشاط، إلى أن استطاعوا الوصول إلى الحكم في سوريا في هذا العصر على حين غفلة ‏من‎ ‎المسلمين، فما كان لهم همّ مثل همِّهم القضاء على المسلمين أهل السنة في سوريا وفي‎ ‎غيرها، وأفعالهم اليوم تعيد إلى الأذهان فعل أسلافهم قديماً‎.
ولهم في الحروب‎ ‎التي جرت بين العرب واليهود في سنة 1967م تعاون ظاهر وخفي، إذ ‏مكنوا- كما قال‎ ‎المطلعون على أخبارهم اليهود من احتلال أجزاء كبيرة من سوريا –هضبة ‏الجولان‎ ‎والقنيطرة- ومن الأردن ومن لبنان لقاء اتفاقيات سرية ومصالح مشتركة‎ ‎ ‎.
ومن المؤسف أن تجد الكثير من أهل‏‎ ‎الكتب من أهل السنة قد انخدع بنفاق هؤلاء الباطنية، ‏فصادقوهم وأمدوهم بالأموال‎ ‎متناسين ما تنطوي عليه نيات هؤلاء، ظانين أن تغير الأسماء قد ‏أخرجهم عن ديانتهم‎ ‎وحقدهم على المسلمين‎.‎


الفصل الثاني ‏

متى ظهر مذهب الباطنية

اختلفت كلمة العلماء حول‎ ‎تحديد ظهور هذا المبدأ الهدام- على نحو ما قدمنا في بيان بدء- ‏ظهور الفرق- وقد ذهب‎ ‎بعض العلماء إلى التحديد بالزمن، فذكر أن الباطنية ظهر مذهبهم في ‏سنة 205هــ وقال‎ ‎آخرون: في سنة 250هـ، وبعض العلماء يقول: مائتين وكسر‎.
وذكر أصحاب التواريخ أن‎ ‎دعوة الباطنية ظهرت في زمن المأمون وانتشرت في عهد ‏المعتصم، ومنهم من نسب الباطنية‎ ‎إلى الصابئين بحرّان، ويذكر البغدادي أنهم دهرية زنادقة‏‎.
ويقول الديلمي في‎ ‎بيانه لنشأتهم‎:
‎((‎اعلم أن ابتداء وضع مذهب الباطنية – سلط الله عليهم طوفان‎ ‎نوح- وريح عاد وحجارة ‏لوط، وصاعقة ثمود –كان في سنة خمسين ومائتين من الهجرة‎)) ‎ ‎.
وقال عندما شرع في تفصيل مذهبهم‎:
‎((‎اعلم أن مذهب الفرقة الغويّة الضالة الشقية المسماة بالباطنية –قطع الله‎ ‎دابرها، وبتَّ ‏أواخرها، وألحق أولها بآخرها –على ما نقله العلماء –حدث بعد مائتي‎ ‎سنة وكسر من ‏الهجرة‎)) ‎ ‎.
ويقول‎ ‎البغدادي في بدء ظهور الباطنية‎:
‎((‎ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين الذين هم‎ ‎بحرّان...)) إلى أن يقول: ((قال عبد القاهر: ‏الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم‎ ‎دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم‎)) ‎ ‎.
بينما يذهب الشيخ محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي إلى‎ ‎أن نشأة الباطنية كان في سنة ‏مائتين وست وسبعين، حينما قام زعيمهم ميمون القداح‎ ‎بإنشاء هذا المذهب الخبيث وهو ‏وزملاؤه الذين كانوا على شاكلته‎ ‎ ‎.
والذي يظهر لي أن سبب اختلاف العلماء‎ ‎في تحديد نشأة الباطنية يعود إلى عوامل عدة من ‏أهمها‎:
غموض أمر الباطنية في‎ ‎أدوار كثيرة مرّ بها تاريخهم، كل واحد من العلماء أرّخ لهم حسب ما ‏وصل إليه من‎ ‎أخبارهم‎.
أن مذهب الباطنية نفسه يقبل تلك الاختلافات...فمن قال: إنهم ظهروا في‎ ‎الإسلام، فلما يبدونه ‏من تظاهرهم به وتشيعهم أيضاً لآل البيت‎.
ومن قال: إن‎ ‎أفكارهم تعود إلى ما قبل الإسلام من أفكار الصابئة أو الدهرية، فلما وجده من ‏آرائهم‎ ‎الكثيرة التي بدا عليها طابع الدهرية أو الفلاسفة القدماء أو البرهمية أو اليهودية‎ ‎أو ‏النصرانية أو البوذية، لأن مذهب الباطنية خليط من شتى الديانات‎.
والحقيقة‎ ‎التي يجب أن ندركها أن مهما كانت الأسباب فإن الدعوة الباطنية يحوطها كثير من‎ ‎الغموض خصوصاً في بدء أمرها، أي في الدور الذي يسمونه ((دور الستر))؛ إذ لا يتمكن‎ ‎أحد من معرفتهم والكتابة عنهم الكتابة الدقيقة، ومهما كان فإن عقائد الباطنية على‎ ‎العموم قد ‏استمدت من عقائد قديمة‎.
ولكن بدأ التخطيط لإقامة هذا المذهب في‎ ‎الإسلام كما يترجح من أقوال العلماء ما بين سنة ‏‏200و300هـ أي بعد انتشار الإسلام‎ ‎وعز أهله به، وانطفاء نار المجوسية، كسر صليب ‏النصارى، وكسر طاغوت الوثنية، ودحر‎ ‎اليهودية، وضرب الذلة والمسكنة عليهم‎.
فأكل الحسد قلوبهم، وبدأوا يخططون في‎ ‎الخفاء لطريق ينفّسون بها عن أحقادهم للنيل من ‏الإسلام وأهله، فاهتدوا إلى هذه‎ ‎الطرق التي سيأتي الحديث عنها، ليستيقن طالب العلم أن ما ‏نعايشه في عصرنا هذا من‎ ‎مؤامرات ظاهرة وخفية على الإسلام وأهله إنما هو امتداد لتلك ‏الحركات الأصول في ذلك‎ ‎الزمن، وإنما تخمد حيناً وتنشط أحياناً أخرى، والهدف واحد على ‏امتداد الزمن‎. ‎


الفصل الثالث

الغرض من إقامة هذا المذهب وكيف تأسس

قام هذا المذهب الهدام‎ ‎من أول الأمر على النيل من الإسلام وأهله، إما بإخراج المسلم عن دينه ‏بالكلية، أو‎ ‎بإدخال الشكوك في قلبه‎.
ولقد استفاض العلماء في بيان ذلك كله، واتضح أن قيام‎ ‎هذا المذهب كان لأسباب كثيرة ‏ومقاصد خبيثة من أهمها‎:
إبطال الإسلام والقضاء‎ ‎عليه وعلى أهله، أو زعزعته من نفوس المسلمين أو تشكيكهم فيه، ‏وإحلال المجوسية‎ ‎والإلحاد محله‎.
من أجل ذلك، ومن أجل إقامة حكم عام في الأرض تسيطر عليه الآراء‎ ‎الباطنية، وينفذ فيه ‏حكمها..قام هذا المذهب‎.
واتخذ أهله عدّة أقنعة تستّروا بها‎ ‎لتحقيق ما يهدفون إليه منها‎:
اعتمادهم على تأويل النصوص تأويلات تنافي ما يقرره‎ ‎الإسلام ويأمر به‎.
إظهار التشيع لعلمهم بأن مذهب التشيع يحتمل كلامهم، إذ لم‎ ‎يجدوا مدخلاً إلى الإسلام إلا من ‏جهة إظهار التشيع والانتساب إلى المذهب الشيعي‎.
وقد تم تأسيس هذا المذهب –فيما يذكر الغزالي‎ ‎ ‎- ‎كما يلي‎:
‎((‎تم في اجتماع لقوم من‎ ‎أولاد المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية الملحدين، وطائفة ‏كبيرة من ملحدة‎ ‎الفلاسفة المتقدمين، -زاد الديلمي: وبقايا الخرمية واليهود-..جمعهم ناد ‏واشتوروا‎ ‎ في حيلة يدفعون بها الإسلام‎.
وقالوا‎: ‎إن محمداً غلب علينا وأبطل ديننا، واتفق له من الأعوان ما لم نقدر على مقابلتهم،‎ ‎ولا ‏مطمع لنا في نزع ما في أيدي المسلمين من المملكة بالسيف والحرب، لقوة شوكتهم‎ ‎وكثرة ‏جنودهم، وكذلك لا مطمع لنا فيهم من قبيل المناظرة لما فيهم من العلماء‎ ‎والفضلاء والمتكلمين ‏والمحققين فلم يبق إلا اللجوء إلى الحيل والدسائس‎.
ثم‎ ‎اتفقوا على وضع حيل وخطط مدروسة يسيرون عليها لتحقيق أهدافهم من خلال الأمور‎ ‎التالية‎:
‎1- ‎التظاهر بالإسلام وحب آل البيت والانتصاف لهم‎.
‎2- ‎دعوى أن‎ ‎النصوص لها ظاهر وباطن، والظاهر قشور والباطن لبّ، والعاقل يأخذ اللبّ ‏ويترك‎ ‎القشور‎.
وهذا الزعم الكاذب يريدون من ورائه سلب المعاني عن الألفاظ، والإتيان‎ ‎بمعان باطنية تتفق ‏مع ما يهدفون إليه من الكيد للإسلام‎.
‎3- ‎اختاروا أن يدخلوا‎ ‎على المسلمين عن طريق التشيع، وعلى مذهب الرافضة، وإن كان ‏هؤلاء الباطنيون يعتبرون‎ ‎الروافض أيضاً على ضلال، إلا أنهم رأوهم- على حد ما ذكر ‏الغزالي- أرّك الناس‎ ‎عقولاً، وأسخفهم رأياً، وألينهم عريكة لقبول المحالات، وأطوعهم ‏للتصديق بالأكاذيب‎ ‎المزخرفات‎ ‎ ، وأكثر الناس‎ ‎قبولاً لما يلقى عليهم من الروايات الواهية ‏الكاذبة، فتستروا بالانتساب إليهم‎ ‎ظاهراً للوصول إلى أصناف الناس، فكان ظاهرهم الرفض، ‏وباطنهم الكفر المحض)) كما ذكر‎ ‎الغزالي‎ ‎ ‎.
أو كما قال‎ ‎بعض العلماء: إن الإمامية دهليز الباطنية ...وهذا هو التفسير الواضح لما تلحظ ‏من‎ ‎التقارب الشديد بين الباطنية والرافضة‎.
‎1- ‎اتفقوا أن يبثوا دعاتهم وأن يلزموهم‎ ‎بخطة ماكرة، وهي أنه يجب على كل داعية أن يوافق ‏هوى المدعو مهما كان مذهبه ودينه‎ ‎مستعملاً معه الحيل التسع المعروفة عنهم والتي سنذكرها ‏فيما بعد‎.
وكان من أبرز‎ ‎دعاتهم ميمون بن ديصان القدّاح، وهو رئيسهم‎ ‎ ، وابنه عبيد الله، وحمدان ‏قرمط‎ ‎ ، وزكرويه بن مهرويه –عبدان-، وأبو سعيد‎ ‎الجنابي، وولده أبو طاهر‎ ‎ ‎...‎وغيرهم ‏ممن يطول حصرهم هنا‎.
وقد تحمل دعاة الباطنية كثيراً‎ ‎من المشقة والآلام والأسفار الكثيرة في نشر باطلهم من بلد إلى ‏بلد، مما يتوجب على‎ ‎أهل الحق- وهم يعرفون بأنهم سيحصلون من دعوتهم إلى الله على ‏خيري الدنيا والآخرة‎ –‎ألا يكون هؤلاء الطغاة أكثر حماساً وصبراً منهم في نشر باطلهم‎. ‎


الفصل الرابع ‏

أسماء الباطنية
وسبب تسميتهم بتلك الأسماء


أطلقت على هذه الطائفة‎ ‎أسماء كثيرة للتمويه على الناس، بعضها يقبلونه وبعضها لا يقبلونه، ‏ومن أشهرها‎: ‎
________________________________________
الباطنية‎: ‎
وقد أطلق عليهم هذا‎ ‎الاسم لزعمهم أن النصوص من الكتاب والسنة لها ظاهر وباطن، وأن الظاهر بمنزلة القشور‎ ‎والباطن بمنزلة اللب‎ ‎ ‎. ‎
________________________________________
الإسماعيلية‎: ‎
نسبة إلى إسماعيل‎ ‎بن جعفر الصادق لزعمهم الانتساب إليه‎ ‎ لأن والده جعفر الصادق نص ‏إلى إمامته من بعده، وأوصى له بها رغم‎ ‎أن علماء النسب مجمعون على أن إسماعيل مات في ‏حياة والده سنة (145هـ)، لكن‎ ‎الإسماعيليون يزعمون أن إسماعيل لم يمت في حياة والده ‏وفي العام المذكور‎.
بل إن‎ ‎أباه قد جعله وصيه، ولخوفه عليه من الخليفة العباسي احتال لإخفائه عنه فكتب محظراً‎ ‎بوفاته وأشهد عليه عامل المنصور العباسي بالمدينة المنورة، وفي نفس الوقت توجّه‎ ‎إسماعيل ‏سراً إلى (السلمية) وهي من أعمال حماة، وإلى الجنوب الشرقي منها، بينهما‎ 35‎كم، وهي ‏مركز الإسماعيلية حيث كان يقيم فيها آنذاك رهط من بني هاشم، وانتسب إليهم‎ ‎فعرفوه وأقام ‏بينهم‎.
يقول مصطفى غالب عن سلمية هذه‎:
‎((‎ويكفي سلميّة فخراً‎ ‎أنها أنجبت جماعة إخوان الصفا، ومنها انطلقت جحافل الإمام عبيد الله ‏المهدي لتأسيس‎ ‎الدولة الفاطمية في المغرب‎)).
ثم يزعم الإسماعيليون أن الخليفة العباسي علم‎ ‎بمكان إسماعيل في السلمية، وحينئذ خرج ‏إسماعيل متخفياً إلى دمشق، وعلم به كذلك‎ ‎الخليفة، وكان العامل على دمشق إسماعيلياً فأخبر ‏إسماعيل بما كتب به الخليفة من‎ ‎إلقاء القبض على إسماعيل وإرساله إلى الخليفة‎.
فقرر إسماعيل التوجه إلى العراق‎ ‎ووصل البصرة سنة 151هـ، ثم ظل ينتقل بين أتباعه سراً ‏وتحت أزياء مختلفة وأسماء‎ ‎عديدة إلى أن توفي سنة 158هـ بعد أن رزق –حسب زعمهم- ‏من الأولاد محمد وعلي وفاطمة،‎ ‎وبعد أن أوصى بالإمامة من بعده إلى محمد‎ ‎ ‎.
وقد حصل شقاق وتفرق بين الإمامية والإسماعيلية في سوق‎ ‎الإمامة، فبينما هي عند الشيعة ‏الاثني عشرية في جعفر الصادق ثم في موسى الكاظم، إذا‎ ‎هي عند الإسماعيلية في جعفر ‏الصادق ثم في ابنه إسماعيل ثم في محمد بن إسماعيل..إلى‎ ‎آخر أئمتهم المستورين‎.
وقد تفرقت الإسماعيلية إلى ثلاث فرق معاصرة هي‎:
الدروز‎.
الإسماعيلية النزارية-البهرة‎-.
الإسماعيلية الأغا خانية‎.
وأخبار الإسماعيلية طويلة، وقد كتب فيها الشيخ إحسان إلهي كتاباً مستقلاً‎ ‎ ‎.‎
________________________________________
السبعية‎: ‎
قيل في سبب إطلاق هذه‎ ‎التسمية عليهم ما يلي‎:
لدعواهم أن أدوار الإمامة سبعة سبعة، كلما انتهى حكم‎ ‎سبعة من الأئمة قامت القيامة وابتدأ ‏الدور من جديد إلى ما لا نهاية‎.
ثم لشغفهم‎ ‎بالعدد سبعة حيث فسروا كثيراً من الأمور على وفق هذا العدد، فقالوا: إن السموات‎ ‎سبع، والأرضين سبع، والكواكب السيارة سبعة، والأيام سبعة، وأعضاء الإنسان سبعة،‎ ‎والنقب ‏في رأس الإنسان سبعة...إلى آخر أدلتهم على مزية العدد سبعة‎.
وقد رد بعض‎ ‎العلماء على الإسماعيلية بتفضيل بعض الأعداد على السبعة، إما الأربعة، أو ‏الخمسة،‎ ‎أو العشرة، وكل ذلك مما لا طائل تحته ولا حاجة تدعو إليه، والذين يتشاءمون ‏بالأعداد‎ ‎أو يتفاءلون بها جهال‎.
وقيل: إنه أطلق عليهم بسبب اعتقادهم أن العالم السفلي‎ ‎تديره الكواكب السبعة وهي: زحل، ‏المشتري، عطارد، المريخ، الزهرة، الشمس، القمر. وهي‎ ‎عقيدة مأخوذة من ملاحدة المنجمين‎ ‎ ‎.
‎((‎وملتفت إلى مذاهب الثنوية في أن النور يدبر أجزاءه‎ ‎الممتزجة بالظلمة بهذه الكواكب ‏السبعة‎)) ‎ ‎. ‎

________________________________________
التعليمية‎: ‎
وقد أطلق عليهم بسبب أن‎ ‎مذهبهم قائم على الحجر على العقل، وإبطال النظر والاستدلال، ‏والدعوة إلى الإمام‎ ‎المعصوم المستور، وأن العلم لا يجوز أخذه إلا منه‎.
واستدلوا لهذا بأن الحق إما‎ ‎أن يعرف بالرأي أو بالتعليم، وباطل أن يعرف بالرأي لتعارض ‏الآراء واختلاف العقلاء،‎ ‎فلم يبق إلا أن يعرف بالتعليم، والعلم لا يجوز أخذه عن أحد غير ‏الإمام المعصوم‎ ‎لضمان صحته والوثوق به‎ ‎ ‎.
وهذا الدليل‎ ‎من أردأ الأدلة، بل هو يحكي رداءة مذهبهم وأفكارهم الشريرة‎.
ويرد عليهم بأن‎ ‎الإمام الذي يدعون إليه وإلى أخذ العلم عنه لا وجود له إلا في أذهانهم وفي ‏خططهم‎ ‎لاحتواء كل الأديان والسيطرة على الناس، فإن دعواهم أنه مستور لا يظهر هو أقوى‎ ‎الأدلة على كذبهم‎. ‎

________________________________________
الإباحيّة‎: ‎
وهذه التسمية التي أطلقت‎ ‎عليهم في الواقع مأخوذة من اعتقاداتهم وأفعالهم، وهم لذلك أهل ‏إباحة لا يحرمون‎ ‎محرّما ولا يلتزمون بشرع، بل الحلال ما حل في أيديهم، والحرام ما منعوا ‏منه‎. ‎ويستدلون على هذا المسلك بقول الله عز وجل: (خلق لكم ما في الأرض جميعاً‎) ‎ ‎.
ومن أدلتهم على ما يذهبون إليه أيضاً‎ ‎من استحلال المحرمات حسب بواطن النصوص التي ‏اطلعوا عليها بفهمهم السقيم قول الله عز‎ ‎وجل: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ‏بطن‎) ‎ ، وقوله عز وجل: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه‎) ‎ ، أي أن فيه حكماً ظاهراً وحكماً ‏باطناً‎.
فقالوا: إن الظواهر من النصوص قد تدل على التحريم، بينما بواطنها تدل على‎ ‎الإباحة، وهذه ‏حيلة من حيلهم لاستدراج الناس إلى مذاهبهم الرديئة وحججهم الباطلة‎ ‎على أن الأحكام لها ‏ظاهر ولها باطن، فهم يريدون من التأكيد على هذا المفهوم هدم‎ ‎ظواهر النصوص بعد ذلك ‏بتلاعبهم بمعانيها وفق أهوائهم وتحريفاتهم‎. ‎

________________________________________
‎6- ‎القرامطة‎ ‎ ‎: ‎
أما سبب تسميتهم بهذا‎ ‎الاسم فلانتسابهم إلى رجل يقال له حمدان قرمط، وهو رجل من أهل ‏الكوفة، وقد كان‎ ‎راعياً مائلاً إلى الزهد والديانة‎ ‎ ‎-‎فيما يذكر عنه- في بداية حياته، وقيل: إنه ‏كان يتظاهر بذلك وأنه‎ ‎على المجوسية‎ ‎ فصادفه أحد دعاة‎ ‎الباطنية –ويسمى حسين ‏الأهوازي- وهو متوجه إلى قريته، وبين يدي حمدان بقر يسوقها،‎ ‎فدارت بينهما المحادثة ‏التالية‎:
قال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه ولا يعرف‎ ‎حاله: أراك سافرت من موضع بعيد فأين ‏مقصدك؟ (انظر إلى تفاني أهل الباطل في تبليغ‎ ‎الناس باطلهم‎).
فذكر له الداعي موضعاً هو قرية حمدان‎.
فقال له حمدان: اركب‎ ‎بقرة من هذا البقر لتستريح من تعب المشي- فلما رآه مائلاً إلى الزهد ‏والديانة أتاه‎ ‎من حيث رآه مائلاً إليه، وهذه إحدى خطط الباطنية – فقال له: إني لم أومر بذلك‎. ‎‎
فقال حمدان: وكأنك لا تعمل إلا بأمر؟‎
قال: نعم‎.
قال حمدان: وبأمر من‎ ‎تعمل؟‎
فقال الداعي: بأمر مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخرة‎.
فقال: ذلك هو‎ ‎رب العالمين‎.
فقال الداعي: صدقت، ولكن الله يهب ملكه لمن يشاء‎.
قال حمدان‎: ‎وما غرضك في البقعة التي أنت متوجه إليها؟‎
قال: أمرت أن أدعو أهلها وأخرجهم من‎ ‎الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن ‏الشقاوة إلى السعادة، وأن أستنقذهم من‎ ‎ورطات الذل والفقر، وأملكهم ما يستغنون به عن الكد ‏والتعب‎.
فقال حمدان: أنقذني‎ ‎أنقذك الله فما أشد احتياجي إلى مثل ما ذكرته‎.
فتحرج الداعي أن يخبره بشيء حتى‎ ‎يأخذ عليه العهد أن لا يفشي سرّ الإمام المعصوم ‏المستور، ولا يفشي له خبر- وهذه‎ ‎إحدى حيل الباطنية –فعاهده حمدان على ذلك، فشرع ‏الداعي في استدراجه إلى الباطنية‎ ‎حتى صار فيما بعد ركناً من أركانها، وصار له أتباع وفرقة ‏تنسب إليه تسمى (القرامطة‎) ‎أو (القرمطية) كان لهم في تاريخ الأمة الإسلامية حوادث هائلة، ‏وأخبار بتنكيلهم‎ ‎بالمسلمين مؤسفة‎ ‎ ‎.
قال ابن كثير‎ ‎رحمه الله في حوادث سنة 278هـ‎:
‎((‎وفيما تحركت القرامطة، وهم فرقة من الزنادقة‎ ‎الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين ‏يعتقدون بنبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان‎ ‎المحرمات، ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى ‏باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة،‎ ‎ويدخلون إلى الباطل من جهتهم، لأنهم أقل الناس ‏عقولاً، ويقال لهم الإسماعيلية‎ ‎لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج ابن جعفر الصادق‎ ‎ ‎.
وفي سنة 286 تحرك القرامطة برئاسة‎ ‎أبي سعيد الحسن بن بهرام الحنابي واستولوا على ‏هجر وما حولها من البلاد وأكثروا‎ ‎فيها الفساد‎.
وقد كان أبو سعيد هذا سمساراً في الطعام يبيعه للناس في القطيف،‎ ‎فجاء بعض الدعاة ‏الباطنيون إلى شيعة القطيف فاستجابوا له وتأمر عليهم أبو سعيد‎ ‎الجنابي، وأصله من بلدة ‏جنابه قريبة من القطيف، وعاثوا في الأرض فساداً وأخافوا أهل‎ ‎العراق والشام إلى أن هلك ‏أبو سعيد هذا في عام 301هـ فتولى بعده ولده أبو طاهر‎ ‎الجنابي وكثر دعاة القرامطة ‏وصارت لهم دولة‎ ‎ ‎.
وفي سنة 317هـ اشتدت شوكتهم جداً وتمكنوا من الوصول إلى‎ ‎الكعبة، والناس يوم التروية، ‏فما شعروا إلا والقرامطة برئاسة أبي طاهر الجنابي قد‎ ‎انتهبوا أموالهم وقتلوا كل من وجدوا ‏من الحجيج في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد‎ ‎الحرام وفي جوف الكعبة‎.
وجلس أميرهم أبو طاهر –بل أبو النجس- على باب الكعبة‎ ‎والرجال تصرع حوله، والسيوف ‏تعمل في المسجد الحرام، في الشهر الحرام، في يوم‎ ‎التروية، وكان يقول هذا الملعون: أنا الله ‏وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا‎ –‎تعالى الله عما يقول علواً كبيراً-، ولم يدع أحداً طائفاً أو ‏متعلقاً بأستار‎ ‎الكعبة إلا قتله‎.
ثم أمر بإلقاء القتلى في بئر زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة،‎ ‎ونزع كسوتها عنها، ثم أمر بأن يقلع ‏الحجر الأسود، فجاء قرمطي فضرب الحجر بمثقل في‎ ‎يده وهو يقول: أين الطير الأبابيل، أين ‏الحجارة من سجيل، ثم قلعه وأخذوه معهم، فمكث‎ ‎عندهم اثنين وعشرين سنة‎ ‎ ، وهو ابتلاء ‏من‎ ‎الله للمسلمين في ذلك الوقت‎.
وفي نفس هذه السنة نبغت لهم نابغة في بلاد المغرب‎ ‎عرفت باسم الفاطميين على يد زعيمهم ‏أبي محمد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان‎ ‎يهودياً صباغاً بسلمية فادعى أنه أسلم ثم سافر من ‏سلمية فدخل بلاد المغرب، وادعى‎ ‎أنه شريف فاطمي فصدقته طائفة كثيرة من البربر حتى ‏صارت له دولة فملك مدينة سجلماسة‎ ‎ ، ثم ابتنى مدينة سماها المهدية، وانتزع‎ ‎الملك من يد ‏أبي نصر زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب على أفريقية، وقد اختلف في‎ ‎نسبه‎:
فمرة قيل: هو عبيد الله بين الحسن بن محمد، وينتهي نسبه إلى علي بن أبي‎ ‎طالب‎.
ومرة قيل: إنه من نسل إسماعيل بن جعفر الصادق‎.
قال ابن خلكان‎:
‎((‎والمحققون ينكرون دعواه في النسب وينصون على أن هؤلاء المتسمين بالفاطميين‎ ‎أدعياء، ‏وأنهم من أصل يهودي من سلمية بالشام، وأن والده لقب بالقداح لأنه كان‎ ‎كحالاً يقدح العيون، ‏وقد هلك عبيد الله سنة 322هـ‎.
وتمكن حفيده المعز من‎ ‎الاستيلاء على مصر واستمر ملك العبيديين بها نحو قرنين من ‏الزمان، إلى أن قضى عليهم‎ ‎بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي في سنة 564هـ وأزال منها ‏كل آثار العبيديين وقطع‎ ‎شرورهم عن الناس، وأراح الله منهم العباد‎. ‎

________________________________________
أماكن وجود القرامطة‎: ‎
مما يجدر ذكره أن‎ ‎القرامطة توزعوا إلى أقسام، وأخذوا أماكن كثيرة تجمعوا فيها؛ ويمكن أن ‏نوجز أماكن‎ ‎تجمعاتهم فيما يلي‎:
في اليمن‎:
وقد تزعم القرامطة في أول الأمر رجلان، وهما‎: ‎المنصور بن الحسن بن زاذان، وعلي بن ‏الفضل الجدني، أرسلهما ميمون ين ديصان القداح،‎ ‎وقد تلقب المنصور بمنصور اليمن،واجتمع ‏حوله عدد من القبائل، وأظهر الدعوة باسم‎ ‎الإمام الإسماعيلي المنتظر، وقد تمكن عام 266هـ ‏أن يؤسس أول دولة إسماعيلية، وقام‎ ‎بنشاط كبير، ثم أرسل الدعاة إلى عدة جهات بعيدة عن ‏مركز الخلافة العباسية، مثل‎ ‎الداعية عبيد الله المهدي الذي ذهب إلى المغرب، وادعى كذباً أنه ‏شريف فاطمي من آل‎ ‎البيت، وكون هناك –كما سبق- دولة‎.
وكان علي بن الفضل الجدني أيضاً من أصدقاء‎ ‎المنصور إلا أنه اختلف معه فيما بعد، وقامت ‏بينهما حروب حين تمكن علي بن الفضل من‎ ‎جمع عدة قبائل حوله، ثم ادعى النبوة وأباح ‏المحرمات، وكان المؤذن يؤذن في مجلسه‎: ((‎وأشهد أن علي بن الفضل رسول الله))، وامتد له ‏العتو والفجور فكان يكتب إلى عماله‎: ((‎من باسط الأرض وداحيها، ومزلزل الجبال ومرسيها ‏علي بن الفضل إلى عبده فلان‎...))). ‎إلى أن مات مسموماً بواسطة طبيب أقسم ليقتلنه غيرة ‏لله، فتم له ذلك في سنة 303هـ‎ ‎ ‎.
العراق‎:
والمعروف أن جنوب العراق‎ ‎القريب من فارس أرض الشيعة ومهدها الأول، ومركز الجهل ‏والخرافات أيضاً، كان القاعدة‎ ‎والمركز الأساسي لانتشار القرامطة، وقد نشط الدعاة من ‏الإسماعيلية هنا أمثال مهرويه‎ ‎وهو مجوسي من أصل فارسي، وحسين الأهوازي وهو فارسي ‏وانتسب إلى الأهواز لإخفاء‎ ‎شخصيته، لأن الأهواز كانت عربية وتسمى ((الأحواز))، وعبيد ‏الله بن ميمون القداح رأس‎ ‎الدعوة الإسماعيلية الذي فرق أولاده في أماكن كثيرة من تلك ‏الجهات‎.
ونشط دعاة‎ ‎آخرون متسترون بالدين وبالانتساب إلى آل البيت وقلوبهم المجوسية تغلي على ‏الإسلام‎ ‎والمسلمين، وبسطوا نفوذهم في أماكن كثيرة من الأهواز وخراسان والشام إلى أن قتل ‏آخر‎ ‎زعمائهم وهو زكرويه عام 301هـ، وتشتت أتباعه في تفاصيل كثيرة يذكرها علماء ‏الفرق‎ ‎ ‎.
ولقد كان أساس نشأة القرامطة في‎ ‎العراق بتأثير من حمدان قرمط الذي تأثر بدعوة حسين ‏الأهوازي حين خرج من سلمية في‎ ‎الشام قاصداً العراق فصادف حمدان وجرى بينهما ما قدمنا ‏الإشارة إليه من تلك‎ ‎المحادثة التي أعقبها دخول حمدان في دعوة الباطنية، ثم كان له بعد ذلك ‏شأن كبير في‎ ‎إشاعة الفساد وتخويف الآمنين‎.
‎((‎وقد قدر عدد الضحايا الذين سقطوا في حروب‎ ‎القرامطة من أهل الشام ومن البوادي ومن ‏الحجيج ومن أهل المدن، ومن جند مصر، ومن جند‎ ‎العراق بما يزيد على 600.000 بين ‏رجل وامرأة وطفل‎)) ‎ ‎.
البحرين‎:
أول ما عرف شأن‎ ‎القرامطة في البحرين كان على يد شخص نزل البحرين وأعطى نفسه اسم ‏يحيى بن المهدي‎ ‎ ، وبعضهم يقول: الحسن بن بهرام الفارسي‎ ‎ ‎.
وقد استمال إليه الناس بالتدريج‎ ‎فأظهر بالتدرج أولاً أنه شيعي، وحينما رأى إقبال الناس ادعى ‏أنه المهدي المنتظر‎.
وكانت الدولة العباسية قد بدأت في مراحل الضعف واشتغلت بمشاكلها الداخلية‎ ‎الكثيرة، وقد ‏تبع هذا الداعية رجال كان لهم شهرة وقيادة مثل الحسن ابن بهرام الذي‏‎ ‎عرف باسم أبي سعيد ‏الجنابي، الذي عاث في الأرض فساداً، وأذاق الناس القتل والجوع‎ ‎إلى أن قتل عام 301هـ، ‏وتولى بعده أبو طاهر، وفعل أفعالاً تقشعر منها الجلود من‎ ‎القتل والنهب، فقد دخل البصرة عام ‏‏311هـ في 2700من رجاله فقتل خلقاً عظيماً وحمل‎ ‎الأموال والأمتعة والنساء والصبيان ‏ورجع بها‎.
وفي عام 312هـ قطع على الحجاج‎ ‎الطريق، فأخذ منهم جميع ما يملكون، وترك من لم يقتله ‏منهم بلا ماء ولا زاد، فمات‎ ‎أكثرهم في تلك القفار‎.
وفي عام 313هـ دخل الكوفة وعاث فيها فساداً مدة ستة أيام‏‎ ‎نقل خلالها ما أراد من الأمتعة، ‏وفعل ما فعله في العام السابق، وأغار على مدينة‎ ‎الأنبار وعين التمر‎.
وفي عام 317هـ فعل فعلته الكبرى فهجم على الحجاج في يوم‎ ‎التروية كما تقدم، فنهب ‏الأموال، وقتل الحجاج في المسجد الحرام، وفي البيت نفسه،‎ ‎ورمى القتلى في بئر زمزم حتى ‏امتلأت بالجثث، وخلع باب الكعبة ووقف يلعب بسيفه على‎ ‎بابها، وخلع الحجر الأسود ورجع ‏به إلى بلده وبقي معهم اثنتين وعشرين سنة، إلى أن‎ ‎رده هؤلاء القرامطة بتأثير من الفاطميين ‏في المغرب، وهم الذين أمروهم برد الحجر‎ ‎الأسود إلى مكانه بعد أن ساءت سمعتهم كثيراً في ‏العالم الإسلامي، ولحق الفاطميين‎ ‎بالمغرب شيء من سوء تصرفاتهم، فسعوا في إرجاع ‏الحجر الأسود إلى البيت تغطية‎ ‎لشنائعهم‎.
ووصل نفوذ هؤلاء القرامطة إلى نجد والحجاز والشام، وأرادوا القاهرة‎ ‎إلا أنهم صدّوا من قبل ‏جوهر الصقلي‎.
ثم تناوب عدة زعماء إلى أن أراد الله‎ ‎إهلاكهم فقام أحد زعماء قبيلة بني عبد القيس المشهورة، ‏وهو عبيد الله بن علي‎ ‎العيوني فاستعان بالخلفية العباسي القائم بأمر الله، كما استعان بالسلطان ‏السلجوقي‎ ((‎ملكشاه))، وجاءت القوات العباسية وساعدت عبيد الله بن علي العيوني، وقضت ‏على‎ ‎القرامطة نهائياً في عام 467هـ وأراح الله منهم العباد، وطهر منهم البلاد‎ ‎ ‎.
ويذكر العلماء أحداثاً كثرة لتحركات‎ ‎قرامطة البحرين، وما فعلوه من قتلهم المسلمين وتخريب ‏بلدانهم لا نرى ضرورة للتطويل‎ ‎بذكرها، إذ إن خلاصتها أن هؤلاء الذين يتظاهرون بالتشيع ‏والإسلام فعلوا ما لم يفعله‎ ‎سائر الكفار غير التتار‎.
الملاحدة‎:
لأنهم ينفون وجود الله عز وجل ويقولون‎ ‎بتأثير الكواكب‎ ‎ ‎.
هكذا يذكر‎ ‎الديلمي، وهو الواقع، ولا يرد على هذا ما يوجد عندهم من ذكر الله تعالى وذكر ‏صفاته‎ ‎عز وجل فقد وصفوا الله تعالى بصفات سلبية مؤداها إنكار وجوده تعالى‎.
المزدكية‎:
نسبة إلى رجل يقال له مزدك، قيل: إنه رئيس الخرمية، وقيل غير ذلك‎ ‎ ، ولعله غير مزدك ‏صاحب الشيوعية الأولى، ثم‎ ‎أطلق على الباطنية لمشابهتهم مذهب مزدك‎.
البابكية‎:
لانتسابهم إلى بابك‎ ‎الخرمي، خرج في أيام المعتصم بناحية أذربيجان، فجهز لهم الجيوش حتى ‏قتلهم‎.
وقد‎ ‎كان من إباحية هؤلاء البابكية أن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون السرج‎ ‎ثم ‏يتناهبون النساء، فيبيت كل واحد مع امرأة، ويزعمون أن من احتوى على امرأة‎ ‎استحلها ‏بالاصطياد كائنة من كانت، وأن هذا الصيد من أطيب المباحات بزعمهم، وتسمى‎ ‎هذه الليلة ‏‏((ليلة الإفاضة))، وهو عمل لا تقبل به حتى البهائم، وقبلته عقولهم التي‎ ‎هي أحط من عقول ‏البهائم‎.
إضافة إلى أنهم يدعون نبوة رجل كان من ملوكهم قبل‎ ‎الإسلام يقال له ((شروين))، يزعمون ‏أنه أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن‎ ‎سائر الأنبياء‎ ‎ ‎.
الخرمية أو‎ ‎الخرمدينية‎:
وكلمة ((خرم)) أعجمية، ومعناها: الشيء المستلذ المستطاب الذي ترتاح‎ ‎له النفس، وهو من ‏باب الدعاية لمذهبهم الذي هو رفع التكاليف وتسليط الناس على‎ ‎ارتكاب الشهوات، وهو لقب ‏كان يطلق على المزدكية قبل الإسلام وهم أصحاب الشيوعية‏‎ ‎الأولى، الإباحية الذين ظهروا ‏في عهد قياذ، وقضى عليهم ولده أنوشروان‎ ‎ ‎.
وهم الذين قال فيهم أبو الحسين‎ ‎الملطي عند ذكره لأصناف الفرق: ((وإنما سموا مزدكية لأنه ‏ظهر في زمن الأكاسرة رجل‎ ‎يقال له مزدك، فقال هذه المقالة‎ ‎ ‎.

المحمرة‎:
قيل: لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة في أيام‎ ‎بابك، ولبسوها شعاراً لهم‎.
وقيل: لأنهم يطلقون على مخالفيهم اسم الحمير‎ ‎ ‎.
وقيل لأن أخلاقهم وطبائعهم صارت‎ ‎شبيهة بطبائع الحمير‎ ‎ ‎.
ولا مانع أن‎ ‎توجد هذه الأسباب كلها فيهم، وإن كان أكثر العلماء يرجح القول الأول‎.
وقد أضاف‎ ‎أحد علمائهم وهو ((مصطفى غالب)) اسماً جديداً للباطنية هو ((الهادية)) وهو اسم ‏يشعر‎ ‎بالهداية التي يطلبها كل أحد، ولكن ما أكثر الخداع في التسميات، فهم أليق أن يسموا‎ ‎بالهاوية لأنه لا هدى لديهم إلا تأليه غير الله عز وجل، والسير خلف ميمون القداح‎ ‎اليهودي ‏وأتباعه الذين دافع عنهم مصطفى غالب في كتابه ((أعلام الإسماعيلية)) دفاعاً‎ ‎طويلاً‎.
وبقراءة عابرة لهذا الكتاب يجد المنصف صريح الكفر والغلو ظاهراً عليه‎.
يقول ناصر خسرو، من أعلام الإسماعيلية عن المسلمين: ((فأعط التأويل للحكماء،‎ ‎وأعط ‏التنزيل للغوغاء، فاطلب المعنى الحقيقي لظاهر التنزيل، وكن كالرجال الأصفياء‎ ‎ولا تكن ‏كالحمير فتقنع بالنهيق والقول الهراء‎ ‎ ‎.
ويقول مصطفى غالب في ترجمته لمحمد الباقر‎:
‎((‎وقيل: إن‎ ‎الإمام الباقر كان يعرف الغيب‎)) ‎ ‎. ‎وقد تحاشى كلمة ((يعلم)) خداعاً منه‎.
ومن العجيب أن يذكر‎ ‎هذا المؤلف بعض عظماء الإسلام على أنهم من أعلام ورجال ‏الإسماعيلية مثل علي بن أبي‎ ‎طالب‎ ‎ ، ومحمد الباقر‎ ‎ ، والحسين بن علي بن أبي طالب‎ ‎ ‎، وغيرهم إلى جانب ميمون القداح، وحمدان‎ ‎قرمط، والحاكم بأمر الله، وغيرهم من طغاة ‏الإسماعيلية‎.
ويقول أيضاً في غلوهم في‎ ‎الأئمة‎:
‎((‎والإسماعيلية يعتبرون –من حيث الظاهر- أن الأئمة من البشر، وأنهم‎ ‎خلقوا من الطين، ‏ويتعرضون للأمراض والآفات والموت مثل غيرهم من بني آدم، ولكن في‎ ‎التأويلات الباطنية ‏يسبغون عليه وجه الله ويد الله وجنب الله، وأنه هو الذي يحاسب‎ ‎الناس يوم القيامة، وهو ‏الصراط المستقيم والذكر الحكيم إلى غير ذلك من الصفات‎)) ‎ ‎.
وحينما يسمي الباطنيون الله بالعقل‎ ‎الأول أو السابق نجدهم يقولون‎:
‎((‎يجب أن يكون في العالم الأرضي عالم جسماني‎ ‎ظاهر يماثل العالم الروحاني الباطن، ‏فالإمام هو مثل السابق، وحجته مثل التالي، وكل‎ ‎خصائص العقل الأول السابق جعلت للإمام‎)) ‎ ‎.
أي أن الإمام عندهم مثل الله تماماً، وهل بعد هذا الكفر‎ ‎كفر، وأقوال أخرى كثيرة كلها تدل ‏على مدى كفر هذه الطائفة، ينقلها أحد علمائهم‎ ‎المعاصرين، وهو يفتخر بأعلامه الإسماعيليين ‏وتمسكهم بالدين الإسلامي وتبحرهم في‎ ‎العلوم‎.‎


الفصل الخامس ‏

الطرق والحيل التي يستعملها الباطنيون لإغواء الناس

من المبادئ‎ ‎الأساسية عند الباطنية تقديس النفاق والكذب والخداع، ومن الوصايا الهامة التي ‏يجب‎ ‎أن يسير بموجبها كل داعية باطنية هي أن يجاري من يخاطبه، ويوافقه في مذهبه تماماً،‎ ‎بل ويحسِّن له الغلو فيه، ويريه أنه أحرص منه على التزامه به‎.
فإذا كان المدعو‎ ‎شيعياً فإنه يجب أن يكون مذهب الداعية شيعياً أيضاً، وإذا كان المدعو فاجراً‎ ‎مستهتراً أو ناسكاً متعبداً أو يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فإن مذهب الداعي‏‎ ‎كذلك‎.
فإذا كان المدعو فاجراً حسَّن له الداعي انتهاب اللذات، وأن الحياة‎ ‎منتهية والدنيا فانية‎.
وإذا كان المدعو ناسكاً حسن له التعبد والزهد وعدم‎ ‎الالتفات إلى الدنيا‎.
وإذا كان المدعو يهودياً حسَّن له الداعي مذهبه، وأظهر له‎ ‎تعظيم السبت، وشتم النصارى ‏والمسلمين جميعاً‎.
وإذا كان مجوسياً يظهرون عنده‎ ‎تعظيم النار والضوء والشمس وغير ذلك من مذهب المجوس‎. ‎‎
ومن وجدوه نصرانياً يظهرون‎ ‎عنده الطعن في اليهود والمسلمين جميعاً، وأن القول بالأب ‏والابن وروح القدس حق،‎ ‎ويعظمون الصليب عندهم‎.
ومن وجدوه فيلسوفاً فهو منهم وقد وصل الحبيب إلى المحبوب‎ ‎لاتفاق هؤلاء مع الفلاسفة في ‏دعوى أن النصوص لها ظاهر وباطن، وإنكار الشرائع،‎ ‎وقالوا بسائر أقوال الفلاسفة مع قدم ‏العالم، وإبطال المعاد والمعجزات وغيرها من‎ ‎أقوال الفلاسفة‎.
ومن وجدوه ثنوياً فقد ظفروا ببغيتهم فيدخلون عليه بإبطال‎ ‎التوحيد والقول بالسابق والتالي‎.
وهكذا فإن مذهبهم هو مذهب المدعوين، مهما كان‎ ‎هذا المذهب، يتلونون تلون الماء بالإناء ‏الذي فيه والنتيجة من كل ذلك هو استجلاب‎ ‎المدعو ثم إخراجه من دينه إلى دين الباطنية‎.
ولهم حيل وطرق للوصول إلى قلوب‏‎ ‎الناس والتدرج بهم في الكفر شيئاً فشيئاً. وقد ذكرها ‏الغزالي قائلا: ((ففي الاطلاع‎ ‎على هذه الحيل فوائد جمة لجماهير الأئمة‎)) ‎ ‎.
وسبب استتارهم وراء هذه الحيل هو الخوف من إظهار كفرهم‎ ‎بطريقة مكشوفة، وترتيب ‏حيلهم هذه كما يلي‎:
الزرق والتفرس، ثم التأنيس، ثم‎ ‎التشكيك، ثم التعليق، ثم الربط، ثم التدليس، ثم التأسيس، ثم ‏الخلع، ثم المسخ أو‎ ‎السلخ‎.
وفيما يلي تعريف موجز بهذه الحيل‎:

الحيلة الأولى‎:
وهي حيلة‎ ‎الزرق والتفرس، ومعناها: أن يكون الداعي ذكياً فطناً صاحب فراسة، يميز بين من ‏يطمع‎ ‎في استدراجه لقبول دعوته، ومن لا يطمع في ذلك وله معرفة بتأويل النصوص ‏وإخراجها عن‎ ‎معانيها الظاهرة إلى المعاني الباطنة، وأن لا يبدأ بالمخالفة للمدعو بل يوافقه ثم‎ ‎يستدرجه بعد ذلك على حسب الخطط الباطنية إذا تفرس فيه القبول‎.
الحيلة الثانية‎:
وهي التأنيس: والمراد بها الوصول إلى قلب المدعو واستمالته بلطف الحديث وذكر‎ ‎بعض ‏الآيات والأحاديث والأشعار، وبحث جوانب من الأمور اليومية، وإلقاء خطب ومواعظ،‎ ‎ويظهر له كل أمر يزيد في الأنس بينهما ويقرِّب بين الأفهام‎.
الحيلة الثالثة‎:
هي التشكيك: وهي أن يسأل الداعي المدعو عن مسائل في أمور الدين، وهي مسائل يعجز‎ ‎المدعو عن الإجابة عنها لجهله، وذلك أن الدعاة الباطنيين يركزون دعوتهم في العوام‎.
وأيضاً لأن بعض تلك المسائل تعبدية قد لا تعرف الحكمة فيها، كأن يسأله عن‎ ‎متشابه القرآن، ‏ومسائل يعجز المدعو عن الإجابة عنها لجهله، وذلك أن الدعاة‎ ‎الباطنيين يركزون دعوتهم في ‏العوام‎.
وأيضاً لأن بعض تلك المسائل تعبدية قد لا‎ ‎تعرف الحكمة فيها، كأن يسأله عن متشابه القرآن، ‏ومسائل فقهية: لم أمر بالغسل من‎ ‎المني، ومن الغائط والبول بالوضوء وهما أغلظ نجاسة؟ ولم ‏أمرت الحائض بقضاء الصوم‎ ‎دون الصلاة وهما واجبان على السواء، ولم كانت أبواب الجنة ‏ثمانية وأبواب النار‎ ‎سبعة؟ وعن رمي الجمار، والإحرام، والطواف، وعن الحروف التي في ‏أوائل السور (آلمر‎)‎،‎ ‎و(كهيعص) وغير ذلك، ويعظمون أمرها ويدّعون أن لكل ذلك جواباً لا ‏يعرفه كل أحد، بل‎ ‎علم ذلك إليهم وإلى إمامهم المستور بزعمهم‎.
الحيلة الرابعة‎:
وهي التعليق‎: ‎فتتم بعد طرح تلك المسائل، فإذا طلب المدعو الاستفسار عنها، وتعلق قلبه بها‎ ‎وبمعرفتها قالوا له: إننا لا نخبرك بشيء حتى تعطينا العهد والميثاق، فإذا رضي بذلك‎ ‎نقلوه ‏إلى الحيلة الخامسة، وهي الربط‎.
الحيلة الخامسة‎:
وهي الربط: وهي‎ ‎إحكام قبضتهم عليه بما يؤخذ عليه من العهود والمواثيق الغليظة في عدم ‏إفشائه سراً‎ ‎من أسرارهم، وأنه إذا فعل ذلك فقد استوجب لعنة الله وغضبه، وأنه مخلد في النار ‏أبد‎ ‎الآباد...إلى آخر تلك الإيمان الطويلة التي لا يؤمنون بها هم‏‎.
فإذا كان المدعو‎ ‎ذكياً موفقاً عرف أن هذه الأيمان كلها لا تطلب منه إلا لأن ما سيخبرونه به ‏غير مرضي‎ ‎وليس فيه حق، لأن الحق لا يتكتم عليه أهله، ويتذكر قول الله تعالى: (وإذ أخذ ‏الله‎ ‎ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه‎) ‎ ، وآيات كثيرة يحذر الله فيها من ‏كتمان‎ ‎العلم، وأن كتمانهم لعلمهم دليل على أنه مليء بالعورات والفضائح‎.
الحيلة‎ ‎السادسة‎:
وهي التدليس: وهي إظهارهم تعظيم الشرع والرغبة في طلب العلم والمحافظة‎ ‎على أوامر ‏الدين، وأن تلك العهود التي أعطاهم المدعو يجب احترامها، وهم في الواقع‎ ‎إنما يظهرون له ‏هذه الأمور من أجل اصطياده، وإلا فهم لا يؤمنون بعهد ولا بميثاق‎.
ومنها اشتراطهم أخذ العلم عن الإمام المعصوم المستور الذي يزعمون أنه هو الطريق‎ ‎إلى ‏علم النبي الناطق والوصي، وهو الأساس إلى علم الناطق، وزعمهم أنه مستور، لأنهم‏‎ ‎يعلمون ‏أن لا وجود له، فلئلا يطالبهم المدعو بلقائه زعموا أنه مستور، وإنما هو دجل‎ ‎وتمويه وخداع ‏للمدعو‎.
وقد ذكر الغزالي سبعة أمثلة لهذا المسلك وأطال في شرحها‎.
الحيلة السابعة‎:
التأسيس: وهي أنهم يضعون مقدمة لا تنكر في الظاهر، ولا‏‎ ‎تبطل الباطن، يستدرج فيها ‏المدعو بحيث لا يدري، ويوهمونه أن الله تعالى جعل لكل شيء‎ ‎ظاهراً وباطناً، ويستدلون عليه ‏بقوله تعالى: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه‎) ‎ ، ونصوص أخرى‎.
ثم يقال له: الظاهر قشور‎ ‎والباطن هو اللب، والظاهر رمز والباطن المعنى المقصود، ثم ‏يؤسسون في نفسه الشغف‎ ‎لمعرفة البواطن والإعراض عن ظواهر النصوص..لأنه وصل ‏بزعمهم إلى مرتبة وهي طلب العلم‎ ‎الباطني‎.
الحيلة الثامنة‎:
وهي الخلع من الدين: فهي أن يقول الداعي للمدعو‎: ‎إن فائدة الظاهر أن يفهم ما أودع فيه من ‏علم الباطن لا العمل به، فمتى وقف المدعو‎ ‎على الباطن سقط عنه حكم الظاهر، وهو المراد –‏بزعمهم الكاذب- لقوله تعالى: (ويضع‎ ‎عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم‎) ‎ ، أي ‏يضع عنهم هذه التكاليف الشاقة من صلاة وصيام وغيرها من شرائع‎ ‎الإسلام بعد أن يعرفوا ‏بواطن النصوص التي تدعو إلى القيام بتلك التكاليف وهذا مثل‎ ‎خرافة غلاة الصوفية حين ‏يصلون إلى اليقين بزعمهم‎.
الحيلة التاسعة‎:
الانسلاخ‎ ‎من الدين أو حيلة السلخ: فهي أنهم إذا أنسوا من المدعو الإجابة وصار منهم، أعلموه‎ ‎أنه قد أطلق من وثاقه وحل له كل ما حرم على غيره من الناس الذين لم يدخلوا مذهبهم‎: ‎‎(‎اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم‎) ‎ ‎...‎وزالت عنه جميع التكاليف، ‏ولا يحرم عليه‎ ‎شيء‎ ‎ ‎.
ولهم حيل في‎ ‎إسقاط التكاليف عن المدعو، حيث يوهمونه أن التكاليف تسقط عنه تلقائياً إذا ‏تدرج في‎ ‎المعرفة ووصل إلى معرفة أن التكاليف إنما كانت موضوعة في الظاهر للناس ‏الجهال حتى‎ ‎يطلبوا العلم ويخرجوا عن مشقة التكاليف‎.
لأن الإمام المعصوم المستور ونوّابه‎ ‎يعلمون معنى القيام بتلك التكاليف ومعناها الحقيقي، ‏فتسقط عنهم فريضة الصلاة إذا‎ ‎دفع للإمام مبلغ 12ديناراً، ويقرأ له الإمام قول الله تعالى: ‏‏(ويضع عنهم إصرهم‎ ‎والأغلال التي كانت عليهم‎) ‎ ، ويفهمه أن الصلاة معناها الحقيقي –‏بزعمهم- معرفة أسرار الباطن،‎ ‎أو معرفة خمسة أسماء وهي: علي والحسين والحسن ومحسن ‏وفاطمة‎.
ثم يسقطون عنه‎ ‎فريضة الصوم بعد أن يدفع المبلغ المذكور للإمام، ثم يفهمونه أن الصوم إنما ‏المقصود‎ ‎منه كتمان أسرار الباطنية، أو معرفة ثلاثين رجلاً أو ثلاثين امرأة يعدّونهم في‎ ‎كتبهم، ‏وليس معنى الصوم الامتناع عن الأكل والشرب، ويقرأ عليه قوله تعالى: (إني‎ ‎نذرت للرحمن ‏صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً‎) ‎ ‎. ‎فلو كان معنى الصوم ترك الطعام لقال: فلن أطعم؛ فدل على ‏أن‎ ‎الصيام هو الصمت والسكوت عن إبداء أسرار الأئمة بزعمهم‎.
ثم يسقطون عنه الحج‎ ‎بتفهيمه أن المقصود بالحج إنما هو زيارة مشائخهم لا الذهاب إلى مكة‎.
ثم يسقطون‎ ‎عنه حرمة الخمر والميسر بتفهيمه أن المقصود بهما أبو بكر وعمر رضوان الله ‏عليهما‎ ‎ولعن الباطنية، فأما الخمر المصنوع من العنب وسائر ما يصنع منه فليس بحرام، لأن ‏كل‎ ‎ما تنبت الأرض حلال: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق‎) ‎ ‎، ‏‎(‎ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات‎ ‎جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا‎) ‎ ‎.
ثم يسقطون عنه وجوب الاغتسال من الجنابة بدعوى أن الطهارة‎ ‎هي طهارة القلب، وأن ‏المؤمن طاهر بذاته والكافر نجس بذاته والكافر نجس بذاته ولا‎ ‎يطهره الماء ولا غيره، بل إن ‏الجنابة المقصود بها موالاة أضداد الأنبياء والأئمة،‎ ‎وأما المنيّ فهو طاهر إذ هو أصل ‏الإنسان، ولو كان الاغتسال منه لنجاسته لكان‎ ‎الاغتسال من البول والغائط أولى بزعمهم‎.
وعلى هذا فإن معنى الآية (وإن كنتم‎ ‎جنباً فاطهروا‎) ‎ أي إن كنتم لا‎ ‎تعرفون معنى الباطن ‏فتعلموا واعرفوا العلم الباطني‎.
ثم يسقطون عنه حرمة الزنا،‎ ‎ويسمونه المشهد الأعظم ونهاية الفوز، وإن إحلال الزنا هو ‏دخول الجنة، ويتلو عليه‎ ‎قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين‎) ‎ ‎. ‎وقوله ‏تعالى: (قل من حرم زينة الله التي‎ ‎أخرج لعباده‎) ‎ ‎. ‎ويفسر له الزينة‎ ‎هنا بأنها ما خفي من ‏أسرار النساء التي لا يطلع عليها إلا المخصوص بذلك‎.
ويسلك‎ ‎به مسالك ملتوية، وفي نهايتها يبدأ بتطبيق ما تعلمه المدعو من جواز الفحش والفجور،‎ ‎وأن ذلك حلال، فيبدأ يطبق ذلك على زوجته فيبيحها للمدعو، ثم يحضر المشهد الأعظم وهو‎ ‎اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد وإطفاء السرج بعد أن تدار الكؤوس، وتحمى‎ ‎الرؤوس، ‏ثم يتناهبون النساء ويسمون ذلك صيداً كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم‎ ‎ ‎.
وهكذا ينقضون الإسلام درجة درجة إلى‎ ‎أن يوهموا المدعو أنه أصبح فوق مستوى التكاليف ‏لتعمقه في العلم ومعرفته لبواطن تلك‎ ‎الظواهر فيصل إلى تحقيق قول الله تعالى: (واعبد ربك ‏حتى يأتيك اليقين‎) ‎ ، وهو في الحقيقة يصل إلى حمأة الفساد‎ ‎والإفلاس من الدين ومشابهة ‏البهائم والخروج عن الإنسانية المكرّمة، فلا يعرف بعد‎ ‎ذلك معروفاً ولا ينكر منكراً، مات قلبه ‏وضميره فهو أضل من البهائم، لأنها لا تعرف‎ ‎تلك المسالك الشيطانية التي وصل إليها هؤلاء ‏المفسدون‎.
وينبغي أن تعلم أن ما‎ ‎قدمناه من ذكر تلك الحيل لا تتم على عجل، بل إنهم يدرسون الشخص ‏دراسة لا نظير لها‎ ‎إذا وقع عليه اختيارهم، ولا ينبغي أن تفهم أن تلك التعليمات تلقى عليه ‏بهذه البساطة‎ ‎التي عرضناها؛ بل إنه يمر بتعقيدات وتعليمات وصقل، قد يأخذ فيها مدداً طويلة ‏أو‎ ‎قصيرة حسب ميوله وذكائه وتقبله، ولهذا يحكمون عليه قبضتهم‎.
وهذا ما يفسره وقوف‎ ‎التابعين لهم في صفهم ودفاعهم عن هذه العقيدة، لا يهمهم حتى تقديم ‏دمائهم في سبيل‎ ‎نشرها وعلوّ شأنها، وذلك لتشبعهم بتلك التعاليم الملتوية ومسخ فكر الداخل ‏وتفريغه‎ ‎من كل علاقة إلا بهذا المذهب‎.
ولمزيد من التفاصيل عن حيلهم وخططهم في استجلاب‎ ‎الناس إلى دعوتهم وترتيبهم العميق ‏الذي لا يدركه المدعو إلا بعد الإطاحة به- ننقل‎ ‎هنا ما باح به أحد علمائهم المعاصرين؛ حيث ‏قال ما نصه‎:
‎((‎ولقد وُفّقت الحركة‎ ‎الإسماعيلية بين جهاز الدعاية الذي نظمته خير تنظيم، وبين نظام الفلك ‏ودورته،‎ ‎فجعلوا العالم الذي كان معروفاً في عصرنا، مثل السنة الزمنية، والسنة مقسمة إلى‎ ‎اثني عشر شهراً، وإذاً فيجب أن يقسم العالم إلى اثني عشر قسماً، وسموا كل قسم‎ ‎جزيرة، ‏وجعلوا على كل جزيرة من هذه الجزر داعياً هو المسئول الأول عن الدعاية فيها،‎ ‎وأطلقوا ‏عليه لقب ((داعي دعاة الجزيرة)) أو ((حجة الجزيرة)).. إلى أن يقول‎:
‎((‎والشهر ثلاثون يوماً، ولذلك كان لكل داعي جزيرة ثلاثون داعياً نقيباً‎ ‎لمساعدته في نشر ‏الدعوة، وهم قوته التي يستعين بها في مجابهة الخصوم، وهم عيونه‎ ‎التي يعرف بها أسرار ‏الخاصة والعامة‎.
واليوم مقسم إلى أربع وعشرين ساعة، اثنتي‎ ‎عشرة ساعة بالليل، واثنتي عشرة ساعة بالنهار، ‏فجعل الإسماعيلية لكل داع نقيب أربعة‎ ‎وعشرين داعياً منهم اثنا عشر داعياً ظاهرين كظهور ‏الشمس بالنهار، واثنا عشر داعياً‎ ‎محجوباً مستتراً استتار الشمس بالليل‎.
وبعملية حسابية نجد أن عدد الدعاة الذين‎ ‎بثهم الإسماعيلية في العالم كان حوالي (8640) داعياً ‏في وقت واحد، وذلك بخلاف عدد‎ ‎آخر من الدعاة لا يشملهم هذا، وهم الدعاة الذين يكونون ‏دائماً في مركز الدعوة‎ ‎الرئيسي مع الإمام‎.
علماً بأن لكل فئة من هؤلاء الدعاة عمل خاص لا يتعداه،‎ ‎حفظاً لنظام الدعوة وسريتها، فدعاة ‏النهار الاثنا عشر في كل جزيرة كانوا يعرفون‎ ‎بالمكاسرين أو المكالبين، وهم أصغر طبقة في ‏درجات الدعاة‎.
وعلى عاتق المكالب‎ ‎تقع مهمة مجادلة العلماء والفقهاء أمام جماهير الناس وكأنهم تلاميذ ‏يريدون الإفادة‎ ‎من أساتذتهم دون أن يخالج الشك العلماء والفقهاء أو الجماهير المجتمعة للأخذ ‏عن‎ ‎هؤلاء العلماء أو الفقهاء بأن من يجادله أو يناقشه مناقشة علمية عنيفة أنه من‎ ‎الدعاة –‏انظر إلى هذا الدهاء والمكر‎.
وفي أغلب الأحيان يظهر عجز العالم عن‎ ‎الجواب الصحيح، أو تبدو منه أخطاء فيسخر منه ‏الداعي المكاسر ويتركه، وهنا تظهر‎ ‎عبقرية الداعي المكاسر، فيسرع إليه الناس يلتمسون منه ‏الجواب الشافي عن الأسئلة‎ ‎التي طرحها، والموضوعات الني ناقش فيها العلماء‎.
ومن الظاهر أن الداعي المكاسر‎ ‎كان يختار اختياراً خاصاً، ولا يسمح له بالمكاسرة إلا بعد ‏امتحان عسير وتجارب‎ ‎كثيرة، ونجد في بعض الكتب الإسماعيلية الشروط الواجب توفرها عند ‏اختيار الداعي‎ ‎المكاسر، والخصال التي يجب أن يتحلى بها، من ذلك أن يكون من نفس البيئة ‏التي سيكاسر‎ ‎فيها؛ ولد ونشأ بها حتى يكون معروفاً عند الجمهور، ويجب أن يكون حسيباً ‏ونسيباً بين‎ ‎قومه ..إلى أن يقول‎:
‎((‎فإذا وثق داعي الجزيرة في شخص تتوفر فيه هذه الشروط شرع‎ ‎في تعليمه العلوم الإسلامية ‏حتى يتبحر فيها! فإذا تم له ذلك أخذ يلقنه مسائل الخلاف‏‎ ‎بين المذاهب وآراء أهل الملل. ‏والنحل كلها من فرق إسلامية وغير إسلامية، ويظهر له‎ ‎موطن الضعف في كل مذهب، وفي ‏كل رأي‎.
ثم يعلمه كيف يجادل في اختلاف هذه الآراء،‎ ‎وكيف يناقش أصحابها فإذا تم له ذلك يبدأ ‏الداعي في تدريبه على تفهم نفسية كل جماعة‎ ‎من‎ ‎الجماعات، وكيف يخاطب كل طائفة من ‏الطوائف حتى يستميل الناس إليه‎.
فإذا أتقن‎ ‎كل هذه الأمور وتدرب عليها ونجح فيها النجاح الملحوظ سمح له الداعي أن يكاسر ‏ويجادل‎ ‎الفرق الأخرى دون أن يشعر أحد بأنه إسماعيلي المذهب، بل يجب أن يكتم ذلك كتماناً‎ ‎شديداً، ولذلك يجب أن يكون المكاسر ذكياً ذا فراسة حتى لا يخطئ في معرفة نفسية‎ ‎المجتمع ‏أو تقدير الناس الذين يخاطبهم‎.
فإذا فرض ووجد المكاسر أمامه خصماً‎ ‎عنيداً أكثر منه علماً وتبحراً في مختلف الفنون وجب ‏على المكاسر في هذه الحالة –أن‎ ‎يلج في المسائل الفلسفية العميقة التي لا حد لها، والتي لا ‏يفهمها العامة، ويدخل‎ ‎معه في مناقشات باطنية هي من أخص خواص الفلسفة الإسماعيلية التي ‏لا يعرفها غير‎ ‎الدعاة، وبذلك ينجو المكاسر من الظهور بمظهر الضعف أمام العامة، بل ربما ‏عظم شأنه‎ ‎في أعينهم؛ لأنه يتحدث عن أشياء لا يفهمونها ولا يعرفون كنهها‎.
هكذا كان الداعي‎ ‎المكاسر أو الداعي المكالب الذي كانت مرتبته أقل مراتب النظام الإسماعيلي ‏للدعاية،‎ ‎فإذا كان هذا هو شأن أصغر الدعاة استطعنا أن ندرك ما كان عليه أمر كبار الدعاة ‏على‎ ‎اختلاف درجاتهم وتباين مراتبهم‎.
وفي حالة توصل الداعي المكاسر إلى إقناع أحد‎ ‎المستجيبين ممن يرغبون الوصول إلى معرفة ‏الحقيقة يأخذه إلى أحد الدعاة الذين هم‎ ‎أعلى منه مرتبة، فيلاطفه ويفاتحه في لين ورفق دون ‏أن يظهر له صفته المذهبية أو‎ ‎شيئاً من عقائده؛ بل يكتفي بإطلاعه على بعض المسائل ‏المذهبية، ويلمح له ببعض‎ ‎التأويلات الباطنية التي لا ضير في كشفها‎.
فإذا أصر المستجيب على الاستزادة من‎ ‎المعرفة أحاله إلى الداعي المأذون، وهو من دعاة ‏الليل الذي يبدأ بأخذ العهود‎ ‎والمواثيق، فإذا وثق بإخلاص المستجيب بدأ يكاشفه ببعض ‏الأسرار الخفية التي لا ينفر‎ ‎منها، ويتدرج به حتى يطمئن الداعي المأذون إلى إخلاصه، ‏ويطمئن المستجيب إلى الداعي‎ ‎ويثق به‎.
عندئذ ينقله إلى الداعي الذي أرقى منه مرتبة، وهكذا يتدرج المستجيب‎ ‎بين الدعاة حتى يسمح ‏له أخيراً بحضور مجالس داعي دعاة الجزيرة الذي له وحده الحق في‎ ‎أن يعلم الناس التأويلات ‏الباطنية للدين والقرآن والحديث، كما يعلّم الدعاة فلسفة‎ ‎الدعوة المذهبية أي علم الحقيقة‎.
صحيح كان داعي الدعاة يلقي المجالس والأحاديث‎ ‎على العامة الذين أخذت عليهم العهود ‏والمواثيق دون أن يصلوا بعد إلى درجة عالية في‎ ‎علوم الدعوة، ولكن هذا المحاضرات كانت ‏بعيدة عن الأسرار الإسماعيلية العليا‎)) ‎ ‎.
ثم ذكر بعد ذلك مراتب كبار الدعاة‎ ‎الذين كانوا يلازمون مركز الإمامة، وهي 16 مرتبة‏‎.
فانظر أخي الكريم إلى هذه‎ ‎الخطط الشيطانية، وانظر كيف يدخلون إلى قلوب الناس ويسرون ‏فيهم سريان النوم‎.
ولك أن تعجب من حال المدعو وهم يقذفونه من شيخ إلى شيخ كأنه كرة في أيديهم دون‏‎ ‎أن ‏يعلم الحال الذي سيوردونه عليه‎.
كما يحق لك أن تعجب من كثرتهم وتماسكهم؛ حيث‎ ‎ينتشرون في البلد الذي ينكب بهم مثل ‏انتشار الجراثيم في الجسم السليم ثم يحكمون‎ ‎الطوق عليه ليقع فريسة هامدة أمامهم‎.
وكيف يدرسون نفسيات الناس وميولهم،‎ ‎ويعرفون كل شيء عنهم قبل الإقدام عليهم فأين دعاة ‏الحق من مثل هذه التنظيمات؟! إن‎ ‎كثيراً منهم قد يجهل حتى أدنى الآداب التي يقابل بها ‏الناس‎.
ولو عرضت الدعوة‎ ‎الصحيحة إلى الإسلام، ولو بقليل من هذه الخطط لكان للعالم الإسلامي ‏شأن غير شأنه‎ ‎الموجود اليوم، فإن جودة عرض البضاعة تغري بشرائها‎.
ومن هنا نجد هذا الباطني‎ ‎يتمدح بهذا الجانب فيقول: ((وبفضل هذا التنظيم الدقيق انتشرت ‏الدعوة الإسماعيلية‎ ‎بشكل لم تعهده أي دعوة إسلامية وغير إسلامية من قبل في جميع الأقاليم، ‏وبين كل‎ ‎طبقات المجتمع على السواء‎)) ‎ ‎.
الذي يهمنا من كلامه هذا هو الإشارة إلى دقتهم في التخطيط‎ ‎وحبك المؤامرات بغض النظر ‏عن مبالغته في انتشار دعوتهم الخبيثة؛ فلقد انتشرت‎ ‎الدعوات الإسلامية الصحيحة انتشاراً لم ‏تصل إلى القرب منها أية دعوة في العالم‎ ‎بأسره، ولم يثبت أصحاب أية دعوة في التمسك ‏بمبادئهم ثبوت أصحاب العقيدة الصحيحة على‎ ‎مرِّ التاريخ‎.‎


الفصل السادس

عقائد الباطنية

يجد المتتبع لأخبار‎ ‎الباطنية ومذاهبهم تناقضاً ظاهراً، والسر في هذا التناقض يعود إلى أن أهل ‏المذهب هم‎ ‎الذين أرادوا ذلك لكي تتضارب أخبارهم عند الناس، وبالتالي يستطيعون تكذيب ما ‏يريدون‎ ‎مما ينقل عنهم بحجة أن الناس يكذبون عليهم‎.
ثم هم أيضاً لا يقوم مذهبهم إلى على‎ ‎هذا التلون الكثير، ومن هنا قال الغزالي: ((والذي قدمناه ‏في جملة مذهبهم يقتضي لا‎ ‎محالة أن يكون النقل عنهم مختلفاً مضطرباً، فإنهم لا يخاطبون ‏الخلق بمسلك واحد، بل‎ ‎غرضهم الاستتباع والاحتيال، فلذلك تختلف كلماتهم، ويتفاوت نقل ‏المذهب عنهم‎)) ‎ ‎.
ومهما كان الحال فإن عقائد الباطنية‎ ‎هي مجموعة أفكار ملفقة من مذاهب شتى، وكلها خبط ‏واضطراب، ومن عجيب أمرهم أنهم‎ ‎يستدلون على كفرهم ومحاربة الإسلام ببعض الآيات من ‏القرآن الكريم، وبأحاديث مختلقة‎ ‎مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث صحيحة ‏يحرفون معانيها، ويؤولونها على‎ ‎وفق اعتقاداتهم الإلحادية، وكل عقائدهم ترجع إلى‎:
إنكار وجود الله تعالى‎.
جحد أسمائه وصفاته‎.
تحريف شرائع النبيين والمرسلين‎ ‎ ‎.
وفي كل ذلك يتسترون‎:
إما بالتشيع‎ ‎لآل البيت‎.
وإما بزعم التجديد والتقدم‎.
وغير ذلك مما يختلقون من الشعارات‎ ‎والأكاذيب المخترعة‎. ‎
________________________________________
أولاً: عقيدتهم في‎ ‎الألوهية‎: ‎
فقد اختلفت مذاهبهم فيه‎ ‎على درجات من الكفر والإلحاد كما اتضح من خلاصة معتقداتهم‎ ‎ ‎.
فذهب قسم منهم إلى القول بوجود‎ ‎إلهين، لا أول لوجودهما من حيث الزمن، إلا أن أحدهما ‏علة لوجود الثاني، واسم العلة‎ ‎السابق، واسم المعلول التالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة ‏التالي لا بنفسه، وقد‎ ‎يسمون الأول عقلاً، والثاني نفساً تخرصاً وكذباً‎.
بل قالوا: إن السابق والتالي‎ ‎هما المراد باللوح والقلم، واستدلوا من القرآن الكريم بما جاء فيه ‏من صيغة الجمع‎ ‎مثل: (إنا نحن نزلنا‎) ‎ ، ‏‎(‎نحن قسمنا بينهم‎) ‎ ‎.
قالوا: ولولا أن معه إلهاً آخر له‎ ‎العلو أيضاً لما ورد قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى‎) ‎ ، ‏قالوا وهما أيضاً: الرحمن الرحيم‎ ‎ ‎.
ولا شك أن هذا يدل على مدى جهلهم‎ ‎بلغة العرب لأنهم من فارس، وبعضهم لم يتقن العربية، ‏وإلا لعلموا أن هذا الخطاب‎ ((‎إنا)) أو ((نحن)) إنما هو من باب التعظيم، والله عز وجل له ‏العظمة المطلقة‎.
وقد ذكر مصطفى غالب –باطني من أهل سلمية- خلاصة معتقدهم في الخالق عز وجل فقال‎: ‎‎
‎((‎ولما كان الله فوق العالم وهو غير محدود، فلا يمكن أن يخلق العالم مباشرة‎ ‎وإلا اضطر إلى ‏الاتصال به مع أنه بعيد عنه، لا ينزل إلى مستواه، ولما كان واحداً‏‎ ‎فلا يمكن أن يصدر عنه ‏العالم المتعدد، ولا يستطيع أن يخلق الله العالم، لأن الخلق‎ ‎عمل وإنشاء شيء لم يكن، وذلك ‏يستدعي التغير في ذات الله والإله لا يتغير‎)) ‎ ‎.
ومعنى هذا الكفر أن الله علة العالم‎ ‎وسبب وجوده فقط، وأن الله فوق العالم، ولا يستطيع أن ‏يتصل به ويخلقه بنفسه مباشرة‎ ‎لأنه واحد، ويستنكف أن يباشر خلق الأشياء بنفسه لترفعه ‏وعلوه وهذا من أعظم الجهل‎ ‎والغفلة‎.
وذهب قسم آخر منهم إلى الاعتقاد أن علياًً رضي الله عنه هو الذي خلق‎ ‎السموات والأرض ‏خالق محيي مميت مدبر للعالم، وأنه ظهر في صورة الناسوت –الناس‎- ‎ليؤنس خلقه وعبيده ‏ليعرفوه ويعبدوه، وقد أنشد بعضهم في سنة سبعمائة قوله‎:
أشهد‎ ‎أن لا إله إلا‎ ‎‎
حيدرة الأنزع البطين‎ ‎‎

ولا حجاب عليه إلا‎ ‎‎
محمد‎ ‎الصادق الأمين‎ ‎‎

ولا طريق إليه إلا‎ ‎‎
سلمان ذو القوة المتين‎ ‎ ‎

وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى لا‎ ‎يصح وصفه بأنه موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا ‏مجهول، ولا موصوف ولا غير موصوف، ولا‎ ‎قادر ولا غير قادر...وهذا ما يقصده مصطفى ‏غالب حين قال‎:
‎((‎وتحدّث الفلاسفة‎ ‎الإسماعيليون عن وجود الله تعالى، فأثبتوا ضرورة وجوده عن طريق ‏ليسيّته، وضرورة‎ ‎استناد الموجودات واحتياجها إلى موجد، ونفوا عن الله الأيسية كما نفوا عنه ‏الليسية،‎ ‎وقالوا: إن الله لا يمكن أن يكون ليساً ولا أيساً، أي إنه لا يصح أن يكون الله غير‎ ‎موجود ولا أن يكون موجوداً من نوع الموجودات التي وجدت عنه، ويطلق عليه اسم المبدع‎ ‎الأول، والعقل الأول، والمحرك الأول‎...
ويأتي بعده في ترتيب العقول، العقل‎ ‎الثاني الذي وجد عن طريق الانبعاث...)) إلى آخر ‏تقسيمه الطويل الممل‎.
إلى آخر‎ ‎خرافاتهم وإلحادهم وغرضهم نفي وجود الله تعالى بوجه يدق على عوام الناس، يكون ‏ظاهره‎ ‎التنزيه، والغرض الحقيقي نفي وجود الله عز وجل، إذ لا يمكن أن تصدق تلك ‏الأوصاف إلا‎ ‎على معدوم، ومثل هذه المزاعم معلوم بطلانها من دين الإسلام بالضرورة، فلا ‏خالق إلا‎ ‎الله عز وجل كما هو معلوم عند أصحاب كل الأديان، وعليّ وغيره في هذا الكون ‏مخلوق‎ ‎لله، أوجده بعد أن لم يكن، لا يملك أحد لنفسه ضراً ولا نفعاً. (وما قدروا الله حق‎ ‎قدره ‏والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما‎ ‎يشركون‎) ‎ ‎. ‎

________________________________________
ثانياً: اعتقادهم في‎ ‎النبوات‎: ‎
يجحد الباطنيون النبوات،‎ ‎وينكرون المعجزات، ويزعمون أنها من قبيل السحر والطلاسم، ‏ويفسرون النبوة بأنها‎ ‎عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي قوّة قدسية ‏صافية مهيأة لأن تنتقش‎ ‎عند الاتصال بالنفس الكلية بما فيها من الجزئيات، كما قد يتفق ذلك ‏لبعض النفوس‎ ‎الزكية في المنام حين تشاهد في مجاري الأحوال في المستقبل إما صريحاً بعينه ‏أو‎ ‎مدرجاً تحت مثال يناسبه مناسبة ما، فيفتقر فيه إلى التعبير، لأن النبي هو المستعد‎ ‎لذلك في ‏اليقظة‎( ).
ويزعمون أن هذه القوة القدسية الفائضة على النبي لا تستكمل‎ ‎في أول حلولها، كما لا تستكمل ‏النطفة في الرحم إلا بعد تسعة أشهر، فكذلك هذه القوة‎ ‎كمالها أن تنتقل من الرسول الناطق إلى ‏الأساس الصامت‎ ‎ ‎.
ومن هذا التصور الرديء اعتقدوا أن‎ ‎جبريل عبارة عن العقل الفائض على النبي لا أنه ‏شخص يتنقل من علو إلى سفل‎.
وعلى‎ ‎هذا فهم يعتقدون أن القرآن الكريم تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل‎ ‎الذي هو جبريل، وسمي كلام الله مجازاً‎.
ومن اعتقاداتهم التي بينها الغزالي أنهم‎ ‎قالوا: كل نبي لشريعته مدة، فإذا انصرمت مدته بعث ‏الله نبياً آخر ينسخ شريعته‎. ‎وحددوا لشريعة كل نبي سبعة أئمة‎ ‎ ، أولهم النبي الناطق، ثم ‏الأساس الصامت، ثم السوس, ومعنى الناطق‎ ‎أن شريعته ناسخة لما قبله، ومعنى الصامت أن ‏يكون قائماً على ما أسسه غيره‎.
قالوا: ولكل نبي سوس، والسوس هو الباب إلى علم النبي في حياته والوصي بعد‎ ‎وفاته، ‏والإمام لمن هو في زمانه، ومن هنا زعموا أن آدم سوسه شيئاً، وهو الثاني،‎ ‎ويسمى من بعده ‏متماً ولاحقاً وإماماً، إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم‎ ‎وسوسه علي بن أبي طالب، ‏وقد استتم دوره بجعفر بن محمد‎.
فإن الثاني من الأئمة‎ ‎الحسن بن عليّ، والثالث الحسين بن علي، والرابع علي بن الحسين، ‏والخامس محمد بن‎ ‎علي، والسادس جعفر بن محمد، وقد استتموا سبعة معه، وصارت شريعته ‏ناسخة، وهكذا يدور‎ ‎الأمر أبد الدهر‎ ‎ ‎.
وفي مثل هذه‎ ‎الضلالات يقول علماؤهم‎:
‎((‎ويعتبر الإمام محمد بن إسماعيل أول الأئمة المستورين‎ ‎والناطق السابع، لأن إمامته كانت ‏بداية دور جديد في تاريخ الدعوة الإسماعيلية، قام‎ ‎بنسخ الشريعة التي سبقته، فجمع بين النطق ‏والإمامة، ورفع التكاليف الظاهرية‎ ‎للشريعة، فنادى بالتأويل واهتم بالباطن‎)) ‎ ‎.
إلى أن يقول حاكياً عن أحد دعاتهم في ضمن فضائل محمد بن‎ ‎إسماعيل: ((وعطلت بقيامه ‏ظاهر شريعة محمد صلى الله عليه وسلم‎ )) ‎ ‎.
ووصف مصطفى غالب محمد بن إسماعيل‎ ‎بأنه القيامة الكبرى‎ ‎ ، لاكتمال الدور به،‎ ‎والابتداء من جديد‎.
ويقول النوبختي وهو من أعرف الناس بهم‎:
‎((‎وزعموا أن‎ ‎النبي صلى الله عليه وسلم انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذي أمر فيه ‏بنصب‎ ‎علي بن أبي طالب عليه السلام للناس بغدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم في ‏علي بن‎ ‎أبي طالب، واعتلوا في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كنت مولاه، فعليّ‎ ‎مولاه))، وأن هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوة، وتسليم منه في ذلك لعلي بن‎ ‎أبي ‏طالب بأمر الله عز وجل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان مأموناً لعلي‎ ‎محجوجاً ‏به ...)) إلى أن يقول‎:
‎((‎وزعموا أن محمد بن إسماعيل حيّ لم يمت، وأنه‎ ‎في بلاد الروم، وأنه القائم المهدي، معنى ‏القائم عندهم أنه يبعث برسالة وشريعة‏‎ ‎جديدة ينسخ بها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ... ‏‏)) إلى أن يقول‎:
‎(( ‎واعتلوا‎ ‎في نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وتبديلها بأخبار رووها عن أبي عبد الله ‏جعفر‎ ‎بن محمد أنه قال: ((لو قام قائمنا علمتم القرآن جديداً‎)).
وأنه قال: ((إن‎ ‎الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء)) ونحو ذلك من ‏أخبار‎ ‎القائم‎)) ‎ ‎.
وسبب نقل هذا‎ ‎الكلام إنما هو لإيضاح إصرار الباطنية على نسخ شريعة محمد صلى الله عليه ‏وسلم، وأن‎ ‎ما يظهره مصطفى غالب وغيره من عتاة الباطنية من التلاعب بمعاني الكلام إنما ‏هو خداع‎ ‎للناس وستر لهذه العقيدة الخبيثة التي ترد ما أخبر الله به من إتمام الدين إلى أن‎ ‎تقوم ‏القيامة وينتهي هذا الكون ومن فيه ولا يبقى إلا وجه الله عز وجل‎.
ولا يخفى‎ ‎على القارئ اللبيب ما في آخر كلام النوبختي من عبارات تتفق مع هوى الشيعة ‏الغلاة‎ ‎منهم حول القرآن الكريم‎.
وأما استدلالهم بأن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً‎ ‎كما بدأ، بمعنى يظهر شخص ينسخه، فلا ‏شك أنه كلام يدل على قصر عقولهم، فإن الإسلام‎ ‎والحال ما ذكروا لا يبقى غريباً فقط بل إنه ‏لا يبقى له أي وجود...فكيف يسمونه‎ ‎غريباً وقد انمحى ونسخ، وحاشا أن يتم ذلك‎.
وكلامهم إنما هو تأويل للحديث، وكذب‎ ‎على الله ورسوله أن يكون المراد من معنى الحديث ما ‏ذكروا، بل إنه يدل على قلة‎ ‎المتمسكين به والعاملين بأحكامه وتعاليمه كما كان في بدء أمره ‏كذلك‎.
وأما أن‎ ‎يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يبشر في هذا الحديث بنسخ شريعته، فإنه لا حقيقة‎ ‎لهذا المقصود إلا في أفهام سخفاء العقول‎.
وأوَّلوا معجزات الأنبياء تأويلات‎ ‎باطنية، فثعبان موسى أي غلبته عليهم، وإظلال الغمام أي ‏الإمام الذي نصبه موسى‎ ‎لإرشادهم، ومعنى عدم الأب لعيسى أنه لم يأخذ العلم عن إمام ‏مستور معصوم، وإنما‎ ‎استفاد العلم من الله بغير واسطة والجن الذين ملكهم سليمان باطنية ذلك ‏الزمان،‎ ‎والصيام الإمساك عن كشف السر‎.
في تخرصات وتلفيقات يطول ذكرها، ولا خير من وراء‎ ‎بحثها وإنما هي الإشارة إلى التحذير ‏من مسالك هؤلاء، ومن أفكارهم وعباراتهم‎ ‎الخادعة، فلا ينبغي أن يهدر الوقت في التعمق في ‏دراسة هذه الأفكار والردود عليها‎.
وقد أورد الغزالي في الباب الخامس من كتابه ((فضائح الباطنية)) أمثلة كثيرة‎ ‎لتلك التأويلات ‏في فصلين‎:
الفصل الأول: في تأويلاتهم للظواهر‎.
الفصل‎ ‎الثاني: في استدلالهم بالأعداد والحروف وبيّن زيف أقوالهم في عدة صفحات‎ ‎ ‎.
وكذا الديلمي في كتابه " بيان مذهب‎ ‎الباطنية وبطلانه " ويحيى بن حمزة العلوي في كتابه ‏‏((الإفحام لأفئدة الباطنية‎ ‎الطغام)). كل هؤلاء وغيرهم من علماء الفرق قد ذكروا أمثلة ‏ومناقشات لدحض أقوال‎ ‎الباطنية، تحتاج إلى دراسة خاصة ووقت متسع لها‎. ‎

________________________________________
ثالثاً: اعتقادهم في‎ ‎الآخرة‎: ‎
اتفق كلمة الباطنية على‎ ‎إنكار الآخرة التي جاء الإسلام بتفاصيل بيانها، وأوَّلوا القيامة في ‏القرآن والسنة،‎ ‎وقالوا بأنها رموز تشير إلى خروج الإمام، وقيام قائم الزمان –إمام العصر-، ‏السابع‎ ‎الناسخ للشرع المغير للأمر كما يصفونه، وقالوا أيضاً: إن معنى القيامة انقضاء‎ ‎الدور‎.
وأنكروا بعث الأجسام والجنة والنار، وقالوا: ((إن معنى المعاد هو عود كل‎ ‎شيء إلى أصله، ‏وأن الإنسان مركب من عالم روحاني وعالم جسماني، فالجسماني منه جسده،‎ ‎وهو مركب من ‏الأخلاط الأربعة وهي: الصفراء، والسوداء، والبلغم، والدم فيتحلل الجسد‎ ‎ويعود كل خلط إلى ‏طيبعته‎...
فالصفراء تصير ناراً، والسوداء تصير تراباً، والدم‎ ‎يصير هواءً، والبلغم يصير ماءً). وهذا هو ‏المعاد الجسدي عندهم، فلا تعود الحياة إلى‎ ‎الأجساد بعد الموت‎.
أما الروحاني، وهو النفس المدركة العاقلة من الإنسان فإنها‎ ‎إن صفيت بالمواظبة على ‏العبادات، وزكيت بمجانبة الهوى والشهوات، وغذيت بغذاء العلوم‎ ‎والمعارف المتلقاة عن ‏الأئمة الهداة اتحدت عند مفارقة الجسم بالعالم الروحاني الذي‎ ‎كان منه انفصالها، فتسعد بذلك ‏وهذا هو جنتها‎ ‎ ‎.‎بهذه الخرافات فسروا المعاد الأخروي، ولا شك أنها مأخوذة عن‎ ‎مذاهب ‏الهندوس والبوذيين؛ ولذلك أجمع هؤلاء الباطنيون على القول بالتناسخ الموجود‎ ‎عند البراهمة ‏والبوذيين، وصبغوه في الظاهر بالإسلام فصار الكلام مسلماً والفكر‏‎ ‎هندوسياً وبوذياً ووثنياً‎.
وقد أكثر الشيخ إحسان إلهي –رحمه الله- من النقول عن‎ ‎كتب الباطنية، وتأويلاتهم لأخبار ‏القيامة بما لا يتسع لاستقصائه المجال هنا‎ ‎ ‎. ‎

________________________________________
رابعاً: اعتقادهم في‎ ‎التكاليف الشرعية‎: ‎
يتميز مذهب‎ ‎الباطنية بأنه من أشد المذاهب استحلالاً للمحرمات، وأوغل في الإباحية البهيمية،‎ ‎وأكثر تفلتاً عن القيام بالتكاليف الشرعية وتبرماً منها، مع أنهم لا يتظاهرون أمام‎ ‎العامة بترك ‏التكاليف إلا فيما بينهم‎.
وأما ظاهر مذهبهم فهو لزوم القيام‎ ‎بالتكاليف، بل وأحياناً بعضهم يبالغ في إيجاب أشياء لم ‏تجب ليظهروا بمظهر الزهاد‎ ‎والعباد، وليستفيدوا من جهة أخرى، إرهاق الناس بكثرة التكاليف ‏لتضيق صدورهم بها‎.
وفي مقابل ذلك يركز هؤلاء الفجار على مسامع الناس أن الخروج من تبعة هذه‎ ‎التكاليف أمر ‏ميسر لكل أحد أراده‎.
وحينما يشتاق الشخص إلى معرفة هذا الأمر لا‎ ‎يجودون به عليه إلا بعد مراحل واختبارات ‏عديدة ليشعر المدعو فعلاً أنه قد وصل إلى‎ ‎السر بعد تعب واجتهاد‎.
ومعرفة هذا السر يكون بطلب التابع لهم رتبة الكمال في‎ ‎العلوم التي تؤخذ –بشرط- من نواب ‏الإمام المعصوم المستور. وعلى الشخص أن يجتهد‎ ‎ويسعى في العبادة في أثناء تلقيه لذلك إلى ‏أن يصل إلى رتبة الكمال- وهي في الحقيقة‎ ‎رتبة منتهى الجهل والغفلة-، محباً للشهوات ‏والفواحش على حد ما أخبر به النوبختي،‎ ‎حيث قال وهو يعدد عقائد الباطنية‎:
‎((‎وإن الله تعارك وتعالى جعل لمحمد بن‎ ‎إسماعيل جنة آدم صلى الله عليه وسلم، ومعناها ‏عندهم الإباحية للمحارم وجميع ما خلق‎ ‎في الدنيا، وهو قول الله عز وجل: (وكلا منها رغداً ‏حيث شئتما ولا تقربنا هذه‎ ‎الشجرة‎) ‎ ‎)) ‎ ‎.
هذا بالإضافة إلى أنهم يعمقون في ذهن‎ ‎الشخص أن القيام بهذه التكاليف والمنع والإباحية إنما ‏تستهدف من ورائها فائدة واحدة‎ ‎وهي استنهاض همة القلب ليصل إلى معرفة بواطن هذه ‏الأمور، فإذا لم يكن كذلك فإن عليه‎ ‎أن يبقى في عداد الجهال الذين هم مثل الحمير التي لا ‏يمكن رياضتها إلا بالأعمال‎ ‎الشاقة‎ ‎ ‎.
في زخرف من‎ ‎القول أخذوه من شتى المذاهب، حيث أخذوا من كل مذهب شرّ ما فيه‎.
ولقد كان‎ ‎للرافضة عليهم فضل كبير، فقد أخذوا عنهم فكرة الإمام المعصوم المستور، وأنه لا ‏حق‎ ‎إلا ما خرج عن الأئمة، وكذا تحريف الآيات على حسب هواهم، ودعوى وجود الإمام ‏الصامت‎ ‎والناطق، ونسخ الشريعة الإسلامية بمجيء مهدي الشيعة ومجيء الإمام السابع من ‏الأئمة‎ ‎المستورين عند الباطنية، وأشياء كثيرة لا تخفى على القارئ الكريم، وقد ذكر أكثرها‎ ‎في ‏دراستنا للشيعة سابقاً‎.
فهذا الكليني يفسر قول الله تعالى: (وبئر معطلة وقصر‎ ‎مشيد‎) ‎ ، عن موسى بن جعفر‎ ‎أنه ‏قال: ((البئر المعطلة الإمام الصامت، والقصر المشيد الإمام الناطق‎)) ‎ ‎.
والوالدين اللذين ذكرهما الله في‎ ‎قوله: (أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير‎) ‎ ، فسرها الكليني ‏فيما يزعم عن عليّ رضي الله عنه قال: ((الوالدان‎ ‎اللذان أوجب الله لهما الشكر هما اللذان ‏ولدا العلم وورثا الحكم وأمر الناس‎ ‎بطاعتهما‎)) ‎ ‎.
وعن الظاهر‎ ‎والباطن في النصوص يقول الكليني: ((إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرّم ‏الله في‎ ‎القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب‎ ‎هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق‎)) ‎ ‎.
وللطوسي في كتابه ((الغيبة)) مثل هذا التأسيس الباطني‎ ‎ ، بل وبالغ الطوسي، وافترى –كما ‏يبدو- على‎ ‎جعفر بن محمد أنه قال: ((حقيق على الله أن يدخل الضلال الجنة، فقال زرارة: ‏كيف ذلك‎ ‎جُعلت فداك؟ قال: يموت الناطق، ولا ينطق الصامت، فيموت المرء بينهما فيدخله ‏الله‎ ‎الجنة‎)) ‎ ‎.
وإذا كان على‎ ‎حسب هذه الرواية كل من مات بين موت الناطق وسكوت الصامت (أي بين ‏موت الرسول صلى‎ ‎الله عليه وسلم وسكوت علي) فكان ينبغي على الشيعة أن يقولوا بدخول ‏الصحابة جميعهم‎ ‎الجنة وهم لا يقولون بذلك، وهذا جزء من تناقضهم، وهو من الأدلة على ‏رغبتهم في تأسيس‎ ‎المذاهب الهدامة التي تخرج المسلم عن دينه‎.
ولقد انتفع الباطنيون كثيراً بمثل‎ ‎هذه الاعتقادات التي كوَّنوا منها ومن غيرها مذهبهم الرديء ‏الذي خرج بسببه الآلاف‎ ‎المؤلفة من الناس عن دينهم‎.‎



إنتهى الباب الخامس بحمد لله
روابط سريعة صور - برامج كاملة - بلوتوث -هبال وصرقعه - المجتمع والاسرة -افلام و مسلسلات رمضان - دردشة شات -موسوعة الطفل - الطب والصحه - مسجات - الثقافة الجنسية - العاب - دليل المواقع - ترددات القنوات - عالم الماسنجر - التداوي بالاعشاب - عالم حواء - تصاميم - طبخ رمضان, اكلات رمضانيه,مطبخ رمضان
    رد مع اقتباس