أقول: لما تقدم في سورة التين بيان خلق الإنسان في أحسن تقويم بين هنا أنه تعالى: {خَلقَ الإِنسانَ مِن عَلق} وذلك ظاهر الاتصال فالأول بيان العلة الصورية وهذا بيان العلة المادية
قال الخطابي: لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن ووضعوا سورة القدر عقب العلق استدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكناية في قوله: {إِنّا أَنزلناهُ في ليلةِ القدر} الإشارة إلى قوله {اقرأ} قال القاضي أبو بكر بن العربي وهذا بديع جداً سورة لم يكن أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لما قبلها كأنه لما قال سبحانه: {إِنّا أَنزلناهُ} قيل: لم أنزل فقيل لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة وهو رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة وذلك هو المنزل وقد ثبتت الأحاديث بأنه كان في هذه السورة قرآن نُسخ رسمه وهو: إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ولو أن لابن آدم واديا لابتغى إليه الثاني ولو أن له الثاني لابتغى إليه الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وبذلك تشتد المناسبة بين هذه السورة وبين ما قبلها حيث ذكر هناك إنزال القرآن وهنا إنزال المال وتكون السورتان تعليلاً لما تضمنته سورة اقرأ لأن أولها ذكر العلم وفي أثنائها ذكر المال فكأنه قيل: إنا لم ننزل المال للطغيان والاستطالة والفخر بل ليستعان به على تقوانا وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
أقول: لما ذكر في آخر {لم يكُن} أن جزاء الكافرين جهنم وجزاء المؤمنين جنات فكأنه قيل: متى يكون ذلك فقيل: {إِذا زُلزِلَت الأَرضُ زِلزالها} أي حين تكون زلزلة الأرض إلى آخره هكذا ظهر لي ثم لما راجعت تفسير الإمام الرازي ورأيته ذكر نحوه حمدت الله كثيراً وعبارته: ذكروا في مناسبة هذه السورة لما قبلها وجوها منها: أنه تعالى لما قال: {جَزاؤهُم عِندَ رَبِهِم جناتُ عدنٍ} فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك يا رب فقال: {إِذا زُلزِلَت الأَرض} ومنها: أنه لما ذكر فيها وعيد الكافرين ووعد المؤمنين أراد أن يزيد في وعيد الكافرين فقال: {إِذا زُلزِلَت الأَرض} ونظيره: {يومَ تبيضُ وجوهٌ وتسودُ وجوه} ثم ذكر ما للطائفتين فقال: {فأَما الذينَ اسودت وجوهَهُم} إلى آخره ثم جمع بينهما هنا في آخره السورة بذكر الذي يعمل الخير والشر انتهى
قال الإمام: لما ختم الله سبحانه السورة السابقة بقوله: {إِنَّ ربَهُم بِهِم يَومئذٍ لخَبير} فكأنه قيل: وما ذاك قال: هي القارعة قال: وتقديره: ستأتيك القارعة على ما أخبرت عنه بقوله: {إِذا بُعثِرَ ما في القبور}
أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لخاتمة ما قبلها كأنه لما قال هناك: {فأُمهُ هاوية} قيل: لم ذلك فقال: لأنكم {أَلهاكُم التكاثُر} فاشتغلتم بدنياكم وملأنم موازينكم بالحطام فخفت موازينكم بالآثام