* اول مرة اقرأ فيها عن (القطرة القرآنية) كان قبل خمسة اعوام..
ففي شهر صفر 1416هـ اشتريت العدد الاول من مجلة الاعجاز القرآني (التابعة لرابطة العالم الاسلامي) فوجدت موضوعا عن اكتشاف مادة كيميائية في عرق الانسان تعالج "المياه البيضاء". وصاحب الاكتشاف هو الدكتور عبدالباسط محمد سيد الذي بدأ بحثه من قصة يوسف حين قال لاخوته {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه ابي يأت بصيرا} {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا}.
فمن خلال هاتين الآيتين اكتشف الدكتور عبدالباسط مادة في عرق الانسان تدعى "جواندين" تزيل المياه البيضاء وتعيد الانسان بصيرا. وقد حضّر هذه المادة في قطرة خاصة (دعاها القطرة القرآنية) واخذ عليها اختراعا من الولايات المتحدة الامريكية!!
اكتشاف رائع.. صحيح!!؟
* لا.. غير صحيح، فانت الآن تمر بنفس الحالة التي مررت بها قبل خمسة اعوام؛ فقد تحمست لهذا الاكتشاف وقررت ـ حينها ـ الكتابة عنه. الا ان هذا الحماس خف شيئا فشيئا وتولدت لدي بعض الشكوك والاسئلة الحائرة. ومع هذا بقيت مترددا بين تحمسي لكل ما هو معجز وبين مخالفة هذا الادعاء لقواعد المنطق والتحليل السليم.. ثم بالصدفة وجدت نفس الموضوع في المجلة العربية (في عدد رمضان 1416هـ) وهذه المرة قرأته بعين الناقد (لا المتحمس) فتوصلت الى قناعة بان الموضوع برمته نصب واحتيال علمي..
ـ فلو كان في العرق مادة تزيل "المياه البيضاء" لاكتفى كل انسان بعرقه ـ ولما ظهر هذا المرض اصلا لأن عرق الانسان كثيرا ما يدخل الى عينه في يوم قائظ!!
ـ ثانيا: كيف نصدق ان قميص يوسف ظل مبللا بالعرق (ولم يجف) رغم ان العير سافرت به من مصر الى فلسطين في صحراء جافة حارقة!!
ـ ثالثا: عودة يعقوب بصيرا ـ بعد رمي القميص على وجهه ـ معجزة ربانية ليس لمادة الجواندين دخل فيها (والا سيخرج علينا بعد فترة من يدعي ان في عرق ابراهيم مادة مضادة للحريق جعلت النار حوله تصبح بردا وسلاما)!!
ـ رابعاً: من قال اصلا ان يعقوب كان مصابا بـ "المياه البيضاء"!!؟ هل يعرف احدكم مصدرا مقبولا لهذا الادعاء!!.. من الواضح ان الدكتور عبدالباسط استنتج ذلك من قوله تعالى {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} في حين ان ابيضاض العين تعبير قديم استعملته العرب للاشارة للعمى!!!
ـ خامسا: وحتى لو اصرينا على وجود تفسير مادي لما حدث؛ فسنجد ان الاقرب الى حالة يعقوب هو "العمى العصبي" الذي يأتي فجأة بعد كارثة شخصية وقد ينتهي فجأة بعد خبر سعيد (والخبر السعيد هنا هو رائحة يوسف التي دلت والده على انه لا يزال حيا) ـ اما المياه البيضاء فحالة تتراكم خلال اعوام طويلة ولا يعرف طبيا انها تحدث بسبب الحزن!!
ـ واخيرا: بقيت لدي مشكلة مع براءة الاختراع!!.. ولكن مهلا.. لا يوجد في كلتا المجلتين اي اشارة تؤكد هذه البراءة (لا رقم ولا تاريخ اصدار).. وحتى ان تجاوزنا هذه النقطة وصدقنا بوجود براءة كهذه فانها لا تعني شيئا؛ فمن خلال موقع مكتب البراءات في واشنطن (او الـ (Patent Office نفهم ان مهمته هي توثيق الاختراعات وحفظ اسبقيتها وليس من اختصاصه الحكم على نجاحها او فشلها تجاريا!!
* في الحقيقة ان قضية (القطرة القرآنية) من المناسبات التي نبهتني الى اهمية التفكير الانتقادي وعدم اخذ الامور على علاتها. فهذا الموضوع مثلا يبدو نموذجا رائعا للاعجاز القرآني واجيز من قبل هيئة الاعجاز في الرابطة وتم نشره في مجلتين رصينتين. ولكن في النهاية تبقى على كل قارىء مسؤولية شخصية للحكم بمنطق والتحليل بعقلانية (مهما بدت الاسماء كبيرة ورنانة).. ان لم نفعل ذلك سيفعله غيرنا ويتحول الطعن الى النص القرآني ذاته!
من ايميلي
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
في الحقيقة ان قضية (القطرة القرآنية) من المناسبات التي نبهتني الى اهمية التفكير الانتقادي وعدم اخذ الامور على علاتها. فهذا الموضوع مثلا يبدو نموذجا رائعا للاعجاز القرآني واجيز من قبل هيئة الاعجاز في الرابطة وتم نشره في مجلتين رصينتين. ولكن في النهاية تبقى على كل قارىء مسؤولية شخصية للحكم بمنطق والتحليل بعقلانية (مهما بدت الاسماء كبيرة ورنانة).. ان لم نفعل ذلك سيفعله غيرنا ويتحول الطعن الى النص القرآني ذاته!