قصص و روايات و مذكرات خاصهقصص عربية , قصص أطفال , قصص غراميه , قصة قصيره , قصة طويلة , روايات , قصص واقعية , قصص من نسج الخيال , قصص موروثة , حكايات عربيه , قصص طريفه , قصص السيرة , قصص الأغبياء
اندلعت حرب السادس من أكتوبر1973 م بغتة, على نحو لم يتوقعه أو يتخيله العدو الإسرائيلي قط, بفضل خطة خداع استراتيجية متقنة, تضافرت من أجلها جهود العديد من أجهزة الدولة, وعلي رأسها جهاز المخابرات العامة, الذي نفذ العشرات من العمليات المدهشة, التي شاركت فيها عقول خبرائه, وبطولات رجاله, وبسالات عملائه, الذين لم يتركوا ثغرة واحدة, أو احتمالا ولو ضئيلا, يمكن أن ينفذ منه الخصم,لإدراك أن مصر لم ولن تستسلم للهزيمة والاحتلال وأنها ستهب حتما لاستعادة حقها, ونيل ثأرها, وإن طال المدى..
وفي غفلة من العدو وعيونه, هبت مصر, وانقضت كعاصفة عاتية, أو كإعصار مباغت عنيف, لتقتلع خط بارليف, أقوي مانع عسكري عرفه التاريخ, وتسحق بلا رجعة أسطورة العدو الذي لا يقهر..
وانهزم العدو, وانتصر جيشنا, وراحت قواتنا تتدفق على الضفة الشرقية لقناة السويس, وأطلقت رمال سيناء زغرودة فرحة, وهي تستقبل الجنود أصحابها وأبناءها..
وتوالت الانتصارات, وأدرك العالم ـ لأول مرة ـ أن مصر دولة قوية صنديدة, قادرة على المقاومة, والقتال.. والنصر..
ومع فرحة النصر, وسحر العبور, خرجت جموع الشعب المصري إلى الشوارع, إثر إعلان وقف إطلاق النار, تهتف باسم قائدها, وشجاعة وعبقرية رجاله, وبسالة جنوده وأبنائه,..
وفجأة, انطلقت من وسط الجموع صرخة, تحمل كل فرحة الدنيا..
ـ ماهر بك.
اخترقت الصرخة أذني ماهر, الضابط السابق في القوات المسلحة المصرية, وأحد عملاء رجال المخابرات المصرية, الذين ساهموا في الحرب النفسية ضد العدو الإسرائيلي, طوال عدة أعوام ناجحة..
واستدار ماهر إلى مصدرها, ووقع بصره على صاحبها, الذي اندفع يشق الجموع نحوه, وهو يهتف بسعادة غامرة:
ـ ياإلهي!.. كم تسرني رؤيتك.
وحتي قبل أن يبتسم ماهر الذي تعرف صاحب الصرخة على الفور, كان هذا الأخير يعانقه في حرارة, ويصافحه بانفعال لا محدود, ويشد على يده في قوة, متسائلا في اهتمام:
ــ هل تذكرني يا ماهر بك؟!
اتسعت ابتسامة ماهر وهو يقول:
بالطبع أذكرك يا إبراهيم... كيف حالك؟!
أطلق إبراهيم هذا ضحكة عالية, تموج بالارتياح, قبل أن يجيب:
ـ أنا في خير حال... بفضلك, بعد الله سبحانه وتعالى, فلولاك لكان حالي الآن غير الحال...
غمغم ماهر:
ــ لولاي أنا؟!
ربت إبراهيم على كتفيه بحرارة, قائلا, ومكررا:
ــ لولاك, بعد الله سبحانه وتعالى يا ماهر بك.
جمدت ملامح ماهر بضع لحظات, قبل أن يستعيد ابتسامته, وهو يغمغم:
ــ حمدا لله على سلامتك يا إبراهيم.
نطقها, وعقله يستعيد ذكريات أربعة أعوام مضت..
ذكريات أهم عملية في حياته...
عملية إنقاذ.. إبراهيم...
إبراهيم شاب بسيط, من أبناء مصر الذين عاشوا مرحلة النكسة, وانكسرت في أعماقهم حماسات جميلة, عاشوا يتغنون بها طويلا, فانسحقت معها نفوسهم, وخيم الظلام على أحلامهم وآمالهم, فصاروا يتخبطون فترة كالعميان, في سنوات عصيبة عسيرة, استقر خلالها العدو في سيناء وتدلت قدماه في مياه قناة السويس وصدي ضحكاته الساخرة الظافرة يؤذي مسامع كل مصري وطني...
وعلي الرغم من أن إبراهيم قد خضع للتجنيد الاجباري كسواه, في تلك الفترة التي راحت مصر تسعى فيها لاستعادة جيشها وقوتها, إلا أن حلم السفر والعمل في الخارج ظل يراوده, في صحوه ومنامه, كأمل أخير في الخروج من الأزمة, وتجاوز المحنة, التي تصور مخطئا, كفئة من أهل مصر أن عبورها أكثر استحالة من عبور بحر من النيران, بزورق من القماش, المغموس في بنزين نقي..
والعجيب ان هذا الحلم لم يفارق إبراهيم لفترة طويلة, حتى وهو يشارك رفاقه تدريباتهم ومناوراتهم, ويستمع إلى أحاديثهم التي تؤكد أن أحدا منهم لن يخرج من مرحلة التجنيد الإجباري أو يتجاوزها, إلا بعد مرور المحنة, التي تبدو وكأنها لا خروج منها قط...
شئ ما في أعماقه كان يؤكد له أنه سيتجاوزها يوما, على نحو أو آخر.
ولان ذهنه منشغل دوما بأحلامه وأمنياته, ارتكب إبراهيم خطأ بسيطا في اثناء احدي المناورات, مما أدي إلى اصابته بجرح, استلزم نقله إلى أحد المستشفيات العسكرية للعلاج.
وفي المستشفى العسكري, جلس إبراهيم ينتظر دوره كالمعتاد, في صمت وصبر وسكوت, وعيناه تراقبان كل ما يحدث حوله, كوسيلة للتسلية البريئة, في ظروف كهذه..
ثم وقعت عيناه على صبحي...
ضابط من أصل عربي, ترك مهنته ودولته, وأتي ليقيم في مصر مع زوجته, معلنا إيمانه بأهداف وطموحات قادتها, ومؤكدا استعداده للموت من أجلها..
وفي مصر استقر صبحي وحاز القبول لدي بعض المسئولين, فطاب له المقام, وحظي بمقام رفيع, ومنصب ممتاز, وعلاقات قوية, بدت واضحة للغاية, في تعاملاته داخل المستشفى العسكري, وأسلوب حديثه مع كبار مديريها ومسئوليها.
وانبهر إبراهيم بوضع صبحي هذا في المستشفي, وانبهر أكثر باقتراب هذا الأخير منه, وجلوسه إلى جواره, بمنتهي البساطة والتواضع, والانهماك معه في حديث طويل, وكأنهما صديقان قديمان...
وكعادة المصريين البسطاء, أفرط إبراهيم في الحديث, وراح يدلي بكل مالديه عن وحدته, ورفاقه, وتدريباتهم, والمناورة التي أصيب فيها أيضا...
وباهتمام مغلف بالهدوء والبساطة, استمع إليه صبحي هذا, وتركه يروي كل ما لديه, قبل أن يمنحه ابتسامة كبيرة, ويربت على كتفه, قائلا: ــ لابد أن نلتقي كثيرا يا أخ إبراهيم... سأعطيك عنواني ورقم هاتفي, وسأنتظر زيارتك.
لم يصدق إبراهيم نفسه, عندما طلب منه صبحي زيارته, واحتفظ بالورقة التي تحوي العنوان ورقم الهاتف, وهو يمني نفسه بأن يساعده هذا الشخص, صاحب الاتصالات والنفوذ, في تحقيق حلمه القديم...
وفي أول اجازة له, اتصل إبراهيم بذلك الرجل صبحي فاستقبل الرجل اتصاله بالحرارة والترحاب, وطلب منه أن يأتي لزيارته فورا...
ولم يضيع إبراهيم لحظة واحدة...
لقد ذهب فورا لزيارة صبحي, وكله لهفة في أن يقص عليه حلمه, وأن يجد لديه مطلبه...
وفي منزله, استقبله صبحي بحرارة وترحاب أكثر, ليقفز انبهار إبراهيم إلى الذروة, مع مرأي المنزل الفاخر, والأثاث الأنيق باهظ الثمن, والأجهزة التي لم ير لها مثيلا, إلا في أفلام السينما الحديثة فحسب...
ومع انبهار إبراهيم وخفقات قلبه المشدوهة, راح صبحي يتحدث إليه, ويسأله عن أحواله, وأحوال وحدته, وآخر أخبار المناورات...
وفجأة, سأله إبراهيم وكأنه لم ينتبه إلى وجوده إلا في هذه اللحظة:
ـ سيد صبحي... ألك معارف في دول الخليج؟!
صمت صبحي بضع لحظات, وهو يتطلع إليه, قبل ان يبتسم ابتسامة كبيرة, وهو يتراجع في مقعده, قائلا:
ــ لي أخت تقيم في الكويت وزوجها يمتلك تجارة كبيرة هناك.
هتف إبراهيم في لهفة:
ــ وهل.. هل يمكنك أن تجد لي عملا لديه؟!
اتسعت ابتسامة صبحي أكثر, وهو يجيب:
ــ بالتأكيد.
ولم يكد إبراهيم يغادر المنزل بعدها, وهو يكاد يطير فرحا, حتى أطلق صبحي هذا ضحكة عالية مجلجلة, والتقط سماعة هاتفة, مغمغما:
ــ طير جديد وقع في القفص.
في الليلة نفسها, وإثر المحادثة الهاتفية, استقبل صبحي ضيفا آخر, في التاسعة والنصف مساء, وصافحه في حرارة, قائلا:
ــ لدينا طير جديد.
سأله ذلك الضيف الجديد ماهر في اهتمام:
ــ وما نوعه؟!...
ولساعة كاملة, راح صبحي يشرح لصديقه ماهر كل ما يتعلق بذلك الشاب إبراهيم قبل أن يقول في النهاية:
ــ وكما تري هو صيد ممتاز, سيسعد الأصدقاء محبي السلام في العالم الحر, وموقعه سيمنحنا الكثير من المعلومات, التي ستساعدنا على معرفة ما إذا كان المصريون يستعدون بالفعل لحرب ثأرية, أو أنهم سيستسلمون لحالة الاحتلال هذه.
قال صبحي كل هذا واستخدم تلك المصطلحات التي ميزت عالم الجاسوسية, في تلك الحقبة, مطمئنا الى أن ماهر يعمل إلى جواره, لصالح المخابرات الإسرائيلية, التي رمز إليها وهما, باسم العالم الحر, دون أن يخطر بباله, ولو لحظة واحدة, أن ماهر هذا يعمل لحساب جهاز مخابرات آخر تماما..
لحساب المخابرات العامة المصرية..
ولقد استمع إليه ماهر في هدوء واهتمام, كما علمه رجال المخابرات المصرية, قبل أن يقول في حزم:
ـ أريد أن أراه أولا, وسأخبرك برأيي بعدها.
ضحك صبحي قائلا:
ـ اطمئن.. لقد طلبت منه أن يحضر غدا مساء, مع كل أوراقه, فهو يتصور أن لدي من الاتصالات, مايمكن أن يتيح له الخروج من وضعه الحالي, والسفر للعمل في الكويت فورا.
أدرك ماهر على الفور أن صبحي قد ألقي شباكه بالفعل حول إبراهيم, وأنه لم يعد أمامه سوي أن ينشب مخالبه فيه, ويلقيه في المستنقع, الذي كاد هو نفسه أن يقع فيه, لولا يقظته في اللحظة الأخيرة, ولجوئه إلى رجال المخابرات المصرية..
وبعد منتصف الليلة نفسها بساعة أو يزيد, التقي ماهر بضابط المخابرات المصري أ.ص, الذي يتابع حالته, وأخبره بأمر إبراهيم, ومايعده صبحي الجاسوس له.
وبكل الحزم, قال أ.ص:
ـ لاتدعه يقع في الفخ أبدا يا ماهر.. امنعه من هذا بأي ثمن... هل تفهم.. بأي ثمن.
ثم صمت بضع لحظات, قبل أن يضيف:
ـ ربما كانت سياسة بعض أجهزة المخابرات الأخرى, هي أن تترك مثله, حتى يسقط في المستنقع, لتزيد من عدد انتصاراتها, عندما تلقي القبض عليه فيما بعد, أما نحن فسياستنا تختلف.. إننا نسعي لمنعه من السقوط, بأية وسيلة كانت.
ووضح يده على كتفه, مكملا:
ـ إنها مهمتك.
والتقط ماهر الكلمة, وأقسم في أعماق نفسه على تنفيذها, بالأسلوب الذي حدده له أ.ص..
مهما كان الثمن..
وفي زيارة ابراهيم التالية, كان ماهر هناك, يشاركهم مجلسهم, ويتعامل مع ابراهيم بغلظة وفظاظه وتجاهل, جعل هذا الأخير يبغضه كل البغض, ويتصور أنه يحاول منعه من السفر للعمل في الكويت, لأنه يغار منه, ويرفض له الخير..
وحاول ابراهيم ان يجتذب ماهر بأية وسيلة, طوال تلك الليلة, ولكن ماهر ظل عابسا في وجهه, متجهما معه, حتى انصرف الشاب, تاركا كل أوراقه للجاسوس صبحي وهو يلعن ماهر في أعماقه ألف مرة..
وبعد انصرافه, سأل صبحي ماهر في حيرة, عن سر تعاملاته الفظة مع ابراهيم, فأجابه في حزم:
ـ إنه لايساوي شيئا.. كل مالديه من معلومات يمكنني إحضار ماهو افضل منه..
وصمت لحظة, قبل أن يضيف:
ـ وبسعر أقل..
ليلتها ضحك صبحي كما لم يضحك من قبل, وتصور انه قد فهم هدف ماهر من إبعاد إبراهيم, وقال في حماس:
ـ انت على حق.. لماذا نمنحه مكافآت كبيرة.. فلنخبرهم أننا قد جندناه, ولنمنحهم ماكنا سنحصل عليه من معلومات, ولنربح نحن مكافأته.
شاركه ماهر ضحكته وهو يشعر بارتياح عميق في أعماقه, لأن مهمته قد نجحت من الضربة الأولي..
ولكنه لم يكتف بهذا, فما تعلمه من رجال المخابرات المصرية, جعله لايستكين لأي نصر عاجل وسريع, لذا فقد التصق أكثر بالجاسوس صبحي, وحضر كل مقابلاته التالية مع إبراهيم, وتأكد من أنه لم يعد يوليه الاهتمام الكافي, حتى يأس الشاب, وانصرف نهائيا, وهو يبغض ماهر أشد البغض..
ثم قرر رجال المخابرات العامة إنهاء قضية الجاسوس صبحي, وتم إلقاء القبض عليه, في مارس1969 م.
وفي التاسع والعشرين من ابريل, في العام نفسه, نشرت الصحف تفاصيل إلقاء القبض على الجاسوس صبحي ونشرت صورته, وصورة ماهر, ودوره في العملية, التي لعب فيها دور الجاسوس المزدوج, ليخدم المخابرات الإسرائيلية وجاسوسها, ويوقع الجميع في النهاية..
وقرأ ابراهيم الصحف, وشاهد الصور..
ووقع قلبه بين قدميه..
لحظتها فقط فهم إبراهيم ماالذي كان يفعله ماهر, عندما كان يتعامل معه بكل الغلظة والخشونة والصلف, أثناء زياراته للجاسوس صبحي..
لحظتها فقط أدرك انه قد منعه من السقوط في مستنقع رهيب, لو دفع فيه قدميه, لحملت الصحف صورته, إلى جوار صورة صبحي في ذلك اليوم..
وتحولت مشاعره في لحظة واحدة, تجاه ماهر, من البغض الى التقدير.. كل التقدير..
لقد أنقذت حياتي ومستقبلي يا ماهر بك..
انتزعت عبارة إبراهيم ماهر من أفكاره وذكرياته, فاستعاد ابتسامته, وهو يربت على كتف ابراهيم قائلا:
ـ لم أكن وحدي يا إبراهيم.
هتف إبراهيم في حرارة:
ـ أعلم هذا يا ماهر بك.. أعلم هذا..
ثم عاد يعانقه, ليهمس في أذنه: أبلغهم تحياتي.. وشكري أيضا.. شكري الجزيل.
ابتسم ماهر مرة أخرى قائلا:
ـ سأفعل.
مرة أخرى, تصافحا, وافترقا وسط الجموع, التي تحتفل بالنصر, و ماهر يشعر بالسعادة والفخر, والزهو بنفسه, لأنه شارك يوما في تلك العملية, التي مازال يعتبرها أهم عملية في حياته..
عملية إنقاذ.. مواطن مصري.