استايل سارة الفهد جديد

مساحات إعلانية

يرجى من يملكون حسابات على الهوت ميل ان يبحثوا عن الرسالة بالجنك ميل
استرجاع كلمة المرورر | طلب كود تفعيل العضوية  | تفعيل العضوية

نعتذر عن حذف وايقاف اي عضو يستخدم بريد وهمي او غير صحيح او اسم غير لائق على ذلك جرى التنبيه

ويرجى التأكد من صحه الايميل لكي تصلك رساله التفعيل عند التسجيل


العودة   منتديات صمت الليالي > (¯`·._.·( المنتديات الاسلامية )·._.·°¯) > الاسلامي العام ( الشريعة و الحياه ) > المكتبة الإسلامية الشامله

المكتبة الإسلامية الشامله يختص بالصوتيات والمرئيات والتصاميم و الكتب والخطب و الدروس و المحاضرات والتلاوات القرآنية والفتاوى الإسلامية


موسوعة الملل والفرق

المكتبة الإسلامية الشامله


رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-07-2007, 05:27 AM   #1 (permalink)
 
الصورة الرمزية أبو خالد




المستوى : 38
معدل التفاعل: 681 / 933
معدل الاستجابة: 732 / 4489
معدل التالي: 32%

أبو خالد is on a distinguished road

افتراضي موسوعة الملل والفرق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحبائي :

هذه موسوعة الملل والفرق وتتكون من ستة عشر باباً
أحببت أن أنقلها لكم للفائدة من موقع الدرر السنية

بسم الله نبدأ :


الباب الأول مقدمة في الفرق
الباب الثاني فرقة السلف أهل السنة والجماعة
الباب الثالث الخوارج
الباب الرابع الشيعة
الباب الخامس الباطنية
الباب السادس النصيرية
الباب السابع الدروز
الباب الثامن البهائية
الباب التاسع القاديانية
الباب العاشر الصوفية
الباب الحادي عشر المرجئة
الباب الثاني عشر الجهمية
الباب الثالث عشر المعتزلة
الباب الرابع عشر " الأشاعرة أو السبعية "
الباب الخامس عشر الماتريدية
الباب السادس عشر دراسة أهم المسائل التي اتفق عليها أهل الكلام من الأشعرية والماتريدية والمعتزلة والجهمية


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الباب الأول

مقدمة في الفرق

الفصل الأول الهدف من دراسة الفرق
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل الثاني أهمية دراسة الفرق ورد شبهة من يريد عدم دراستها
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل الثالث النهي عن التفرق
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل الرابع حصر الفرق في العدد المذكور في حديث الافتراق
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل الخامس كيف ظهر الخلاف والتفرق بين المسلمين
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل السادس مدى سعة الخلاف الذي كان يحصل بين الصحابة وموقفهم منه. وكيف تطور بعدهم إلى تمزيق وحدة الأمة الإسلامية
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل السابع مظاهر الخلاف بين المسلمين
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل الثامن كيف تبدأ الفرق في الظهور
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل التاسع منهج العلماء في عدَّ الفرق
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل العاشر ما المراد بأمة الإسلام؟
--------------------------------------------------------------------------------
الفصل الحادي عشر أهم أسباب نشأة الفرق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول

الهدف من دراسة الفرق دراستنا للفرق ليس إقراراً أو فرحاً بها، أو شماتة على الآخرين، وإنما ندرسها مع أسفنا الشديد للتفرق الحاصل بين المسلمين، والذي نرجو من وراء هذه الدراسة أن تحقق أهدافاً طيبة في خدمة الإسلام، وفي كسر حدة الخلافات التي مزقت المسلمين وفرقتهم إلى فرق وأحزاب.
والتي تهدف كذلك إلى جمع كلمتهم، ولفت أنظارهم إلى مواقع الخلاف فيما بينهم؛ ليبتعدوا عما وقع فيه من سبق من هذه الأمة، فإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل، فهي نوع من أنواع العلاج لتلك المآسي الحالَّة بالمسلمين، وسبب من الأسباب التي تبذل لينفع الله بها إن شاء؛ لأن معرفة الدواء النافع يتوقف على معرفة الداء.
ولا يحتاج المسلمون لجمع كلمتهم، وإعادة مجدهم وعزهم وانتصارهم على جحافل الكفر والطغيان إلا إلى العودة الصادقة والنية الخالصة، فإن الأسس التي قام عليها عز الإسلام والمسلمين فيما سبق لا تزال كما هي قائمة قوية جديدة على مر الأيام والليالي –كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وتلك الأهداف التي نتطلع إلى تحقيقها كثيرة نذكر أهمها فيما يأتي:
1- تذكير المسلمين بما كان عليه أسلافهم من العزة والكرامة والمنعة حينما كانوا يداً واحدة، وقلباً واحداً.
2- لفت أنظارهم إلى الحال الذي يعيشونه، ومدى ما لحقهم من الخسارة بسبب تفرقهم.
3- توجيه الأمة الإسلامية إلى الوحدة فيما بينهم، وذلك بالتركيز على ذم التفرق وبيان مساوئه، وبيان محاسن اتحاد المسلمين، وجمعهم على طريق واحد.
4- تبصير المسلمين بأسباب الخلافات التي مزقتهم فيما سبق من الزمان ليجتنبوها بعد أن يتدارسوها فيما بينهم بعزم قوي وصدق نية.
5- معرفة ما يطرأ على العقيدة الإسلامية الصحيحة من أفكار وآراء هدامة مخالفة لحقيقة الإسلام بعيدة عن طريقه الواضحة.
6- رصد تلك الحركات والأفكار التي يقوم بها أولئك الخارجون عن الخط السوي والصراط المستقيم؛ لتعرية دورهم الخطر في تفريق وحدة الأمة الإسلامية بتعريف الناس بأمرهم، وجلاء حقيقتهم للتحذير منهم، وبيان ما يقومون به من خدمة تلك الأفكار وترويجها.
ذلك أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم في وضوح تام؛ فلكل قوم وارث .
7- حتى تبقى الفرقة الناجية علماً يهتدي به بعيدة عن تلك الشوائب الطارئة على العقيدة.
8- وصل حاضر هذه الأمة بماضيها، وبيان منشأ جذور الخلافات بينهم والتي أدت إلى تفرقهم فيما مضى من الزمان للتحذير منها، وللرد على أولئك الذين يحاولون دعوة المسلمين إلى قطع صلتهم بماضيهم، والبناء من جديد كما يزعمون.
9- ثم إن دراستنا للفرق وإن كان يبدو عليها أنها بمثابة جمع لتراث الماضين- فإنه يراد من وراء ذلك دعوة علماء المسلمين إلى القيام بدارسته وفحصه واستخراج الحق من ذلك، واستبعاد كل ما من شأنه أن يخرج بالمسلمين عن عقيدتهم الصحيحة أو يفرق كلمتهم.
وهذا فيما أرى هو أنجح الطرق وأقربها إلى إشعار المخالفين بالإنصاف وطلب الحق للاستدلال على خلافهم وخروجهم عن الصواب من كتبهم ومن كلام علمائهم لقطع كل حجة مخالفة بعد ذلك.


ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الثاني

أهمية دراسة الفرق


ورد شبهة من يريد عدم دراستها بيّنّا فيما مضى بعض الأهداف التي ندرس الفرق من أجلها، ونجيب هنا عن شبهة لكثير من الناس ربما يرددها بعضهم منخدعاً بحسن نية، والبعض الآخر يرددها بنية سيئة.
وهي: لماذا نشغل أنفسنا بدراسة فرق انتهت، وربما لم يعد لها ذكر على الألسنة..وقد رد العلماء عليها قديماً وحديثاً وانتهى الأمر؟
والجواب: إن هذا التساؤل قد انطوى على مغالطات خفية ونية سيئة، أو جهل شنيع، وذلك:
أولاً: إن هذه الفرق وإن كانت قديمة فليست العبرة بأشخاص مؤسسي تلك الفرق ولا بزمنهم، ولكن العبرة بوجود أفكار تلك الفرق في وقتنا الحاضر.
فإننا إذا نظرنا إلى فرقة من تلك الفرق الماضية نجد أن لها امتداداً يسري في الأمة سريان الوباء.
وأقرب مثال على ذلك فرقة المعتزلة، أليس أفكارهم لا زالت حية قوية يتشدق بها بعض المغرضين من الذين استهوتهم الحضارة الغريبة أو الشرقية، فراحوا يمجدون العقل ويحكمونه في كل الأمور، ويصفون من يعتمد على ما وراء ذلك بالتأخر والانزواء .
إنهم يريدون الخروج عن النهج الإسلامي ولكنهم لم يجرءوا صراحة على ذلك، فوجدوا أن التستر وراء تلك الآراء التي قال بها من ينتسب إلى الإسلام خير وسيلة لتحقيق ذلك، فذهبوا إلى تمجيد تلك الأفكار لتحقيق أهدافهم البعيدة.
ثانياً: مما هو معلوم أن كل الأفكار والآراء التي سبقت لها أتباع ينادون بتطبيقها، فالنزعة الخارجية وتنطع أهلها في الدين، واستحلال دماء المسلمين لأقل شبهة، وتكفيرهم الشخص بأدنى ذنب- قائمة الآن في كثير من المجتمعات الإسلامية على أشدها، موهمين الشباب ومن قلت معرفته بالدين أن الدين هو هذا المسلك فقط.
كذلك نرى الصوفية وقد اقتطعت من المسلمين أعداداً كثيرة، مثقفين وغير مثقفين، جَرَفَهُم التيار الخرافي فراحوا ينادون بالجهل والخرافات، واتباع المنامات، وتحضير الأرواح، ومعرفة المغيبات، وتعظيم الأشخاص والغلو فيهم.
وغير ذلك من مسالك الصوفية التي سندرسها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا، فدراستنا هذه وإن كنت في ظاهرها دراسة للماضي، ومراجعة للتاريخ لفرق المبتدعة الذين جَنَوا على ماضي المسلمين إلا أنها دراسة حاضرة كذلك من حيث إنها تكشف جذور البلاء الذي شتت قوى المسلمين وفرقهم شيعاً، وجعل بأسهم بينهم شديداً، بل هي نور يضيء لشبابنا طريقه وسط هذا الظلام الفكري المفتعل، الذي لا يخدم إلا أعداء الإسلام وشانئيه بتوجيه الأنظار إلى تلك الفرق التي تعمل في الظلام لنشر أفكارها، وفرض مخططاتها المعادية للإسلام.
ثالثاً: إن دراسة الفرق والدعوة إلى الاجتماع واتحاد كلمة المسلمين -فيه تكثير لعدد الفرقة الناجية بانضمام أولئك الخارجين عن الحق ووقوفهم إلى جانب إخوانهم أهل الفرقة الناجية؛ فيكثر عددهم فيصح فيهم ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من قيام فرقة من المسلمين : ((ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك)) وتَرْكُنا لدراسة الفرق يفوِّت علينا هذا الخير العظيم.
رابعاً: أضف إلى ذلك أن ترك الناس دون دعوة إلى التمسك بالدين الصحيح، ودون بيان أضرار الفرق المخالفة، فيه إبطال لما فرضه الشرع من القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الفرق التي ظهرت، ما من فرقة منها إلا وقد قامت مبادئها على كثير من المنكرات، وهي تدعي أنها هي المحقة وما عداها على الضلال، فألبسوا الحق بالباطل، وأظهروا مروقهم وخروجهم وفجورهم عن منهج الكتاب والسنة في أثواب براقة لترويج بدعهم، والدعوة لها.
خامساً: إن عدم دراسة الفرق والرد عليها وإبطال الأفكار المخالفة للحق، ففيه إفساح المجال للفرق المبتدعة أن تفعل ما تريد، وأن تدعو إلى كل ما تريد من بدع وخرافات دون أن تجد من يتصدى لها بالدراسة والنقد كما هو الواقع؛ فإن كثيراً من طلاب العلم- فضلاً عن عوام المسلمين- يجهلون أفكار فرق يموج بها العالم، وهي تعمل ليلاً ونهاراً لنشر باطلهم، ولعل هذه الغفلة من المسلمين عن التوجه لكشف هذه الفرق المارقة لعله من تخطيط أولئك المارقين الذين نجحوا في حجب الأنظار عنهم وعن مخططاتهم الإجرامية.
ولا أدل على ذلك من أنك تجد بعض الأفكار وبعض العبارات يرددها كثير من المسلمين دون أن يعرفوا أن مصدرها إما من المعتزلة ، أو من الصوفية ، أو البهائية ، أو القاديانية ، أو الخوارج ، أو الشيعة ، إلى غير ذلك.
ومن المعلوم أن ذلك إنما يعود إلى الجهل بأفكار هذه الطوائف .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الثالث
النهي عن التفرق


لقد كان هذا الأمر مما عني به القرآن الكريم أيما عناية وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اهتدى بهديه من أصحابه البررة والتابعين لهم بإحسان، ويشتمل هذا الفصل على مبحثين وهما:

--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الأول: الأدلة من القرآن الكريم:
--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الثاني: الأدلة من السنة النبوية:

ــــــــــــــــــــــ

المبحث الأول: الأدلة من القرآن الكريم: ومما جاء في القرآن الكريم، وهي آيات كثيرة نثبت منها قوله تعالى:
1- (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السُّبُلَ فتفرق بكم عن سبيله) .
2- ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) .
3- (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) .

والآيات واضحة في معناها ودلالتها ولا تحتاج إلا إلى التطبيق بجد وإخلاص، فهي تحذر من التفرق وتدعو إلى الوحدة وجمع كلمة المسلمين، والسير في طريق واحد. فإذا تفرق المسلمون بعد ذلك فهم خارجون عن السير فيه، وحينما تفرق المسلمون أحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون، زعمت كل فرقة أنها هي الناجية، وما عداها هالك، حتى التبس الأمر على كثير من المسلمين فلم يهتد إلى الفرقة الناجية بسبب تلك المزاعم، ولا ينبغي أن نأبه لتلك المزاعم، بل نعرض كل ما نسمع على كتاب الله وسنة نبيه، فما وافقهما فهو الحق، وما خالفهما عرفنا أنه باطل وهذا هو الميزان الذي ينبغي أن نزن به كل قول ومعتقد مهما كان مصدره كما هو حال أهل السنة في عرضهم للأقوال والمعتقدات على كتاب الله وسنة رسوله، وهو توفيق من الله لهم، وهم الفرقة الناجية، وهم أهل الحق إلى أن تقوم القيامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبحث الثاني: الأدلة من السنة النبوية:
ومن عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى اجتماع كلمة المسلمين وتحذيرهم عن التفرق أحاديث كثيرة منها على سبيل المثال:
1- ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً ثم قال: ((هذه سبيل الله)) ثم خط خطوطاً عن يمينه، وخطوطاً عن يساره ثم قال: (( هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه)) ثم قرأ هذه الآية: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السُّبُل فتفرق بكم عن سبيله)) .
2- وفي حديث العرباض بن سارية قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) .
3- وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة عند ظهور الخلاف والتفرق في الدين بقوله: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) قال حذيفة: قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) .
4- وعن معاوية بن أبي سفيان قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة...وهي الجماعة)) .
وفي رواية عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)) .
ولا بد لنا من وقفة عند هذا الحديث الذي أضاف إلى التحذير من الافتراق الإخبار بهلاك تلك الفرق الضالة إلا واحدة منها، ثم حصر الفرق في العدد المذكور، ورغم كثرة الروايات المختلفة لحديث المذكور إلا أنه لم يخل عن الاختلاف في صحته، وسنقف هنا عند دراسته على الأمور التالية:
سند الحديث:
رُوي هذا الحديث بعدة أسانيد، إلا أن العلماء وقفوا بالنسبة لقبوله المواقف التالية:
1- منهم من لم يصححه، ولم يجوز الاستدلال به. وهم بعض العلماء كابن حزم وغيره.
2- ومنهم من اكتفى بتعدد طرقه. وتعدد الصحابة الذين رووا هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- ومنهم من أخذ به وحاول أن يحصر الفرق في العدد المذكور كالبغدادي رحمه الله وغيره .
وحينما تعرض شيخ الإسلام –رحمه الله- للكلام عن الفرق، قال عن الحديث: ((مع أن حديث الثنتين والسبعين فرقة ليس في الصحيحين، وقد ضعفه ابن حزم وغيره، لكن حسنه غيره أو صححه كما صححه الحاكم وغيره، وقد رواه أهل السنن وروي من طرق)) . وفي مجموع الفتاوى ورد قوله: ((الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي)) .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الرابع
حصر الفرق في العدد المذكور في حديث الافتراق ويشمل مبحثين:

والواقع أن حصر الفرق في العدد المذكور تفصيلاً ليشمل كل فرقة –فيه إشكال، وذلك أن أصول الفرق لا تصل إلى هذا العدد، وفروعها تختلف وجهات نظر العلماء في عدّها أصلية أو فرعية، ثم إن فروع الفرق تصل إلى أكثر من هذا العدد، فهل نعد الأصول مع الفروع؟ أو الأصول فقط؟ أو الفروع فقط؟.
كذلك فإن الفرق ليس لظهورها زمن محدد، أي لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد لنهاية تفرق أمته. وعلى هذا فإن الصواب أن يقال: إن الحديث فيه إخبار عن افتراق أمة محمد صلى الله عليه وسلم دون تحديدهم بزمن بعينه، بحيث لا يصدق إلا على أهله فقط، وإنما أخبر عن افتراق أمته، وأمته صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة...إذاَ فلا نحددها بزمن.
وينبغي أيضاً أن نعد الفرق في أي عصر ظهرت فيه، بغض النظر عن وصولها إلى العدد المذكور في الحديث أو عدم وصولها، فلا بد أن يوجد هذا العدد على الوجه الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبر به، في عصرنا أو في غير عصرنا .


--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الأول: من الفرق الناجية؟
--------------------------------------------------------------------------------
المبحث الثاني: معنى قوله صلى لله عليه وسلم: ((كلها في النار إلا واحدة))


ــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبحث الأول: من الفرق الناجية؟

أما من هي الفرق الناجية، فقد اختلف العلماء في المراد بهم على أقوال، هي إجمالاً:

1- قيل: إنها السواد الأعظم من أهل الإسلام.

2- وقيل: هم العلماء المجتهدون الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة)) ، أي لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة، وخصهم شيخ الإسلام بعلماء الحديث والسنة.

3- إنهم خصوص من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم في رواية: ((ما أنا عليه اليوم وأصحابي)).

4- إنهم جماعة غير معروف عددهم ولا تحديد بلدانهم، أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخبار الله له أنهم على الحق حتى يأتي أمر الله. ولعل هذا هو الراجح من تلك الأقوال ونحن نطمع إن شاء الله أن نكون منهم مادمنا على التمسك بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى منهج سلفنا الكرام.

5- وفيه قول خامس، أن الجماعة هم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير .


ــــــــــــــــــــــــــــــ

المبحث الثاني:
معنى قوله صلى لله عليه وسلم: ((كلها في النار إلا واحدة)) وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلها في النار)) فقد ذكر الشاطبي ما حاصله:

1- أن هذه الفرق لا بد أن ينفذ فيها الوعيد لا محالة.

2- أنهم مثل أهل الكبائر تحت المشيئة .

3- أن الأولى عدم التعرض لتعيين الفرق غير الناجية بالحكم عليها بالنار، لأن النبي عليه السلام نبه عليها تنبيهاً إجمالياً لا تفصيلياً إلا القليل منهم كالخوارج .

والذي يظهر لي أن الفرق تختلف في بعدها أو قربها من الحق، فبعضها يصح أن يطلق على أصحابها أنهم أهل بدعة أو معصية وحكمهم حكم أصحاب الكبائر، وبعضها لا يصح وصف أصحابها إلا بالكفر لخروجهم عن الإسلام مثل فرق الباطنية والسبئية والميمونية من الخوارج..إلخ، ويكون حكمهم حكم الكفار الخارجين عن الملة، ولو تظاهروا بالإسلام.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الخامس
كيف ظهر الخلاف والتفرق بين المسلمين

كان الخلاف في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ينتهي فور وصوله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حين يحكم فيه، وبعد وفاته وحتى آخر عصر الخلفاء الراشدين كان المسلمون على منهج واحد في أصول الدين وفي فروعه، إلا أنه قد وجدت بعض الأمور التي كانت محل خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، ولكنهم قضوا عليها بثباتهم ونياتهم الصادقة –بعد توفيق الله لهم- نذكر منها على سبيل الإيجاز ما يلي:

1- ما أصاب بعض الصحابة من الدهشة من موت الرسول صلى الله عليه وسلم هل مات الرسول كما مات غيره من الأنبياء؟ لأن الله تعالى يقول: (إنك ميت وإنهم ميتون) ، أم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمت وإنما هو في غيبوبة وسيفيق منها، حتى قال عمر رضي الله عنه: من قال إن رسول الله مات-ضربته بالسيف؟
وحينما جاء أبو بكر رضي الله عنه قضى على هذا الخلاف، وأقر الجميع بموت الرسول صلى الله عليه وسلم.
هكذا يذكر أصحاب المقالات، ومن وجهة نظري لا أرى أن هذا يشكل خلافاً حقيقياً وإنما هي حالة طارئة مرّت بالمسلمين دون أن تشكل ظاهرة خلافية.

2- اختلفوا كذلك في موضع دفنه:

أ- فأراد أهل مكة رده إلى مكة.
ب- وأراد أهل المدينة دفنه بها.
ج- وقال آخرون بنقله إلى بيت المقدس.

ولكل فريق من هؤلاء حججه على ما يراه لكن الخليفة الراشد الصديق رضي الله عنه قضى على هذا الخلاف حينما روي لهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)) ...والخلاف في هذه المسألة يعتبر خلافاً خطيراً؛ إذ لو وقف كل فريق عند رأيه وعاند لأدى ذلك إلى فتنة عظيمة.

3- اختلفوا في تسيير جيش أسامة، هل يبقى بالمدينة كما يرى عمر وغيره، لضرورة الحاجة إليه؟ أم يذهب لما وجهه الرسول عليه السلام كما يرى أبو بكر؟
وقد شرح الله صدورهم لتوجيهه، وكان في ذلك خير عظيم.

4- ثم اختلفوا في قتال مانعي الزكاة، هل يقاتلون كما يقاتل الكفار لأنهم فرقوا بين ركنين من أركان الإسلام؟ أم لا يقاتلون ما داموا يشهدون الشهادتين، ويؤدون الصلاة؟.
ثم انتهى الخلاف بقبول رأي أبي بكر في قتال هؤلاء. وحتى الذين خالفوا في قتال مانعي الزكاة ما كانوا يريدون تركهم مطلقاً، وإنما كانوا يرون تأخير حسابهم معهم إلى حين القضاء على من هو أخطر منهم وأشد شوكة0

5- وكالاختلاف في الإمامة لمن تكون لقريش أم للأنصار؟ واجتماعهم في سقيفة بني ساعدة، ورجوعهم أخيراً إلى مبايعة أبي بكر الصديق حينما تبين لهم الحق في قوله.
ثم تفاقم التصدع والانشقاق الخطير شيئاً فشيئاً إلى أن انتهى بمقتل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، حينما سعى في ذلك عدو الله ابن سبأ، ثم أصبح المسلمون فرقاً وأحزاباً وفشت بينهم العداوة والبغضاء إلا من رحم الله ؛ مصدقاً لقول عثمان رضي الله عنه: ((فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي ولا تصلون بعدي جميعاً ولا تقتلون بعدي جميعاً عدواً أبداً))


ـــــــــــــــــــــــــ

الفصل السادس
مدى سعة الخلاف الذي كان يحصل بين الصحابة وموقفهم منه.
وكيف تطور بعدهم إلى تمزيق وحدة الأمة الإسلامية


رأينا فيما سبق أن الصحابة اختلفوا في مسائل لو أنها عند غيرهم لأريقت في بعضها الدماء، ولكن الصحابة ما كانوا يريدون الخلاف لذاته أو لأهوائهم كما حصل فيما بعد عند غيرهم.
إلاّ أن جل خلافهم إنما كان حول فهم نص من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهي أمور أكثرها اجتهادية شبيهة بما كان يحصى أحياناً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كما حصل في أمر صلاة العصر حينما توجهوا إلى بني قريضة، وكان أحدهم إذا تبين له صحة وجهة نظر أخيه ترك خلافه، ورجع إلى الحق، بل وربما يرجع عن خلافه في مثل المسائل الاجتهادية؛ حرصاً على جمع الكلمة، وسداً لمنافذ الخلافات أو فتح الثغرات التي يأوي إليها المتربصون بهم...
ومما ورد في كره الصحابة للخلاف، ورجوع بعضهم عنه في مسائل الاجتهاد خوفاً من تفرق الكلمة ما جاء في صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه قال: ((اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي)) .
قال ابن حجر في معناه نقلاً عن أيوب: ((إن ذلك بسبب قول علي في بيع أم الولد، وأنه كان يرى هو وعمر أنهن لا يبعن وأنه رجع عن ذلك فرأى بيعهن)) قال عبيدة : فقلت له رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلى من رأيك وحدك في الفرقة، فقال علي ما قال، قلت وقد وقعت في رواية حماد بن زيد أخرجها ابن المنذر عن علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم عنه، وعنده قال لي عبيدة: بعث إلى علي وإلى شريح فقال: ((إني أبغض الاختلاف فاقضوا كما كنتم تقضون)) ثم قال ابن حجر في شرح قول علي رضي الله عنه: ((فإني أكره الاختلاف)) أي الذي يؤدي إلى النزاع.
قال ابن التين: ((يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة ، وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه ما يفيد رجوعه عن خلافه خوفاً من قيام فتنة)) .
وظل الخلاف في حياتهم لا يراد به إلا الوصول إلى الحق والتمسك به.
ثم جاء من بعدهم أشكال من الناس بعضهم كان منافقاً فأظهر الإسلام والموافقة، ثم عمل في الداخل على تضخيم الخلاف، وفتح ثغرة في مفاهيم المسلمين، وجادل بالتأويل والشبهات، وبعضهم استغل اختلاف الصحابة في بعض المسائل، واتخذ منه سبيلاً لتمزيق وحدة الأمة الإسلامية بتقليب الأدلة ومعارضة بعضها ببعض، وإذكاء التعصب، وزيادة حدة الخلاف ليحقق هدفه في الحقد على المسلمين .
ثم تطور الخلاف بين المسلمين من سيء إلى أسوأ، إلى أن وصل الحال إلى الواقع المؤسف الذي نعيشه اليوم من التباكي على الوحدة الإسلامية التي صارت صعبة المنال، بما اقترفوه من أفكار نفرت بعضهم عن بعض، وأذكى علماؤهم الأحقاد، وضخموا حجم الخلافات حتى صاروا فرقاً متناحرة، وتكثروا من ألقاب المدح بما لم يفعلوا، وصدق عليهم قول الشاعر الأندلسي:
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
وتوالت على المسلمين الضربات والإهانات، وتأمر عليهم أهل الشرق والغرب، ونسوا أن الله طلب منهم أن يكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، فذل المسلمون ذلاً شنيعاً وخصوصاً في عصرنا الحاضر، ولكنهم لم يستيقظوا من الضربات، ولا تدري هل ذلك من هول ما أصابهم، أم يطلبون المزيد من الإهانات.
والعرب بخصوصهم الذين كانوا قبل الإسلام أذل الناس، يريد الكثير منهم الآن العودة إلى تلك الجاهلية التي أخرجهم الله منها، وأبدلهم بالهدى والنور بعد أن كانوا على شفا حفرة من النار، وسيعلمون لو تم لهم ما يريدون- لا سمح الله- كم جَنَوْا على أنفسهم وعلى أمتهم، وهؤلاء أحد عوامل الهدم وإضعاف المسلمين. فقد توالت على المسلمين عوامل كثيرة أضعفتهم، عوامل خارجية أتقن تخطيطها أعداؤهم، فضربوهم في عقر دارهم، وحاربوا الدعوات الإسلامية بشتى الأساليب، وتأثر كثير ممن ينتسب إلى الإسلام بالدعايات المضللة، وبقي قلة من المخلصين قد خذلهم القريب والبعيد وهم نواة الخير في الأرض، ولن يخذلهم الله تعالى.
وعوامل داخلية من العصبية البغيضة، وإثارة النعرات الجاهلية، واتباع الهوى، واتخاذ رؤساء جهالاً معجبين بآرائهم، وصاروا كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ((غثاء كغثاء السيل)) ، ولهذا فإن هذه الكثرة تُرى في المسلمين لا تُفْرِحْ كثيراً، فقد رأينا كيف وقفوا عاجزين أما أعدائهم في كل مكان، اللهم إلا فئات قليلة صدقوا ما عاهدوا الله عليه.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابع

مظاهر الخلاف بين المسلمين مر المسلمون بخلافات عديدة، والمتتبع لكل تلك الخلافات يجد أنها:

1- إما أن تكون خلافات عملية جردت فيها السيوف والمدافع والبنادق، ولا شك أنها نتيجة لخلافات عقدية في أكثرها، وإن كانت تبدوا أنها سياسية، وبعضها خلافات سياسية خصوصاً في القرون الأولى.
وهذه الخلافات يهتم بها كتّاب التاريخ، يسجلونها ويوضحون أسبابها، ويذكرون نتائجها، وهي كثيرة على مدى التاريخ الإسلامي قديماً وحديثاً.
قديماً ما وقع بين علي رضي الله عنه والخوارج، وما وقع بين الخوارج والدولة الأموية، وما وقع بين الدولة الأموية وابن الزبير.
وحديثاً ما نراه واضحا في لبنان وغيره من فتك الشيعة- الذين يتظاهرون بالإسلام- بأهل السنة وتنكيلهم بهم إلى حد الاستهتار بدمائهم، أو بين أهل السنة وبين مم يتظاهر بالإسلام على ديانة القاديانية أو البهائية أو غيرهم، ممن يتظاهر بالإسلام ويصوب السلاح إلى صدور المسلمين.

2- وإما أن تكون خلافات علمية، وهذه خاض غمارها العلماء، كل فريق يؤيد ما يذهب إليه، وينقض ما ذهب إليه المخالف دون أن يصغي لأدلة من يخالفه بعين الإنصاف –في أكثر الأحوال-، حتى إن كل فريق من المختلفين يقول: رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب.

وهذه الخلافات وإن لم تكن عملية، إلا أنها في كثير من القضايا أسهمت في إذكاء نار العداوة والبغضاء بين المسلمين، وساعدت في نفره المسلمين بعضهم عن بعض، خصوصاً بعد أن تولاها قوم معجبون بآرائهم، جهال بمعرفة النصوص وما تهدف إليه؛ فتعصبوا لمشايخهم وأفكارهم، ثم انطووا على ذلك .
ودارس الفرق يهمه الإلمام بالأمرين جميعاً؛ حتى يتسنى له الحكم على الأمور بوضوح، فإن معرفة الحوادث التاريخية، ومعرفة الأفكار والمعتقدات ثم عرضها على كتاب الله وسنة نبيه، ثم الاسترشاد بما فهمه السلف من تلك النصوص هو بالإضافة إلى أنه من الإحسان إلى النفس وإلى الآخرين، طريق الإنصاف، ومعرفة الداء ودوائه.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الثامن
كيف تبدأ الفرق في الظهور
يذكر علماء الفرق أنه عندما يريد شخص معرفة ظهور فرقة من الفرق على وجه التحديد، فإن ذلك من غير اليسير الوصول إليه والجزم به دون تخمين أو شك، وذلك:
لأن الفرقة لا تستحق هذا الاسم إلا بعد مرورها بمراحل متعددة، تبدأ فكرة صغيرة، فردية أو جماعية، ثم تتكون شيئاً فشيئاً إلى أن تصبح فرقة ذات منهج مميز لها سياسياً أو اجتماعياً.
وهذا ما عناه الأستاذ أبو زهرة حين قال:
((إن رأينا أن الأفكار التي تشيع وتنتشر، من الصعب الوصول إلى مبدئها على وجه الجزم واليقين من غير حدس أو تخمين)) .
والتخطيط لقيام الفرقة قد تطول مدته وقد تقصر، حسبما يتهيأ لها من الظروف والعوامل المساعدة لقيامها، وعلى هذا فإنه ينبغي حسبما يبدو لي أن نفرق بين ظهور الفرقة كفرقة ذات أفكار وآراء اعتقادية وبين ظهورها كفكرة.
والصعوبة إنما تكمن في ظهورها فكرة، وأما تحديد ظهورها فرقة فهو ما سجله العلماء عن ظهور كل الفرق والطوائف.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل التاسع
منهج العلماء في عدَّ الفرق

لم يوجد لعلماء الفرق قانون يسيرون عليه في عدّهم للفرق الإسلامية، بل سلكوا طرقا عديدة، كل واحد منهم يعدها حسب اجتهاده، وما وصل إليه علمه.
وفي هذا يقول الشهر ستاني – رحمه الله-: ((اعلم أن لأصحاب المقالات طرقاً في تعديد الفرق الإسلامية، لا على قانون مستند إلى أصل ونص)).
ثم اقل: ((فما وجدت مصنّفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق، ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أنه ليس كل من تميز عن غيره- بمقالة ما في مسألة ما –عُدّ صاحب مقالة، وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد)).
وقال أيضاً: ((وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط إلا أنهم استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيف ما اتفق، وعلى الوجه الذي وجد، لا على قانون مستقر وأصل مستمر)) .
والواقع أننا نجد مصداق كلام الشهر ستاني عند تتبع العلماء للفرق، وأقرب مثال لذلك أنك تجد أمهات الفرق عند الأشعري عشر أصناف، وعند الشر ستاني نفسه أربع فرق، وعند غيرهما ثمان فرق، وعند آخرين ثلاثاً، وبعضهم يجعلها خمساً، إلى غير ذلك مما يوحي بعدم وجود قانون لعدّ الفرق مستقلة أو تابعة لغيرها؛ إذا كان هَمُّ الأولين فيما يبدو تسجيل ما يجدون من آراء فردية كانت أو جماعية.
ولعل بعض هؤلاء العلماء اختلط عليه الأمر فيمن يستحق أن يطلق عليه أنه من أهل ملة الإسلام فيعتبر خلافه، أو لا يعتبره من المسلمين فلا يذكر خلافه، وهذه المسألة تحتاج إلى إيضاح نوجز ما ذكره البغدادي عنها فيما يلي:


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل العاشر

ما المراد بأمة الإسلام؟

اختلف المنتسبون إلى الإسلام في الذين يدخلون بالاسم العام في ملة الإسلام، وحاصل الأقوال في هذه المسألة كما يلي:

1- أن هذه التسمية تشمل كل مقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن كل ما جاء به حق، كائناً قوله بعد ذلك ما كان.
وهذا قول زعيم طائفة الكعبية من المعتزلة أبي القاسم الكعبي.

2- أنها تشمل كل من يرى وجوب الصلاة إلى جهة الكعبة.

3- أنها تشمل كل من أقر بالشهادتين ظاهراً ولو كان مضمراً للنفاق والكفر.

والواقع: أن تلك الأقوال لا تخلو من إيراد عليها وانتقاد لها، فقول الكعبي الأول، وقول مجسمة خراسان الأخير ينقضه ما موقع من يهود إصبهان من إقرارهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى العرب خاصة لا إلى بني إسرائيل، وكذا قال قوم من موشكانية اليهود- نسبة إلى زعيمهم موشكان- فإنهم أقروا بجميع شرائع الإسلام، ونفوا أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم نبي إلى كافة البشر، بما فيهم اليهود.
ومع ذلك فإنهم ليسوا بمسلمين، ولا تعتبر أقوالهم ضمن أقوال الفرق الإسلامية .
والصحيح في هذا كله أنه لا يدخل في الإسلام إلا من أقر به ظاهراً وباطناً، والتزم بالإيمان بالشريعة الإسلامية، ثم إذا كان له بعض البدع فإنه ينزل من الإسلام حسب قربه أو بعده عنه، ويعامل على هذا الأساس، ويحترز من تكفير شخص بعينه إلا إذا ظهر كفره من قوله أو فعله أو اعتقاده بعد إقامة الحجة عليه.


ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الحادي عشر

أهم أسباب نشأة الفرق

أ- تمهيد: التفرق في عصرنا الحاضر.

ب- الأسباب العامة للتفرق.


--------------------------------------------------------------------------------
أ- التفرق في عصرنا الحاضر:


سبق أن عرفنا نهي الدين عن التفرق، وذكرنا الأدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية على ذلك، كما تبين لنا كذلك الخطر الذي يكمن في طريق الأمة الإسلامية، والذي يعوقها عن الوصول إلى الغاية التي أمرهم الله بها. وكيف أنهم حينما يتفرقون ويصبحون أحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون-يصبحون أمة ضعيفة لا قيمة لها، كما هي سنة الله في الذين خَلَوا من قبل.
ويجري عليهم نفس المصير الذي جرى على الأمم قبلهم، لأنه لا نجاة ولا عزة إلا بالتمسك بالإسلام الذي رفع الله به أقواماً قبلوه وأذل به آخرين استكبروا عنه، وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ومن الشقاء إلى السعادة ومن الجهل إلى العلم، وعاش الناس في ظلاله عيشة في منتهى السعادة.
وقد مضت تلك الأيام غرة في جبين الدهر، ولسان حال المسلمين اليوم يقول:
وودّ بجدع الأنف لو عاد عهدها وعاد له فيها مصيف ومريع
تنكر للإسلام كثير ممن يتظاهر به، ويزعم أنه يسير على نهجه فألحق بالمسلمين الذل بعد ذلك العز الذي غمر شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، وكان هؤلاء أشد على الإسلام والمسلمين من أعدائه الظاهرين حين أعرضوا عن تعاليم الإسلام المشرقة، وصاروا صعاليك يستجدون موائد الشرق والغرب القذرة، وعملوا ليلاً ونهاراً، سراً وإعلاناً على إضعاف المسلمين وتشكيكهم في دينهم وتشتيت أمرهم.
وقد ساعدهم على ذلك أعداء الإسلام الذين يتربصون به الدوائر (عليهم دائرة السَّوء وغضب الله عليهم) والذين يمدونهم بكل ما لديهم من التشجيع المادي والمعنوي، فإذا بهم يتحولون إلى وحوش وسباع ضارية، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.
لقد تربى هؤلاء على موائد الكفرة ودرسوا في مدارسهم، وأتقنوا مناهجه ثم أظهروا أنفسهم أبطالاً فاتحين، واتخذوا لأنفسهم شعارات براقة خادعة وهم ما بين ثوري اشتراكي شيوعي، أو بعثي زنديق حاقد، أو رأسمالي جشع حقود حسود، أو ماسوني أينما يوجه لا يأت بخير، فابتلي المسلمون بهم أشد البلاء، وتوالت عليهم المحن، وظهر الإلحاد، وتفرقت بسببهم الكلمة، وظهر قرن الشر، وفشت الدعارة علانية، وصار المتمسكون بدينهم غرباء.
وبعد تلك المحن كلها مما لا يمكن وصفه امتن الله على المؤمنين، وظهرت بوادر صحوة يتمنى كل مسلم أن تتم بخير، مع الخوف الشديد أن توجه تلك الصحوات وجهة في غير مسارها الصحيح، فتنتكس الأمة انتكاساً ربما لا تقوم لهم قائمة - لا سمح الله- إذا نجح هؤلاء النقلابيون على كل شيء حتى على دينهم ورسالة نبيهم، لأنهم يريدون قلب كل شيء، وتحويل كل معتقد إلى معتقداتهم الفاسدة، ثم السير بهم في تلك السبل التي تربوا عليها، وهي السبل التي حذرنا الله من سلوكها، إن المتتبع لنشاط هؤلاء ودوافعهم تنكشف له اللعب السياسية والاجتماعية الخطيرة التي تدفع بأتباعها من ظهورهم إلى حيث لا يدرون، ومن حيث لا تمكنهم من معرفة ما هم واردون عليه.
قد أحاطوهم بصراخ وعويل أفقدوهم حتى مجرد اللحظة التي يفكرون فيها، وبخبث ودهاء تظافرت جهودهم يصدق بعضها بعضاً، الجريدة، والمجلة، والكتاب، والتلفزيون، والإذاعة، وإعلانات الشوارع، وندوات المجالس، ونثر ونظم، وتمثيليات وفكاهات؛ فأحاطوهم من كل جهة، ودخلوا معهم في كل مجال من مجالات الحياة.
وجعلوهم لا يفكرون إلا فيهم، وفي تنفيذ دعاياتهم في كل وقت -وهم يمشون، أو على مكاتبهم، أو في بيوتهم، أو في اجتماعاتهم، أو في انفرادهم؛ حتى أخذوا منهم كل أوقاتهم، وخدعوهم عن كل ما يمت إلى تدبر أمرهم فأصبحوا فريسة سهلة، لا حراك بها أمام هؤلاء سراق عقول البشر الذين يصطادون في الماء العكر، قد دخلوا في المجتمعات المحافظة على سلامة عقيدتها كما تدخل الجراثيم.
فأصبح الكثير من شباب الأمة الإسلامية - إلا من رحم الله- عقولهم معهم وأيديهم تكتب عنهم وتمجدهم وأرجلهم تمشي إلى مجالسهم، وألسنتهم تنطق بدعاياتهم وأكاذيبهم وحيلهم. ولا شك أن ثمن ذلك كله تفرق الكلمة وتشتت الآراء تحت غطاء إصلاح وتقدم الأمة، والوصول إلى التطور والتجديد، أو غير ذلك من الأكاذيب.
جندوا كل أولئك لهدف واحد هو محاربة الدين والعادات الإسلامية، وتفكيك الروابط المتينة التي بناها الإسلام والتي تقف دون رغباتهم الجنسية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وجنَّدوهم كذلك لقطع أوصال الأمة وإلقاء بذور الشقاق بينهم- على طريقة فَرِّقْ تَسُد- ودربوهم على طريقة إلصاق التهم بالآخرين من أهل الحق وتشويه سمعتهم، ثم ألقوا بينهم مختلف الآراء الفكرية شغلوا الأمة بها.
ولم يفلحوا في شيء مثلما أفلحوا في تفريق كلمة المسلمين، وإشاعة الفرقة والعداوة بينهم، وبغي بعضهم على بعض، والتفنن في اللمز ورفع الشعارات، وهذا ما يفسره لنا وَلَعُهُمْ بقيام الأحزاب المتناقضة في الآراء لإلهاء الناس عن مراقبة ما يقومون به.
ونتج عن ذلك استحكام الفرقة، ونشوء الأحزاب والجماعات المتصارعة، وإفساح المجال واسعاً لكل طامع في تفتيت الأمة، الذين هم كالجسد الواحد؟ إنهم يلهثون لاستعباد عقول الناس بأي ثمن كان، حتى ولو كان تفرقة أهل البيت الواحد ما دام ذلك يحقق لهم مصالحهم، ويجعلهم قادة للقطعان الذين يتبعونهم بغير تدبر ولا روية منخدعين بزخارف أقوال أولئك الذين فسدت فطرهم، وانتكست مفاهيمهم، حتى أصبحوا يرون المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والباطل حقاً، والحق باطلاً.
عقاب من الله لهم لانحرافهم عن النهج الرباني، وعن الصراط المستقيم، والسبيل المبين إلى سبل وشبهات على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه كما تقدم بيان المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذا المسلك في الحديث الثابت عنه .
وبالبحث عن أسباب تفرق الأمة الإسلامية، قديماً وحديثاً، يتضح أن أسباباً عديدة عملت مجتمعة على ذلك التفرق بعضها معلن وبعضها خفي، وهذا لا يمنع أنه قد يوجد لكل طائفة من العوامل ما لا توجد عند الطوائف الأخرى، ولهذا فإنه من الإطالة البحث عن الأسباب التي أدت إلى خروج كل طائفة من الطوائف التي يموج بها العالم الإسلامي.
وتفصيل ذلك والتوسع فيه كل طائفة على حدة ودراسة تلك الأسباب والمقارنة بينها وبين الأسباب للطوائف الأخرى فهذا يحتاج إلى دراسة خاصة، تبدأ بذكر ما جرى بين المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحداث مروراً ببيان الخلاف الحاد الذي أنتجه أمر الخلافة لمن تكون وكيف تمت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ومواقف الناس منها.
ثم بيان ما حصل من ابن سبأ من مؤامرات ومواقف خبيثة أدت إلى ارتكاب جريمة مروعة في عصر الصحابة؛ وهي قتل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه علانية، وما أعقب ذلك من مواجهة حربية بين علي رضي الله عنه وطلحة والزبير ومن معهما في معركة الجمل بتأثير أعداء الله السبيئة.
ثم امتداد الفتنة بصورة شاملة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في معركة صفين، وما نتج عنها بعد ذلك من أمر التحكيم الذي شطر جيش علي رضي الله عنه إلى حزبين متضادين هما: الخوارج والشيعة، وما أحدثه هؤلاء من أفكار نسبوها إلى الدين الإسلامي بعد ذلك.
وتلك الأحداث كانت بمثابة مرض ألمّ بجسم الأمة أفقده الكثير من المناعة؛ فظهرت بوادر أمراض كثيرة فيه، فَبَزَغَ قرن الشيطان عند ذلك وتوالت المصائب وأسباب التفرق المتعددة الأشكال، فظهرت العصبيات البغيضة، والقوميات المتصارعة، والرغبة في السيطرة والزعامة، وتفاوتت المفاهيم فظهرت المذاهب الفكرية للفرق المختلفة، من خوارج، ومعتزلة، وقدرية، ومرجئة، وشيعة...إلخ، فأسسوا الآراء التي فرقت المسلمين، وغذوها بالتأويلات الفاسدة اتباعاً لأهوائهم.
وظهر الغلو الممقوت نتيجة لتمجيد كل طائفة لآرائها ولرجالها وقويت الرغبة لدى كل طائفة للاستقلال بأتباعها.
ثم جاء دور التلاعب بالنصوص من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلة الله عليه وسلم، وجرت كل طائفة مفاهيم تلك النصوص إلى ما يوافق ما أسسته من مفاهيم سقيمة وعقائد خاطئة فاختلفوا من بعد ما جاءهم البينات.
ولئن كانت دراسة كل تلك الأمور بالتفصيل والتوسع غير واردة هنا لما قدمناه سابقاً فإنه يمكن الاقتصار والإشارة إلى أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك التفرق الحاصل في العالم الإسلامي بصورة إجمالية عامة، سواء كان ذلك في الزمن القديم أو في الأزمان التي جاءت بعده


--------------------------------------------------------------------------------
ب- الأسباب العامة:

1- وجود علماء انحرفت عقائدهم، على رأس كل طائفة منهم مردة أسهموا في تثبيت الفرقة بين المسلمين.

2- غلبة الجهل وفشوه بين أوساط المسلمين في مختلف العصور بصفة عامة.

3- عدم فهم النصوص فهماً سليماً، حتى وإن كانت النيّة ربما تكون حسنة عند البعض منهم.

4- موافقة الخلاف والفرقة لهوى في النفس فأصروا عليه.

5- تدخل سلطان العصبية البغيضة.

6- استحكام قوة الحسد في النفوس.

7- الرغبة في إحياء البدع والخرافات، وميل كثير من النفوس إليها.

8- تقديس العقل وتقديمه على النقل.

9- بث الدعايات المنفرة عن الاعتقاد الصحيح الموافق للكتاب والسنة الذي يُمثله السلف الصالح.

10- وجود تأثيرات خارجية.

أما بالنسبة للسبب الأول وهو وجود العلماء الذين انحرفت عقائدهم؛ فمما لا يكاد يجهله طالب العلم أن أكثر العقبات التي تواجه الداعية إلى الله هم هؤلاء الأصناف الذين تمكنوا من استجلاب العامة، وجذبهم إليهم، حتى أصبحوا يقدسونهم، ويرون أن لا علم إلا ما كان لديهم، ولا حق إلا ما سلكوه، وحذروا من الالتقاء معه في أي شيء، ولنا في ضحايا علماء البريلوية، وعلماء الصوفية، وعلماء الباطنية وغيرهم-أمثلة قريبة على تثبيت وإحكام الفرقة بين المسلمين.
ومن الغريب في الأمر أن البينات التي هي أقوى شيء لقطع النزاع، وانتهاء الاختلافات صارت البينات هي التي قام عليها محور الاختلاف كما ذكر الله ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) ، وقال تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة) .
ومن المعلوم أن أصحاب هذا الاختلاف بعد وجود البينات.. إنما هم علماء السوء الذين يظهرون منها ما يوافقهم ويخفون منها ما لم يتفق وهواهم.
وفتنة هؤلاء من أعظم الفتن حيث أضلوا الناس بغير علم ولا هدى، ومن حيث كان أتباعهم يتوقعون منهم معرفة الحق والوصول إليه، فصار هؤلاء العلماء يحرمون ما يشاءون ويحللون ما يشاءون، ويفتون بما يريدون، ثم جعلوا أتباعهم وراء ستار كثيف من الجهل والنفور عن الآخرين؛ لئلا يكتشف جهلهم.
وجرت الرياح بما تشتهي سفنهم ووجدت لهم عوامل كثيرة ساعدتهم وقوَّت من عزائمهم فأبعدوا الهوة بينهم وبين الوصول إلى الحق واجتماع الكلمة عليه، وقد حذرنا من لا ينطق عن الهوى سوء فعل هؤلاء حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)) .
وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم:- ((أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن)) .
أما بالنسبة للسبب الثاني وهو غلبة الجهل وفشوه بين أوساط عوام المسلمين، فقد مرت بالمسلمين في عصورهم المختلفة فترات حلّ فيها الجهل واستحكمت الخرافات في النفوس محل العلم والاعتقاد الصحيح فضعف نور الإيمان في نفوس هؤلاء، وقلَّ وجود علماء متكاتفين متعاونين على إظهار وقمع الباطل؛ فانتشرت الخرافات وقوي أمر التحزب الباطل والفرقة الممقوتة.
وقد عاب الله تعالى في كتابه الكريم الجهل وأخبر أن سبب ترك الناس لدين الله وتفرقهم فيه إنما هو الجهل.
قال تعالى في شأن موسى وقومه حين وصل بهم الجهل إلى أن طلبوا من موسى أن بنصب لهم إلهاً: (قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) .
وآيات أخرى كثيرة في القرآن الكريم فيها ذم الجهل والدعوة إلى العلم والمعرفة.
وكذا في السنة النبوية أحاديث كثيرة في ذم الجهل والتحذير من قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضوا وأضلوا)) .
وقد نشأ عن الجهل الغلو في تعظيم بعض المخلوقين تعظيماً خارجاً عن هدي الإسلام، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- عن نوع من أنواع أسباب الاختلاف بين المسلمين وتفرقهم وهو الغلو.. قال: ((ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلاّل المتعبدة والمتصوفة..حتى خالط كثيراً منهم من مذاهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى، أو مثله، أو دونه)).
وقال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) الآية. وفسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه بأنهم: ((أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم)) وكثير من أتباع المستعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمره به، وإن تضمن تحليل حرام، أو تحريم حلال .
وقد دخل رجل على ربيعة بن عبد الرحمن فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم.. ثم قال ربيعة في شأن الجهال حين يتزعمون الناس، ويخرجونهم بفتاواهم عن الحق ..قال: ((ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق)) .
وأما عدم فهم النصوص فهماً سليماً فقد أدى ذلك إلى نتائج سيئة، حيث أخذت كل فرقة تؤول النصوص لصالحها، وتقوية ما تذهب إليه من أفكار وآراء، ومصداق ذلك أنك ترى النص الواحد من الكتاب أو من السنة يفسر بعدة أفكار، متعارضة في بعض الأحيان حسب ما تذهب إليه كل طائفة.
وصار بعضهم يعيب البعض الآخر، وذموا أهل السنة، وسخروا من مفاهيمهم، وفرحوا بما عندهم من تلك التأويلات الملفقة، وصار حال أهل السنة معهم كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
وكان لهذه المواقف نتائج ظاهرة هي تفرق الأمة الإسلامية وظهورهم طوائف، كل طائفة لا تلوي على أخرى بعد أن تحجرت العقول وجمد كل ذي رأي على رأيه، وقدم فهمه على مفاهيم من هو أفقه منه، واستنكف أن يرجع عما تقرر في ذهنه، وهي قضية طالما وقفت حجر عثرة في طريق الدعوة إلى الإصلاح واجتماع الكلمة قديماً وحديثاً.
وأما موافقة الخلاف لهوى في النفوس فإنه أمر خطير بل هو من أشد الأمور التي تفرق بسببها المسلمون قديماً وحديثاً، وبالاسترسال مع الهوى أقصى العقل وأهملت الشرائع وأخرجت النصوص عن مدلولاتها وقامت البدع وانتشرت الخرافات، بل وسفكت الدماء أحياناً كثيرة، وهو الذي حال بين كثير من البشر وأنبيائهم.
والنصوص من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في ذم الهوى لا تخفى على أي مسلم من عوام المسلمين فضلاً عن طلاب العلم، لقد أخبر الله تعالى أن الهوى أحيانا يحل في بعض النفوس محل الإله فقال تعالى : (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) .وأخبر تعالى أن الهوى هو الذي حال بين الأنبياء وأممهم، إذ لم يستفيدوا من أنبيائهم لاستكبارهم الذي أملاه عليهم هواهم قال تعالى: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم) .
وآيات أخرى كثيرة في ذم اتباع الهوى وعواقبه الوخيمة.
وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه: ((وثلاث مهلكات: هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه)) .
وعن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد ذكره حديث افتراق الأمة:
((وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب لصاحبه))، وقال عمرو: ((الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) .
وأما تدخل سلطان العصبية البغيضة فكان إحدى المعاول الهدامة لوحدة الأمة الإسلامية ؛ حيث غطت على أبصار وقلوب أتباعها فحجبتهم عن النظر إلى الآخرين بعين الأخوة والترابط العام ومحاولة تألف القلوب وجمع الكلمة.
فأخذت كل طائفة تمجد أفكارها، وتتحزب حولها، وتشنع على الآخرين، فكم سفكت بسببها من الدماء وكم خربت من مدن عامرة وكم خرج بسببها عن الدين من بشر، وقديماً قالت ربيعة عن الكذاب مسيلمة: ((كذاب ربيعة خير من صادق مضر)) ؛ لأن سلطان العصبية لا عقل عنده، والتعصب كما يقول بعض العلماء: ((ظاهرة ذميمة لا يؤدي إلا إلى التفرقة والتعادي...وثمرة التعصب الاختلاف والفرقة والتباغض)) .
وليس هذا فحسب؛ بل إنه المستنقع الخصب لانتشار أوبئة البدع على اختلاف أنواعها، وما تؤدي إليه من تعظيم الآباء والمشايخ، وتقديم أفكارهم على النصوص الشرعية من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، معرضين عن قول الله عز وجل: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) .
وقال تعالى حاكياً عن حالهم وهم في النار: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا) .
وهذه الطاعة الناشئة عن التعصب هي التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة ، قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه)) .
وإذا وصل الحال إلى هذا الحد فكيف تتفق الكلمة وكيف يحصل الاتحاد بين المسلمين وتنتهي الفرقة البغيضة.
وأما استحكام قوة الحسد في النفوس. فهذا هو الداء العضال الذي يأكل الأخضر واليابس ويفرق الكلمة ويجعل المسلمين شيعاً وأحزاباً متباغضة، هذا العامل متمم لعامل العصبية البغيضة، وقد ابتلي به كثير من أصحاب النفوس المريضة والقلوب الغافلة؛ حيث أوجد لدى هؤلاء النفور التام والاستكبار الممقوت عن قبول الحق وتجاوز الخلافات التي تحصل بين الناس.
وهؤلاء ماضون على طريقة أول الحاسدين لبني آدم وهو إبليس؛ حيث قال فيما أخبرنا عنه: (قال أأسجد لمن خلقت طيناً) وقوله: (قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ) .
إن أول نتائج الحسد استحكام الفرقة بين المسلمين وبغي بعضهم على بعض وظهور العداوة والبغضاء، وغير ذلك من المفاسد التي لا يعلمها إلا الله.
وقد قال نبي الهدى صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من الأدواء المهلكة: ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب- أو قال-: العشب)) وفي رواية أخرى ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) الحديث.
وفي التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة على مدى الضرر الذي لحق بوحدة الأمة الإسلامية من جراء الحسد قديماً وحديثاً، فقد ورد عن بعض العلماء أن ما حصل بين ربيعة ومضر في الزمن القديم من العداوة والحروب إنما كان ناشئاً عن الحسد لمضر؛ لمكان النبوة فيهم، ومن هنا قال المأمون فيما يذكر عنه: ((لو خرج اثنان ثائران لكان أحدهما من ربيعة)) ، وتقدم قول أهل العصبية السخيفة: ((كذاب ربيعة خير من صادق مضر)).
وأما عامل حب البدع والخرافات وميل أكثر النفوس إليها، فمما هو واضح أن الابتداع في الدين وإحياء الأمور البدعية التي ما أنزل الله بها من سلطان، ثم التصميم على تنفيذ تلك البدع –كان من أعظم الأسباب في تفرق كلمة المسلمين ونفور بعضهم من بعض كما أنه كان من أعظم العوامل التي أبعدت الكثير من الناس عن تفهم العقيدة الحنيفية، وأخرجتهم إلى حمأة الجهل والتعلق بالخرافات واعتبارها من الدين.
فكان لحب البدع وإحيائها أكبر الأثر في قيام كثير من الحركات والفرق على امتداد تاريخ الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمننا الحاضر.
وكأن لسان حال هؤلاء يقول لا حاجة بنا إلى الشرع الذي لا يوافق ما نريد فشرعوا لأنفسهم ما شاءوا من الزيادة والنقص في دينهم؛ فاختلط الأمر على كثير من الناس، التفريق بين الشرع الذي جاء به المرسلون وبين التشريع الذي أحدثه أصحاب البدع ورؤوس الفرق، فأصبح التفرق بين المسلمين بعد ذلك نتيجة حتمية؛ فإن النفوس إذا لم تشتغل بالحق اشتغلت بالباطل.
ولم يهتم أصحاب تلك البدع بتفهم ما ورد في القرآن الكريم من الدعوة إلى التزام الشرع الحنيف، والابتعاد عن كل ما يضاد منهج الله وصراطه المستقيم، والتمسك بعه وحده كما قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه لا تتبعوا السُّبُل فتفرق بكم عن سبيله) .
وقوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيءٍ) كما لم يهتم أولئك بنصح نبيهم لهم وتحذيره إياهم من الوقوع في البدع التي تحيط الأعمال وتسبب لأصحابها الوبال في الدنيا والآخرة.
قال صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد)) . وهذا تحذير شديد وترهيب خطير، وأخطر منه أن ضرر صاحب البدعة قد لا يقتصر عليه وحده , فهو يضر نفسه ويضر غيره ، ويتحمل إثم نفسه وإثم غيره ممن تسبب في إغاوئهم، وهو ما يفسره قوله صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئاً)) .
وأما عامل تقديس العقل وتقديمه على النقل فإنه سيأتي الكلام عنه إن شاء الله في آخر هذه الدراسة بمزيد من الإيضاح.
واعتبار هذا العامل من الأسباب المفرقة لصفوف المسلمين من الوضوح بمكان، فإن المعتزلة ومن تبعهم حينما قدسوا العقل وقدموه على النقل، واعتبروه المرجع الأول والأخير والحكم الفصل في كل قضايا الدين، فتحوا بهذا الموقف فتنة وتفريق بين المسلمين، لم يستطع أحد إغلاقه إلى يومنا الحاضر.
إن العقل له حدود إذا تجاوزها الشخص خرج عن الحق من حيث يطلبه، سنة الله في خلقه، وصارت نعمة العقل العظيمة آفة في حق صاحبها حين تجاوز حدوده.
ويعود تمجيد العقل وتقديسه إلى ما أحدثته ترجمة الكتب اليونانية وظهور عل الكلام المذموم والفلسفة والمنطق واحتدام الخصام بين الطوائف الإسلامية في تطبيق هذه الأفكار المخالفة للشريعة الإسلامية، وانقسام المسلمين بعد ذلك بين مؤيد ومخالف ومحتال للتوفيق بين هذه الأفكار والشريعة الإسلامية، فازداد الخرق على الواقع، وظهر شر كثير فقيَّض الله من عباده من وقف في طريق هؤلاء وأزال الشبهة .
وأما بالنسبة لموقف المخالفين للسلف من التهجم عليهم وبث الدعايات الكاذبة عنهم، وإغراء بعض المسلمين بالنفرة عن البعض الآخر؛ فإن موقف السلف كما هو معروف من سلوكهم لا يحبون الغمز واللمز واللغو الباطل وإلصاق التهم بالآخرين ظلماً وعدواناً؛ لأنهم على خلق وأدب إسلامي يمنعهم من ذلك، يتمثلون قول الله تعالى: (ولا بجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) .
بخلاف المواقف الشائنة للمخالفين لهم من أهل الضلال والتفرق الممقوت، فإنهم لا يبالون ما قالوه من السباب وكيل التهم وقذف الألقاب الظالمة عليهم جزافاً، والغرض من كل ذلك هو التنفير عنهم وعن عقيدتهم السلفية، والنتيجة من كل ذلك زيادة إحكام التفرق وتعميقه بين المسلمين.
فمن الأوصاف الظالمة التي أطلقها هؤلاء على أصحاب العقيدة السلفية- وصفهم بالمشبهة والحشوية والمجسمة والنابتة والنواصب، وغير ذلك من الألقاب التي أطلقها هؤلاء على أهل السنة؛ ليتم لهم تنفير الناس عنهم، كما كان الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يطلقون عليه ألقاباً كاذبة، بقصد التنفير عنه فوصفوه بأنه شاعر وكاهن ومجنون وصابئ وساحر، وسموه مذمماً، وهو أفضل الخلق وسيد الأولين والآخرين.
وكبار الفرق الذين بثوا الدعاية السيئة والألقاب الشنيعة على السلف هم الخوارج والمعتزلة والروافض والجهمية والقدرية والأشاعرة والماتريدية والصوفية، وكل طائفة من هذه الطوائف أطلقت ما حلا لها من الألقاب الظالمة على أهل السنة فسموهم مجسمة وحشوية ونابتة ...إلخ.
وفي كل طائفة من هذه الطوائف علماء ومجادلون هم وراء كل تلك التشنيعات.
وما أبعد هؤلاء عن امتثال قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى
أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) .
((إن كل فرقة من تلك الفرق قد ألبست الحق بالباطل فأخرجت للناس بدعها وضلالها تحت لافتات إسلامية، وفي قوالب إسلامية، ليغتر بها العامة فيتبعوهم معتقدين أنهم على الكتاب والسنة مقيمون، ولمذهب السلف الصالح متبعون)) .
وأما ما قيل عن وجود تأثيرات خارجية أسهمت هي الأخرى في تفرق كلمة المسلمين فقد وقع ذلك بالفعل. وهذه التأثيرات تكمن في الأمور التالية:
أ- في اختلاط المسلمين بغيرهم، ودخول غير المسلمين في الإسلام، وإصرارهم- متعمدين وغير متعمدين- على التمسك ببعض الأفكار التي كانوا عليها قبل دخلوهم في الإسلام، ومحاولتهم تغطية تلك الأفكار بغطاء إسلامي، على طريقتهم الخاصة؛ فنتج عن ذلك نشوة جماعات تتمسك به وتعادي من يخالفها، وبالتالي تكونت هذه الجماعات في شكل فرق إسلامية فيما بعد.
ب- وجود حركة ثقافية، وترجمات لكتب عديدة تحتوي على أمور جديدة غريبة أخذت حيزاً من تفكير المسلمين، وتنمية الخلاف بينهم قديما كما فعله المأمون، وحديثاً هذه الحركة القوية لترجمة كتب الملاحدة والماديين.
ج- تأثر بعض المسلمين بغيرهم من أهل الديانات السابقة بعد أن عايشوهم، كما ظهر ذلك في بعض المعتقدات التي تبنتها جماعات تدعي الإسلام، وكان أساس تلك المعتقدات إما فارسي، وإما هندي، وإما نصراني، وإما يهودي تأثر بهم المسلمون بحكم الاختلاط والتقارب.
د- وأيضاً ما قد يواجهه المسلمون من ضغوط ينتج عنها – على الزمن البعيد- جيل من المسلمين ينظر إلى تلك الأمور على أنها حقائق وعقيدة صحيحة للآباء والأجداد. ومن هنا ينشأ المزيد من التفرق بين المسلمين.
هـ - دخول كثير من الناس في الإسلام ظاهراً، وهم يبيتون النية لهدمه وزعزعته في صدور أهله! وأكثر هذا الصنف هم اليهود والنصارى. وقد ظهر تأثير هؤلاء على المسلمين بوضوح في آراء كثير من الفرق التي تنتمي إلى الإسلام مثل آراء الروافض الغلاة والجهمية والمعتزلة والنصيرية، وغير هؤلاء ممن ظهرت الأفكار الأجنبية واضحة في معتقداتهم، وقد نبه علماء الإسلام على هذه القضية وأولوها عنايتهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن تأثير المسلمين بغيرهم من الأمم خصوصاً فارس والروم: ((وأما مشابهة فارس والروم فقد دخل منه في هذه الأمم من الآثار الرومية قولاً وعملاً، والآثار الفارسية قولا وعملا ما لا خفاء فيه على مؤمن عليم بدين الإسلام وبما حدث فيه)) ,
ويقول ابن حزم رحمه الله: (( والأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام؛ أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء ، وكانوا يعدُّون سائر الناس عبيداً لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب- وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطراً- تعاظمهم الأمر وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الإسلام)) إلى آخر ما ذكر من مشاهير أولئك القوم وحيلهم في إخراج المسلمين عن دينهم.
ويقول طارق عبد الحكيم: ((وبعد أن تم الفتح الإسلامي لبلاد فارس، ودخل الفرس في دين الله أفواجاً، ولكن -بطبيعة الحال- لم يكن من السهل أن يعرف كل الفرس المسلمون الإسلام كما أراده الله عز وجل، فالأعداد المسلمة غفيرة، والعادات والأديان والأفكار القديمة متأصلة في النفوس، فكان أن ترعرعت نبتة الرفض البغيضة في تلك البلاد ، واستمدت أفكارها الرئيسية بشأن الإمام المعصوم، وآل بيته مما رسخ في الأذهان من قديم)).
وهو يشير هنا إلى ما قاله ضياء الدين الريس عن الفرس الذين دخلوا في الإسلام وأذهانهم مملوءة بمذاهبهم القديمة وحضارتهم البائدة..فقال: ((والفارسي لم يكن يستطيع أن يتصور أن يوجد خليفة بالانتخاب، وإنما المبدأ الوحيد الذي يمكن أن يفهمه هو مبدأ الوراثة..وليس من المبالغة إذا في شيء أن يقال: إن البيت النبوي وقد مثله ((أل عليّ)) قد حلَّ في قلوب هؤلاء الفرس واعتبارهم محل بيت ((آل ساسان)) .
وعن تأثر المسلمين بالفكر اليوناني قال طارق عبد الحكيم: ((زعم أن الأثر اليوناني قد ظهر كأشد ما يكون في فكر من يسمون بفلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا، وفي فكر المعتزلة - إلا أنه قد أثر في مناهج الفكر بشكل عام عند بقية الفرق، بل وعند بعض علماء أهل السنة الذين دافعوا عن علم الكلام الذي استقوه من المنهج المنطقي اليوناني، وقد تجلى ذلك في كتابات أئمة الأشاعرة)) .
وعن تأثرهم بالأفكار الهندية قال: ((وقد كان من أهم ما أثر به فكر الهنود في الفرق المبتدعة في الإسلام هي فكرة ((التناسخ))، فقد نشأت عدة فرق تقول بهذه الفكرة منها والسبئية من الروافض، كذلك تأثرت الصوفية بالهندوكية.
إلى أن قال: ((ومن الفرق التي تأثرت بالتناسخ النصيرية والدروز الذين يعتقدون أن مرتكبي الآثام يعودون إلى الدنيا يهوداً أو نصارى أو مسلمين سنيين)) .
وسيتضح كل ذلك إن شاء الله عند دراستنا لهذه الفرق.
أما أثر اليهودية في المسلمين فإنه يظهر من خلال شخصية عبد الله بن سبأ، والأحداث التي افتعلها، والأفكار التي روَّجها من القول بالرجعة والوصية وغيرها من الأفكار التي اخترعها.
ومن خلال شخصية لبيد بن الأعصم الذي كان يقول بخلق التوراة، فأخذ ذلك عنه ختنه طالوت، وأخذ عن طالوت أبان بن سمعان، وعنه الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان، ثم بشر المريسي الذي كان أصله يهودياً.
وكذا تأثير اليهود فيمن أخذ عنهم فكرة القول بالبداء على الله تعالى، وهي فكرة يهودية كفكرة الرجعة.
وعن تأثر المسلمين بالنصرانية يقول: ((فمن المفاهيم النصرانية التي تسربت إلى عقول طوائف من المسلمين، وأدى بهم إلى الصوفية هي نظرة النصارى إلى الدنيا، واحتقارهم الكامل لها في ظاهر الأمر)).
كذلك كان للمفاهيم النصرانية عن اللاهوت والناسوت والاتحاد بينهما أثر في تنمية وتشكيل مبدأ الحلول والاتحاد، الذي قال به متأخرو الصوفية كالحلاج وابن سبعين وابن عربي.
كذلك مفهوم الولاية بالمعنى الصوفي فإنها مذهب نصراني .
وأخيراً أقول بأن كلام العلماء حول قضية تأثر بعض المسلمين بالمفاهيم والحضارات الأخرى كثير، وإنما الغرض والتنبيه على وجود هذا الداء بين صفوف المسلمين بعد أن تراخت قبضتهم على دينهم بفعل تلك العوامل الكثيرة.
وسبب هذا التأثر هو أن الأفكار تتغلغل في النفوس وتنتشر، ثم تستحكم في أصحابها حين تجد عقولاً مفلسة وقلوباً غافلة، فتتمكن حينئذ- على حد ما قاله أحد الشعراء عن الهوى-:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
وهذا البعض من المسلمين إنما أوقعه في مثل هذه المزالق- بعده عن العلم وعن أهل العلم، ومثل هؤلاء إنما هم سهم الصائد الأول. ومن هنا نجد أن تلك الأفكار الخاطئة إنما تنشأ في المجتمعات الجاهلة لعدم وجود حصانة ضدها لديهم، ولجهل تلك المجتمعات أيضاً أسباب لا تخفى على طالب العلم.


إنتهى الباب الأول بحمد الله




روابط سريعة صور - برامج كاملة - بلوتوث -هبال وصرقعه - المجتمع والاسرة -افلام و مسلسلات رمضان - دردشة شات -موسوعة الطفل - الطب والصحه - مسجات - الثقافة الجنسية - العاب - دليل المواقع - ترددات القنوات - عالم الماسنجر - التداوي بالاعشاب - عالم حواء - تصاميم - طبخ رمضان, اكلات رمضانيه,مطبخ رمضان
   
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
قديم 08-09-2007, 02:18 AM   #2 (permalink)
 
الصورة الرمزية أبو خالد
افتراضي رد: موسوعة الملل والفرق

الباب الثاني

فرقة السلف أهل السنة

الفصل الأول ‏

تمهيد حول دراسة هذه الطائفة
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل الثاني الأخطار التي تحيط بأهل السنة والجماعة ‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل الثالث عقيدة فرقة أهل السنة والجماعة ‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل الرابع أسماء هذه الطائفة وألقابهم‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل الخامس ما هي عقيدة السلف وما هو منهجهم في مسائل الاعتقاد والاستدلال لها؟ وما ‏معنى كلمة عقيدة -----------------------------------------------------------------------‏‏--------- ‏
الفصل السادس أقوال السلف في وجوب التمسك بالسنة والحذر من البدع ‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل السابع لزوم السلف جماعة المسلمين وتحذيرهم من التفرق وأدلتهم على ذلك‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل الثامن الثناء على السلف رحمهم الله تعالى ‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل التاسع جهودهم في خدمة الإسلام ‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل العاشر بيان وسطية أهل السنة في مسائل الاعتقاد وسلامتهم من ضلالتي الإفراط ‏والتفريط ‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل الحادي عشر علامات وسمات الفرقة الناجية وعلامات وسمات الفرق الهالكة مزايا ‏العقيدة السلفية وأصحابها ‏
‏ -------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل الثاني عشر ذكر أشهر أئمة أهل السنة ومؤلفاتهم في العقيدة‏
‏ --------------------------------------------------------------------------------‏
‏ الفصل الثالث عشر تنبيهات مهمة على مسائل في العقيدة ‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

الفصل الأول

‏ تمهيد حول دراسة هذه الطائفة‏

من المعروف أن طلاب العلم خصوصاً في هذه المرحلة – الماجستير – عندهم إلمام جيد عن ‏هذه الفرقة إلا أنه قد يكون عند البعض إلمام غير مرتب في دراسة خاصة ومتوالية ومتسعة ‏للنقاش والمداولة في فصل الدراسة ومن هنا حصلت القناعة أنه يجب أن تكون دراسة هذه ‏الطائفة ضمن منهج السنة المنهجية لدارسي مرحلة الماجستير وأن تكون بمثابة التصفية ‏النهائية في دراستهم عن أهل السنة من حيث طرح اعتقاد أهل السنة بوضوح دراسة ومناقشة ‏واستنتاجات شفهية داخل الفصل من جميع الجوانب التي يحتاج إليها المسلم داعية أو مدرساً ‏أو غير ذلك والباحث كلما تعمق في دراسة عقيدة أهل السلف كلما ازداد علماً ومعرفة ومن أراد ‏العلم النافع فعليه ببذل الجهد فيها وفهمها.‏
‏ وأعتقد أنه من نافلة القول أن عقيدة السلف ما كانت في يوم من الأيام مشتملة على غموض ‏أو اضطراب يحتاج إلى توضيح ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان من ظهور علماء السوء ‏الذين أحاطوا كثيراً من التعاليم الإسلامية بشبهاتهم التي ورثوها عن مختلف الفلسفات ثم ‏أضرموا الخلاف فيها وقلبوا الأمور حتى ظهرت أنها في حاجة إلى الدراسة والبيان إذ فوجئ ‏السلف بالأمر الواقع فاحتاجوا إلى البيان والجدل وضرب الأمثلة لإعادة المسلمين إلى نبع ‏العقيدة الصافي وأخذ هذا المنحى جهداً ووقتاً كان الأولى أن يستغل في غيره لولا تلك الفتنة ‏الهوجاء التي شوشت أفكار كثير من المسلمين وبعد أن أدرجت هذه الطائفة ضمن مقرر أهل ‏السنة المنهجية بالدراسات العليا وأسند إلى تدريسها رغبت أن أثبتها ضمن ما سبق طباعته ‏من المقررات في كتاب فرق معاصرة قصد الفائدة إن شاء الله تعالى فإليك أخي القارئ خلاصة ‏تلك المناقشات والدراسة بإيجاز.‏
‏ أرجو أن تجد فيها ضالتك عن حقيقة فهم مذهب السلف إن شاء الله.‏


الفصل الثاني

‏ الأخطار التي تحيط بأهل السنة والجماعة‏

مما لا ريب فيه أن المسلمين عموماً تطبق عليهم خطط وتنفذ فيهم مؤامرات قد أحكم حبكها ولا ‏أظن القارئ في حاجة إلى ضرب الأمثلة على هذا الواقع فإن كل شيء يشهد بذلك من ‏الاستعمار الفعلي إلى الاستعمار الفكري إلى التفرق الحاصل بين المسلمين في نظرتهم إلى ‏الأخوة فيما بينهم وإلى ولاءاتهم المختلفة بل المتناقضة وإلى الطوق الغليظ الذي وضعوه في ‏أعناقهم من حيث يعلمون أو لا يعلمون وهنا أعتذر للقارئ الكريم عن المتابعة والاستفاضة في ‏دراسة جوانب التأثير الذميم النازل بأحوال المسلمين عموماً فقد كتب المصلحون والناصحون ‏والمفكرون ما يشفي ويكفي لو كان السامعون أحياء القلوب إلا أن أكثرهم أصبحوا كما قال ‏الشاعر :‏

‏ لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي ‏

‏ وتحقق ما نسب إلى الشافعي رحمه الله في قوله : ‏

‏ نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ‏

‏ نعم أعتذر عن الاسترسال في الكتابة عن هذا المجال فإن حديثه ذو شجون وأحداثه تكاد أن ‏تتكلم عن نفسها فالخطب جسيم والحمل عظيم وإذا لم يفق المسلمون اليوم فإن قوارع الدهر ‏وسنن الله في خلقه ستوقظهم عاجلاً أم آجلاً ولنتحسر مع القائل : ‏

‏ أمرتهمو أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد‏
‏ ‏
‏ نترك الكلام عن أحوال المسلمين وفرقهم وأحزابهم المتناحرة وولاءاتهم المتناقضة والإهانات ‏التي تواجههم في كل مكان وفي كل يوم على أيدي أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ‏والمجوس وسائر ملل الكفر والضلال الذين تداعوا على المسلمين كما تتداعى الأكلة على ‏قصعتها كما أخبر بذلك من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. ‏
‏ نترك هذا كله لنتجه بالنصيحة إلى البقية والصفوة من المسلمين الذين بقوا قابضين على ‏مفاهيم كتاب ربهم وسنة نبيهم إلى الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيبقون ‏ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله مهما كانت قلتهم ومهما ‏كانت حالهم الذين أدركوا أنهم تتهددهم في دينهم وفي دنياهم بل وفي وجودهم أخطار كثيرة ‏تتطلب جمع الكلمة وصدق المؤازرة ونشر النصيحة صافية نقية في جميع الجوانب وهي كثيرة ‏الجوانب جداً وما لا يدرك كله لا يترك كله فعسى أن يكون في التذكير بها فتح باب خير وعودة ‏وثبات إذ من السهولة العودة إلى ما كان عليه المسلمون في ماضيهم من العزة والمنعة حين ‏تكون النيات خالصة والقلوب متوجهة بصدق ومن تلك الأخطار التي بقيت للمسلمين ما أشير ‏إليه هنا بإيجاز سريع.‏

‏ 1- محاربة المسلمين في تمسكهم بكتاب ربهم تعالى. ‏
‏2- محاربة المسلمين في تمسكهم بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. ‏
‏3- محاولة دق إسفين بين الكتاب والسنة وذلك بدعواهم أنه يجب الأخذ فقط بالقرآن الكريم ‏دون السنة النبوية. ‏
‏ 4- بتشكيكهم في صلاحية تعاليم ديننا الإسلامي في هذا العصر بزعمهم. ‏
‏ 5- بث الدعايات ضد أهل السنة وتشويه ما هم عليه من المعتقدات الصحيحة. ‏
‏6- محاربتهم عن طريق تمجيد العقل وتقديسه وجعله مصدر التشريع. ‏
‏ 7- محاربتهم عن طريق التأويلات الفاسدة للنصوص لإبعادهم عن مدلولاتها. ‏
‏ 8- محاربتهم عن طريق الحرب النفسية وإدخال اليأس والوهن في قلوبهم. ‏
‏ 9- محاربتهم عن طريق تقوية بعضهم على بعض ليضربوا عصفورين بحجر : ‏
‏ 1- إضعافهم مادياً وبشرياً.‏
‏ 2- دوام حاجتهم إليهم.‏
‏ 10- إحياء البدع على أعلى المستويات بل ومحاولة إخضاع أهل الحق لها بالترهيب ‏والترغيب.‏
‏ 11- محاولة حصر مفهوم الإسلام وتعاليمه في القيام بالعبادة فقط دون أن يكون له أي شأن ‏في حياة الناس وسلوكهم وسموه في الجانب الروحي حتى ظن كثير من الناس أن أهل السنة ‏والمتمسكين بالدين لا يعرفون ما وراء المسجد شيئاً عن الحياة. ‏
‏ 12- إشغال أهل الحق بفتن مختلفة ونظريات باطلة بقصد صرفهم عن التوجه إلى نقد ‏المخالفين أو بقصد إشغالهم بالردود عليها. ‏
‏ 13- إشغالهم بدعوات التجديد في الدين أي بإحداث البدع وإحداث أمور في الشريعة الإسلامية ‏ما أنزل الله بها من سلطان خصوصاً وهذه الدعوات تصدر عن أناس يجهلون كثيراً من أحكام ‏الشريعة وحكمها. ‏
‏ 14- تأييد كل الدعوات الهدامة والمبادئ المنحرفة كدعوى النبوة ونسخ الشريعة الإسلامية ‏بها مع أنها قضية معلومة من الدين بالضرورة لا يجعلها مسلم سليم الفطرة والعقل وأوتي ولو ‏يسيراً من العلم فإن ختم النبوة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثبتت في القرآن الكريم وفي ‏السنة النبوية قال الله تعالى : {وخاتم النبيين} وفي أحاديث كثيرة يبين النبي صلى الله عليه ‏وسلم أنه آخر الأنبياء لا نبي بعده ومن ادعاها فهو كاذب مفترٍ على الله تعالى وثبت هذا في ‏قلب كل مسلم فجاء أهل الباطل بتأويلاتهم الفاسدة للنصوص وأفرغوها من مدلولاتها الحقيقية ‏وألبسوها معاني زور هي منها براء كزعمهم أن خاتم بمعنى أفضل أو خاتم الأنبياء المشرعين ‏أو أن خاتم بمعنى زينة كزينة الختم في الورق، لقد أفرغوا معنى ختم النبوة من معناه فذهبوا ‏يدعون أنهم أنبياء وأنه يجب على كل مسلم أن يؤمن بهم بعد أن شنعوا على أهل السنة ‏والجماعة وكفروهم لعدم انسياقهم مع هذه الضلالات المعلوم بطلانها من دين الإسلام ‏بالضرورة وشغل أهل السنة بمقارعتهم والردود عليهم وذهبت أوقات وجهود كان ينبغي أن ‏تستغل لرفع راية الإسلام خفاقة لو لا تكالب أعداء الإسلام ومخططاتهم الخطيرة ولكن الله متم ‏نوره ولو كره الكافرون {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وما حفظه الله فإنه لا يستطيع ‏أحد أن يضيعه. ‏
‏ ثم وضعوا أمام أهل السنة عراقيل كثيرة في حرب ضروس معهم تمثلت من ضمن ما تمثلت ‏فيه بث الفرقة وقيام الأحزاب التي قامت على الهوى والأنانيات البغيضة غير ملتفتين إلى ‏النصوص المتظافرة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بالتحذير من هذه ‏المسالك التي يعج بها العالم اليوم خصوصاً العالم الإسلامي الذين لا يريدون أن يتعظوا بغيرهم ‏بل يريدون أن يكونوا هم العظة وهو ما حصل بالفعل حينما اتبعوا سنن من كان قبلهم شبراً ‏بشبر وذراعاً بذراع حتى لو فكر أولئك في دخول جحر الضب لوجد من بعض المسلمين اليوم ‏من يريد ذلك وهذا يدل على الانهزامية الكاملة والانبهار بما عند الغرب أو الشرق من مغريات ‏الحياة الدنيا التي يعلمون ظاهراً منها وهم عن الآخرة هم غافلون مصداقاً لما أخبر الله به من ‏أنه سيريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يعلموا أنه الحق وأن ما هم عليه إنما هو ابتلاء ‏وإقامة للحجة عليهم وإلا فليسوا أقرب إلى رضاء الله من خلّص المؤمنين الذين لا يملكون تلك ‏المادة التي يملكها أعداء الإسلام مع أن الواقع يشهد بما عليه حال أهل السنة من ارتفاع الكلمة ‏والعزة حتى بين أظهر أعداء الإسلام فإن مساجدهم عامرة وشعائرهم قائمة قد حفظ الله بهم ‏دينه وأعلى بهم كلمته وذلك بدون شك أنه بسبب تمسكهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم وسيرهم ‏على ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وهو الطريق الذي يأمن سالكه من التفرقة ‏في السبل المتشابهة الكثيرة المؤدية إلى الضياع والهلاك والتمسك بهدى الصحابة رضوان الله ‏عليهم أولئك الذين امتازوا بالذكاء ورجاحة العقل والأخذ من فم النبي صلى الله عليه وسلم أو ‏لم يسمع منه مهما كان صلاحه ورجاحة عقله أولئك هم الجماعة وهم الذين بشرهم نبيهم بأنهم ‏ومن يتبعهم سيبقون ظاهرين على الحق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإذا كانت دراستنا ‏ومناقشاتنا في هذه القاعة تخص فريقاً من أكرم الناس وهم أهل السنة والجماعة فلنبدأ ‏بالتعريف بهم وإجلاء حقيقتهم وحقيقة مبادئهم والأدلة على ذلك.‏


الفصل الثالث

عقيدة فرقة أهل السنة والجماعة‏

لقد ألف العلماء في بيان العقيدة السلفية المؤلفات الواسعة ملئت بها المكتبات الإسلامية بين ‏مطولات ومتوسطات ومختصرات مطبوعات ومخطوطات. ومن العجيب أنه على كثرة ما كتب ‏في ذلك فلا يزال الكثير من الناس يجهلون عقيدة هذه الطائفة ويجهلون كثيراً من مبادئها ‏لأسباب كثيرة حسب ما يظهر لي : ‏

‏ 1- بسب انصراف الناس عن مدارستها بجد.‏
‏ 2- لعدم وجود من يقدمها للناس في أماكن تجمعاتهم وبالصورة المرضية. ‏
‏3- لقوة الدعايات ضد السلف وضد كتبهم.‏
‏ 4- لعدم تمكينهم وتمكين كتبهم من الانتشار في كثير من بلدان المسلمين لوقوف أعداء ‏السلفية ضدها. ‏

‏ ومهما وصل الشخص في علمه بها فإنه دائماً في حاجة إلى تجديد معلوماته ولهذا كلما قرأ ‏الشخص عنها وفي كتب أصحابها ازداد معرفة واكتسب علماً جديداً وربما يعود هذا إلى كثرة ‏ما كتب عنها وكثرة الأساليب المستخدمة في الكتابة عنها وسعة مفاهيم كتابها وكثرة ردودهم ‏على أهل الباطل المناوئين لهم ودحض كل شبهة توجه لهم ولهذا فإن أهل السنة وعلومهم مثل ‏الجداول وينابيع المياه العذبة متجددة على الدوام ولنا في شهادة المصطفى صلى الله عليه ‏وسلم أكبر شاهد ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.‏
‏ كما أن فرقة السلف أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وهم خير ‏الفرق وأزكاها ولا تقارن بهم أي فرقة أخرى مهما بلغت في انتسابها إلى الكتاب والسنة.‏
‏ فقد اتضح منهاجهم القويم وشهد لهم النبي العظيم صلى الله عليه وسلم بأنهم على الحق ‏والهدى وأنه لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على الحق وهي فرقة قائمة بذاتها لا ‏تعلق لها بالفرق الأخرى وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ظاهرين لا يضرهم من ‏خذلهم أو خالفهم كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم وإنما نذكر ههنا في هذه العجالة ‏على حد ما قيل (وبضدها تتميز الأشياء) كما أن معرفة هذه الطائفة وفهم مبادئها حق الفهم هو ‏العلم والخير كله وبهذه المعرفة يستطيع المسلم الدفاع عن دينه ومبادئه ورد شبهات المبطلين ‏وتفنيدها. فإن من حق معرفة طريقة السلف أهل السنة والجماعة فقد أمن العثار وسار في ‏طري الأبرار. ‏
‏ ولقد كنت في بداية تدريسي لهذه المادة أرى أنه يجب أن يرفع قدر أهل السنة أن يدرسوا ‏ضمن الفرق الأخرى المنحرفة لأنهم هم الأساس وهم الدعامة القوية لحفظ السنة وليس فرقة ‏طارئة كسائر الفرق ولكن حصلت القناعة بعد ذلك لإبرازها بالدراسة فقد ذكرهم الرسول صلى ‏الله عليه وسلم بلفظ فرقة وطائفة ولا يضيرهم أن يذكروا مع ذكر الفرق المخالفة للحق بل إن ‏ذكرهم يعتبر من إقامة الحجة على كل مخالف. ‏


الفصل الرابع

‏ أسماء هذه الطائفة وألقابهم‏


‏1- الألقاب الصحيحة‏
‏ ‏‎ 2‎‏ – الأسماء والألقاب الباطلة التي ينبز بها أهل الباطل أهل الحق من السلف الصالح ‏

‎1‎‏- الألقاب الصحيحة أطلقت على أهل السنة أسماء وألقاب صحيحة تدل على حالهم وتطابق ‏معتقداتهم هي كالرحيق بالنسبة لكل مؤمن صحيح العقيدة وكالشجى في حلق كل مبتدع مخرف ‏وهي أسماء مشرقة أخذت من أوصافهم التي وردت على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم ‏ومن أحوالهم وسلوكهم. فمن شكك فيها أو ردها فإنما ذلك لمرض في قلبه وعقيدة باطلة في ‏نفسه كما هو شأن أهل الباطل في مقاومتهم دائماً للحق وأهله والتشنيع عليهم وذكرهم ‏بالألقاب والأسماء المنفرة الكاذبة. وأسماء السلف الصحيحة التي أطلقت عليهم هي :‏
‏ 1- أهل السنة والجماعة.‏
‏ 2- السلف الصالح.‏
‏ 3- الفرقة الناجية.‏
‏ 4- أهل الحديث والسنة.‏
‏ 5- أهل الأثر.‏
‏ 6- الطائفة المنصورة. وفي ما يلي بيان هذه الأسماء وبيان أحقية السلف بإطلاقها عليهم. ‏

‎1‎‏- أهل السنة والجماعة ‏
‏ أ – التعريف بأهل السنة : ‏

‏ ‏‎1‎‏- معناها في اللغة:‏
‏ معنى السنة في اللغة هي الطريقة أو الطرق الواضحة والسلوك الطيب قال الجوهري : ‏‏"السنن الطريقة يقال استقام فلان على سنن واحدة" أي على طريقة واحدة. وقال ابن الأثير ‏مبيّناً المعنى اللغوي ومتعرضاً كذلك للمعنى الاصطلاحي في مادة "سنن" "قد تكرر في الحديث ‏ذكر السنة وما تصرف منها والأصل فيها الطريقة والسيرة وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد ‏بها ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً مما لم ينطق به ‏الكتاب العزيز ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي القرآن والحديث" .‏
‏ وبما ذكر وغيره يتضح أن معنى السنة في اللغة هي الطريقة أو الطريق وقد ورد في الحديث ‏ما يؤيد ما سبق في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث وفد مضر "من سن في الإسلام سنة ‏حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في ‏الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من ‏أوزارهم شيء" .‏
‏ وقد دل الحديث على أن السنة تنقسم إلى قسمين إما أن تكون سنة حسنة أو تكون سنة سيئة ‏ولكل واحدة جزاؤها العادل.‏

‏2– معناها في الاصطلاح :‏

‏ تطلق تسمية السنة على كل ما جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله ‏وتقريراته ويطلق على المتمسكين بها أهل السنة وهي تسمية مدح لهم كما يطلق على ‏المخالفين لها أهل البدعة تسمية ذم لهم.‏
‏ ومن كرامة الله لأهل السنة هدايته لهم إلى الانتساب إليها دون غيرها كما هو حال أهل الطرق ‏البدعية فلم ينتسبوا إلى رأي ولا إلى شخص ولا إلى بلد أو قوم أو غير ذلك وهي مزية فيهم ‏قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أما أهل الطرق البدعية فما أكثر انتسابهم إلى ‏مشائخهم أو آرائهم أو بلداتهم وغير ذلك.‏
‏ ولهذا تجد أن الكثير من تلك التسميات والآراء لهم بل والأشخاص المتزعمين لهم يضمحلون ‏ويندثرون مهما بلغوا من القوة والتمكين ومهما تطول بهم المدة قال الراغب "سنة النبي صلى ‏الله عليه وسلم التي كان يتحراها" ومن الملاحظ أنه مع اتفاق كل المسلمين على هذا المفهوم ‏للسنة فقد وقع بعض التفاوت في مفاهيم علماء كل فن. ‏
فالسنة عند المحدثين هي "ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو ‏صفة خلقية أو سيرة سواءً أكان قبل البعثة أو بعدها" بينما هي عند العلماء الذين يتتبعون ‏الأحكام الشرعية العامة كالأصوليين يقتصرون في التعريف بها على أنها "ما نقل عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير" وكالفقهاء الذين يبحثون عن حكم الشرع في ‏أفعال المكلفين من حيث الوجوب أو عدمه حيث فسروا السنة بأنها خلاف الواجب أي ما يثاب ‏العبد على فعله ولا يعاقب على تركه كفعل المستحبات أو تركها.‏

‏ ويتحصل من أقوال العلماء أن المراد بالسنة عند الإطلاق ما يلي :‏

‏ 1- يراد بها كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم .‏
‏ 2- يراد بها الحديث النبوي.‏
‏ 3- يراد بها العقيدة.‏
‏ 4- يراد بها التمسك بالكتاب والسنة وهدى الصحابة في كل الأمور سواء أكانت في الأمور ‏الاعتقادية أو أمور العبادات.‏
‏ 5- يراد بها ما يقابل البدع وأهل هذا القول – السلف – يفرقون بين السنة والحديث لأن السنة ‏ما يقابل البدعة والحديث ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد يكون الرجل محدثاً ‏ولكنه ليس بسني.‏
‏ ويفهم من هذه الإطلاقات عموماً أن السنة يراد بها ما كان في أمر الدين بدليل قوله تعالى في ‏الحث على التمسك بكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم "وما آتاكم الرسول فخذوه وما ‏نهاكم عنه فانتهوا" .‏
‏ وقوله تعالى : {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وغير ذلك من الآيات وبدليل قول النبي صلى ‏الله عليه وسلم : "فعليكم بسنتي" وقوله صلى الله عليه وسلم :"من عمل عملاً ليس عليه ‏أمرنا فهو رد" وقد أطلق على السلف أهل السنة لتمسكهم بها منذ عصر النبي صلى الله عليه ‏وسلم والصحابة ومن تبعهم بإحسان والقرآن الكريم والسنة النبوية في مجال الاعتقاد ‏والاستدلال لا فرق بينهما في وجوب العمل والتمسك بهما فهما وحيان إلا أن السنة النبوية ‏صدرت على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم من كلام الله عزّ وجلّ وهذا ‏هو اعتقاد أهل السنة كلهم المتمسكون بها حقيقة عدا من انحرف عنها من الطوائف التي ‏تنتسب إلى الإسلام . ‏

ب - معنى الجماعة ‏

تطلق الجماعة على الطائفة أو الفرق أو الأمة الذين يرتبطون بمنهج واحد وهدف واحد ولم ‏يتفرقوا في الاعتقاد والسلوك وتطلق تسمية أهل السنة والجماعة – وهو المراد – على السلف ‏الصالح من الصحابة وأتباعهم إلى يوم الدين كما تقدم – وأطلقها بعضهم على أهل الحديث ولا ‏ريب أن اقتران اسم أهل السنة بالجماعة يفيد مزية خاصة لأهل السنة إذ هم الجماعة التي حث ‏النبي صلى الله عليه وسلم على الانضمام إليهم والسير في منهجهم حينما أخبر عليه الصلاة ‏والسلام عن هلاك الطوائف إلا واحدة وهي الجماعة وهذا هو الحق والاعتقاد مهما كان من ‏الخلاف وإنما نذكر الخلاف فيما يلي تتمة للبيان .‏

الخلاف في المراد بالجماعة هذه
‏ ‏‎1‎‏- قيل الجماعة هم السواد الأعظم واختلف في المقصود بالسواد الأعظم فقيل هم كثرة الناس ‏وهذا مردود فلا يلزم أن تكون الجماعة التي معها الحق هم الكثرة دائماً والله تعالى يقول : ‏‏{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك} خصوصاً إذا فهم من السواد الأعظم العوام وغيرهم. ‏وقيل السواد الأعظم هم العلماء العاملون بالحق المتبعون للسنة حتى لو كان عالماً واحداً ‏وقوّى هذا القول كثير من العلماء فقد قيل :"وواحد كالأنف إن أمر عني".‏
‏ 1- أنهم العلماء المجتهدون في كل عصر إلا أنه يرد على هذا أنه ضيق موسعاً باشتراط ‏الوصول لرتبة الاجتهاد ثم إنه تعريف غير جامع ولا مانع فإن كل فن له علماؤه المجتهدون فيه ‏وعلماء السلف يدخلون دخولاً أولياً في عداد أهل السنة والجماعة الممدوحة.‏
‏ 2- أنهم خصوص الصحابة رضوان الله عليهم ولكنه قول غير راجح مع دخول الصحابة دخولاً ‏أولياً في الجماعة ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحكم على المسلمين بالهلاك ما عدا ‏الصحابة فقط ولقوله : "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".‏
‏ 3- أنهم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير واحد وجب على الجميع طاعته إلا أنه يرد ‏على هذا القول أن الحديث لم يرد في باب الإمارة وشأنها وإنما ورد في التحذير من التفرق.‏
‏ 4- أنهم جماعة على الحق أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم بتلك الصفات دون تعيين ‏لأسمائهم وبلدانهم وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.‏
‏ وهذا هو الذي يترجح – والله أعلم – ولأهل السنة والجماعة نصيب من صحة تلك الأقوال ‏كلها.‏
‎ -2‎السلف ‏
التعريف بالسلف في اللغة وفي الاصطلاح

‏ أ – في اللغة : "يقال سلف الرجل آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف" وقد استدل ‏الراغب لمجيء السلف على المتقدم بقوله تعالى : {فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين} وقوله ‏تعالى : {فله ما سلف} وقوله تعالى : {إلا ما قد سلف} .‏
‏ وقال ابن منظور ابن منظور : "قيل سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته ‏ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح" .‏
‏ وهذا التعريف اللغوي للسلف عام يشمل كل من سبق وتقدم على غيره وهو دون المعنى ‏الاصطلاحي للسلف في المفهوم الحقيقي لهم.‏
‏ والسلف الصالح قد تقدمونا وهم قدوتنا ولهذا فلا منافاة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي من ‏تلك الناحية إلا من حيث الخصوص والعموم كما سيتضح هذا عند ذكر التعريف الاصطلاحي لهم ‏فيما يلي :‏

‏ ب – التعريف الاصطلاحي : ‏
اختلف العلماء في المفهوم من إطلاق تسمية السلف على من تطلق وفي أي زمن أطلقت وهل ‏هذا الوصف باق يصح الانتساب إليه أم لا؟
‏ 1- ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن مفهوم السلف عند الإطلاق يراد به الصحابة الكرام ‏والتابعون لهم بإحسان وأتباع التابعين من أهل القرون الثلاثة الوارد ذكرهم في الحديث ومن ‏سلك سبيلهم من الخلف وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله ومن قال بقوله ويظهر ‏هذا في قوله : "مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من ‏الخلف" إلى آخر كلامه ولفظة أهل الحديث الواردة في كلام شيخ الإسلام يقصد بها عامة من ‏يتمسك بالسنة النبوية وليس المراد ما تعارف عليه الناس اليوم في التخصصات العلمية بدليل ‏قوله في معرض ثنائه على أئمة الحديث : "وإذا كان الأمر كذلك فأعلم الناس بذلك أخصهم ‏بالرسول وأعلمهم بأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته ومدخله ومخرجه وباطنه وظاهره ‏وأعلمهم بأصحابه وسيرته وأيامه وأعظمهم بحثاً عن ذلك وعن نقلته وأعظمهم تديناً به ‏واتباعاً له واقتداء به وهؤلاء هم أهل السنة والحديث حفظاً له ومعرفة بصحيحه وسقيمه ‏وفقهاً فيه وفهماً يؤتيه الله إياه في معانيه وإيماناً وتصديقاً وطاعة وانقياداً واقتداءاً واتباعاً مع ‏ما يقترن بذلك من قوة عقلهم وقياسهم ورأياً وأصدق الناس رؤياً وكشفاً".‏
‏ إلى أن يقول : "ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل ‏نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهراً وباطناً واتباعه باطناً وظاهراً وكذلك ‏أهل القرآن وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما ‏والعمل بما علموه من موجبها ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم" .‏
‏ وفي هذا البيان الطيب يتضح أن أهل الحديث هم الذين يعلمونه ويعملون به أما من علمه ولم ‏يعمل به فإنه ليس منهم بل لا فرق بينه وبين أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم ممن ‏برزت جهودهم في خدمة الحديث وأصحاب المعجم المفهرس أقوى مثال وهم بخلاف أهل ‏الحديث مع كثرة ما دونوه لتتم حجة الله عليهم.‏

‏ 2- وهناك من خصص لفظ السلف عند الإطلاق بالصحابة فقط.‏
‏ 3- ومنهم من خص لفظ السلف بالصحابة ومن تبعهم دون غيرهم.‏
‏ 4- ومنهم من خص السلف بالقرون الثلاثة فقط. ‏
ويتضح من هذه التعريفات أنه لا خلاف بين أحد من المسلمين أن الصحابة هم السلف الصالح ‏الأخيار الأبرار وأن أفضل الناس بعد الصحابة هم التابعون لهم بإحسان ثم أتباع التابعين ثم من ‏سار على نهج الجميع دون تقييد بزمن.‏
‏ وأما من خص السلف فقط بالصحابة أو التابعين أو أتباعهم فقط أو