ذكر الواقدي عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه نحو ذلك.
قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل، إذا أنا بنار تأججت فهبتها، وإذا برجل يخرج منها بسلسلة يجذبها يهيجه العطش، فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبي بن خلف.
وقد ثبت في الصحيحين كما تقدم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله)).
ورواه البخاري من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((اشتد غضب الله على من قتله رسول الله بيده في سبيل الله)).
وقال البخاري: وقال أبو الوليد: عن شعبة، عن ابن المنكدر، سمعت جابراً قال: لما قُتل أبي جعلت أبكي، وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهونني، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تبكه أو ما تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع)).
هكذا ذكر هذا الحديث ههنا معلقاً، وقد أسنده في الجنائز عن بندار، عن غندر بن شعبة.
وقال البخاري: حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف أتى بطعام وكان صائماً، فقال: قُتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كُفن في بردة إن غطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطِّي رجلاه بدا رأسه.
وأراه قال: وقتل حمزة، هو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى برد الطعام.
انفرد به البخاري.
وقال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن خباب بن الأرت قال:
هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنَّا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئاً، كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أُحد لم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: ((غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الأذخر)).
ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يهديها.
وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش به.
وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كان يوم أُحد هزم المشركون فصرخ إبليس لعنة الله عليه: أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي أبي.
قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه.
فقال حذيفة: يغفر الله لكم.
قال عروة: فوالله ما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي الله عز وجل.
قلت: كان سبب ذلك أن اليمان، وثابت بن وقش كانا في الأطام مع النساء لكبرهما وضعفهما فقالا: إنه لم يبق من آجالنا إلا ظمء حمار، فنزلا ليحضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين، فأما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ، وتصدق حذيفة بدِيَّة أبيه على المسلمين، ولم يعاتب أحداً منهم لظهور العذر في ذلك.
فصل رد رسول الله عين قتادة بن النعمان عندما سقطت يوم أحد.
قال ابن إسحاق: وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى سقطت على وجنته، فردَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما.
وفي الحديث عن جابر بن عبد الله أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها، فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى.
وروى الدارقطني بإسناد غريب عن مالك، عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن أخيه قتادة بن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد، فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما فعادتا تبرقان.
والمشهور الأول أنه أصيبت عينه الواحدة، ولهذا لما وفد ولده على عمر بن عبد العزيز قال له: من أنت ؟
فقال له مرتجلاً:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسنَ الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها * فيا حُسْنَها عيناً ويا حُسْنُ ما خدّ
فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك:
تلك المكارم لا قعبانِ من لبنٍ * شيباً بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا
قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد، فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة فقلت لها: يا خالة أخبريني خبرك.
فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين.
فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذبُّ عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي.
قالت: فرأيت على عاتقها جرحاً أجوف له غور، فقلت لها: أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة، أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا.
فاعترضت له أنا، ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان. (ج/ص: 4/ 39)
قال ابن إسحاق: وترس أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده.
قال ابن إسحاق: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم، فقال: فما يجلسكم؟
قالوا: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قُتل، وبه سمي أنس بن مالك.
فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه.
قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ، فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرج.
فصل في أول من عرف رسول الله بعد الهزيمة: كعب بن مالك.
قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة، وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما ذكر لي الزهري -كعب بن مالك.
قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أن أنصت.
قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين.
فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف، فذكر قتله عليه السلام أبياً كما تقدم.
قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف، كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد إن عندي العودَ - فرساً - أعلفه كل يوم فَرَقاً من ذرة، أقتلك عليه.
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل أنا أقتلك إن شاء الله)).
فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير، فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد.
فقالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إنْ بك بأس.
قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني، فمات عدو الله بسرَف وهم قافلون به إلى مكة. (ج/ص: 4/ 40)
قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك:
لقد ورِثَ الضلالة عن أبيه * أبي يوم بارزه الرسولُ
أتيتَ إليه تحملُ رِمَّ عَظْمٍ * وتُوعِده وأنت به جَهول
وقد قَتلتْ بنو النجّار منكم * أميةَ إذ يغوث: يا عقيل
وتَبَّ ابنا ربيعةَ إذ أطاعا * أبا جهلٍ لأمهما الهبول
وأفلتَ حارثٌ لما شُغلنا * بأسْرِ القوم، أُسرتِهِ قليل
وقال حسان بن ثابت أيضاً:
ألا مَن مبلغٌ عني أبيا * فقد ألقيت في سحق السعير
تمُني بالضلالة من بعيد * وتقُسِمُ إنّ قَدرتَ مع النُذور
تمنِّيكَ الأماني من بعيد * وقولُ الكفرِ يرجعُ في غرور
فقد لاقتك طعنةُ ذي حفاظٍ * كريمِ البيتِ ليس بذي فجور
له فضلٌ على الأحياء طُراً * إذا نابتْ مُلمّاتُ الأمور
قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته ماءً من المهراس، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب، منه فوجد له ريحاً فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: ((اشتد غضب الله على من دمى نبيه)).
وقد تقدم شواهد ذلك من الأحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية.