وحنظلة الذي يعرف بحنطلة الغسيل - لأنه غسلته الملائكة كما سيأتي - هو وأبو سفيان صخر بن حرب، فلما علاه حنظلة رآه شدَّاد بن الأوس، وهو الذي يقال له ابن شعوب، فضربه شدَّاد فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه)) فسُئلت صاحبته.
قال الواقدي: هي جميلة بنت أبي ابن سلول، وكانت عروساً عليه تلك الليلة. فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذلك غسلته الملائكة)). (ج/ص: 4/ 24)
وقد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره، وقال: ذنبان أصبتهما ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنتَ وصولاً للرحم، براً بالوالد.
قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.
وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأُتينا من خلفنا، وصرخ صارخ:
ألا إن محمداً قد قُتل، فانكفأنا وانكفأ القوم علينا، بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد منهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعاً حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به، وكان اللواء مع صؤاب غلام لبني أبي طلحة حبشي، وكان آخر من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه، حتى قتل عليه وهو يقول: اللهم هل أعزرت - يعني: اللهم هل أعذرت - فقال حسان بن ثابت في ذلك:
فَخَرْتم باللواءِ وشرُّ فخرٍ * لواءَ حين رُدَّ إلى صواب
جَعَلتُم فخركم فيه لعبدٍ * وإلام مَن يطا عُفْرَ التراب
ظننتم، والسفيهُ له ظنونٌ * وما إنْ ذاك من أمرِ الصواب
بأنَّ جلادنا يوم التقينا * بمكةَ بَيْعُكُم حُـمْرَ العِياب
أقرَّ العينَ أن عُصبتْ يداه * وما أن تُعصبَانِ على خِضَاب
وقال حسان أيضاً في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم:
إذا عضلٌ سيقت إلينا كأنها * جدايةُ شركٍ مُعْلَمات الحواجب
أقمنا لهم طعناً مبيراً منكِّلاً * وحزْناهُم الضرب من كل جانب
فلولا لواءُ الحارثيةِ أصبحوا * يُباعونَ في الأسواق بَيْعَ الجلائب
قال ابن إسحاق: فانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبَّ بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.
فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشجَّ في وجهه، فجعل يمسح الدم ويقول: ((كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله)) فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128].
قال ابن جرير في (تاريخه): حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه فأثقله، وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق طائفة فوق الجبل إلى الصخرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: ((إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله))
فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، فحماه طلحة فرُمي بسهم في يده فيبست يده، وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بل أنا أقتله، فقال: يا كذاب أين تفر؟
فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع، فجرح جرحاً خفيفاً، فوقع يخور خُوار الثور، فاحتملوه وقالوا: ليس بك جراحة فما يجزعك؟ قال: أليس قال لأقتلنك لو كانت تجتمع ربيعة ومضر لقتلهم، فلم يلبث إلا يوماً أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح.
وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان، يا قوم إن محمداً قد قُتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم.
فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شدَّ بسيفه فقاتل حتى قُتل.
وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه يرميه فقال: ((أنا رسول الله)) ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به.
فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح، وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله عز وجل في الذين قالوا إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} الآية.
فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه وهمهم أبو سفيان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض)).
ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم، فقال أبو سفيان يومئذ: أعل، هبل، حنظلة بحنظلة، ويوم أُحد بيوم بدر. وذكر تمام القصة. وهذا غريب جداً وفيه نكارة.
قال ابن هشام: وزعم رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد: أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن عبد الله بن قمئة جرح وجنته.
فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر، ليقع فيها المسلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله، حتى استوى قائماً، ومصَّ مالك بن سنان أبو أبي سعيد الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ازدرده فقال: ((من مس دمه دمي لم تمسسه النار)) قلت: وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع لشقه أغمى عليه، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح الدم عن وجهه فأفاق وهو يقول: ((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله)) فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء ...} الآية.
رواه ابن جرير وهو مرسل، وسيأتي بسط هذا في فصل وحده.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثني سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أُحد، قال: فأنكرنا ذلك فقال: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه}.
يقول ابن عباس: والحس القتل.
{حتى إذا فشلتم} إلى قوله: {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع.
ثم قال: ((احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا)).
فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين، أكب الرماة جميعاً فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا - وشبك بين أصابع يديه - والتبسوا.
فلما أخلَّ الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب بعضهم بعضاً فالتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة.