قصص و روايات و مذكرات خاصهقصص عربية , قصص أطفال , قصص غراميه , قصة قصيره , قصة طويلة , روايات , قصص واقعية , قصص من نسج الخيال , قصص موروثة , حكايات عربيه , قصص طريفه , قصص السيرة , قصص الأغبياء
قرأت في أحد المنتديات قصة اعجبتني فأحببت أن أنقلها لكم.
طلقني..طلب أصبح لا يفارق لسانها منذ فترة طويلة..طفلنا الصغير لم يتجاوز الرابعة إلا منذ شهر فقط..يتشبث بثيابها كلما غضبت مني وحزمت حقائبها للذهاب إلى منزل والدها..الأبناء ينتابهم صخب وهرج كلما رحلت..لا اعرف كيف امسك بزمام أمورهم..اضطر في نهاية الأمر الخضوع لأعيدها مرة أخرى..ولكنني ما عدت احتمل ذلك..لابد أن أضع حلا للأمر..
صرخت في وجهي ذات ليلة:طلقني..ما عدت أطيق كل هذه الأعباء..فجاء ردي سريعا:أنت طالق..وحالي يقول:أي أعباء تتحملين؟!منزل مريح و أبناء يضفون إلى حياتك بهجة،ووظيفة ليس بها سوى أعباء التدريس،أين أنت من مهامي و أعبائي؟!
حزمت حقائبها..دعوتها لتظل في البيت أخرج أنا..رفضت، أخذت الصغير معها..وما هي سوى أيام و أعادت والدتها الصغير إلي..استعنت بالخادمة في أول الأيام لتدبير شؤون الأبناء لحين عودتي من عملي..اعتقدت أن الخادمة المدبرة الأولى و الأخيرة لشؤون البيت فإذا بي أجد أنها من غير إرشادات زوجتي لا تعمل شيئا..استدعيت أختي الوحيدة..أتت و أولادها الأربعة إلى حين عودة زوجها من سفره..زاد البيت هرجا وفوضى..مضى شهر وعقلي مشتت بين البيت والعمل،تمنيت لو لم أتعجل باستدعاء أختي..مضت الأيام عصيبة،وحان موعد رحيلها..شكرتها على حسن صنيعها..المسكينة لم ينبها من الأمر كله سوى علة ارتفاع ضغط الدم.
عدت لحياتي مع ابن الرابعة والثامنة وابن التاسعة والسادسة..جمعتهم أمامي لأصدر الأوامر الصارمة ..شعرت حينها أنني أراهم أول مرة ..الشحوب قد بدا واضحا على ابنتي ..منذ أن عافتا الطعام بعد رحيل أمهما..ولكم سمعت نحيب الصغيرة حتى تقطع قلبي ألماً عليها..
أما الكبرى فالصمت يخيم عليها كلما تحدثت معها..
وابن الرابعة عدا عليلا لا يكاد ينهي زجاجة الدواء إلا و يبدأ بأخرى ..حفظ الطبيب ملامحه لكثرة تردده عليه ولا يعرف سببا لاعتلال صحته بهذه الطريقة ..اصمت عندما يسألني:هل يتغذى ابنك جيدا؟!
ابن الثامنة ..اه من ابن الثامنة أصبحت لا أعود من عملي إلا واجده في الطرقات يلعب مع الصبية حافي القدمين..
أسحبه كل يوم لألقي عليه دروسا..استغرب لم يكن يخرج عندما كانت أمه موجودة..ما سر التزامه بأوامرها ..ولم يعاندني في هذا المر بالذات! يا الله كم هي رثه ثيابهم، لم أرهم قط بهذا الشكل المزري..العيون مغبرة والشعر لم يتخلله مشط، جاء وقت العشاء دخلت إلى المطبخ ..احترق الخبز ..وشاط الشواء.. وانتهينا إلى الحليب ورقائق الذرة، منذ مدة ونحن على هذه الحال منذ رحلت أختي..
تركتهم ينامون بعد أن نال الجهد مني ومنهم، جلست على كرسي أمام مكتبها الخاص أفكر في كل هذه المسؤوليات.. أيعقل أنها كانت جميعا على كاهل زوجتي.. طهي الطعام و إعداده وترتيب البيت وتنسيقه، انتقاء ملابس الأطفال و استحمامهم و إلباسهم، و متابعة الطعام و قضاء احتياجاتهم، و أخذهم للتنزه و للمكتبة، صلة رحمها ورحمي، كل ذلك من جهة و الجمع بين عملها في المدرسة و تدريس الأبناء من جهة أخرى.
ها هي أوراق طالباتها كيف استطاعت أن تقوم بتدريس 30 طالبة في 6 فصول أي 180 طالبة وقمت بعمليه حسابية أحسست بدوار.. كل هذا الكم من الأوراق الامتحانية 600 ورقة في الشهر تقوم بتصحيحها والورقة الواحدة تحوي 5 أسئلة أي ثلاث آلاف سؤال ما أدقها! تصحح الخطأ بقلم احمر ثم تدون الصواب بجانبه لأول مرة أدرك كم هي دقيقة.. ألهذه الدرجة؟!
دفتر تحضيرها منظم جميل قلبت صفحاته، تحضيرها للدروس منجز بترتيب متقن، فتحت أدراج مكتبها الدرج الأول يحوي رسائل دونت على ظروفها كلمات رقيقة.. مدرستي الحبيبة.. يا أغلى المعلمات.. مدرستي و أختي الحنون.. وعبارات أخرى..
في الدرج الثاني بطاقات تهان لمناسبات مختلفة من أشخاص عدة.. طالباتها.. زميلاتها في العمل.. حتى مديرة المدرسة.. عبارات تقدير حب واحترام، أكل هذا العدد من الناس يحبونها؟!
تنسيق مكتبها الخاص انتقاؤها للكتب شي يفوق تصوري كيف كانت تجد وقتا للقراءة وسط كل هذا الجهد المضني؟! إنني حتى هذه اللحظة لم أكن أجد في نفسي عيبا يجعلها تطلب الطلاق بكل هذا الإصرار فانا هادئ الطبع لا أحب الحديث كثيرا, تركت لها سيادة البيت وتدبيره كيفما تشاء..
أحب كثيرا الخروج للرحلات بصحبة أصدقائي، عيبي الوحيد أني لا أحب الجلوس في البيت كثيرا وسط صخب الأطفال فانا أحب الهدوء..
لا لست أنانيا ولكني كنت اعتقد دائما أن ذلك ليس من اختصاصي وها أنا اجبر قسرا على أن اطعم هذا وارتب هندام ذاك أهدهد هذه وأدرس تلك وبالتناوب يتجاذبني الأبناء، اشعر أني مرهق وعاجز عن التفكير، أدركني الصباح وحان موعد ذهاب الأبناء إلى مدارسهم ..
أين كنت من كل هذا؟!!
أخرج إلى عملي منذ الساعة الثامنة صباحا لأعود في الثانية ظهرا منهكا فأجد طعامي معدا، أنام بعد تناول الغداء إلى ما بعد العصر، اختلي بعدها لتحضير بعض الأوراق الخاصة بالعمل ولا أرغب بأي تدخل أو إزعاج.
أشعر بعد ذلك أنه من حقي أن اخرج أرفه عن نفسي قليلا برفقة الأصدقاء.
أراها منكبة وسط الأبناء تضع اللقمة في فم الصغير..
وباليد اليسرى تصلح هندام الكبير..
وبأذنيها تسمع لقصيدة الحفظ المدرسية للبنت الكبرى..
وبعينيها تلاحظ هل تكتب الصغرى وظيفتها المدرسية أم أنها انتهزت فرصة انشغالها عنها.
اكتفي حينئذ بإلقاء التحية وتقبيل الصغار والرثاء لحالي..
جعلت من نفسي ضحية..
وها هي تتركني وتترك الأعباء كلها على حتى أني لا أجد فرصة لترتيب هندامي كما ينبغي.
لا أنكر أنها رغم كل ذلك كانت أنيقة تهتم بي وبنفسها..
حتى أصحابي ما عدت أجد فرصة للقائهم أو حتى الاتصال بهم..
والذي حيرني في كل أمري كيف أمكنها أن تفارق الأبناء طوال هذه المدة الطويلة، مضت الأيام متتالية دون أن اشعر أن العدة قد انقضت منذ أسبوع أحسست بألم يعتصر قلبي ما اصغر تفكيري، جهزت الأبناء، ذهبت إلى منزل أهلها و وجدت عندهم ضيوفا أصابني الحرج، استقبلتني والدتها ببرود وقالت:ما الذي أتى بك؟؟!اليوم تم عقد قران(أمل)صعقت، عدت حزينا احمل خيبتي ضاعت مني جوهرتي و إذ بي أهب من نومي فزعا على صوت الأبناء وهم يحيطون بي يقبلوني كعادتهم قبل الالتحاق بمدارسهم يوقظونني للالتحاق بعملي كما عودتهم هي ونظرت إليهم بكامل نظافتهم أناقتهم حتى ابن الروضة متأنق كذلك، اتجهت مسرعا إلى حيث مكتبها فتحت الدرج الأول يحوي ظروفا عليها كلمات رقيقة والدرج الثاني بطاقات وتهاني دفتر التحضير في مكانه تماما كما كان في الحلم قلبت صفحاته ذات التنسيق والدقة، مجموعة الأوراق الامتحانية على الرفوف العليا من مكتبتها الخاصة تصويب الخطأ بدقة باللون الأحمر الكتب المنوعة قصص قصيرة، مجلدات فقه السنة، الأساس في التفسير، موسوعة علمية سين جيم، ابتسمت و أنا أرى مجلات ميكي ضمن كتبها الخاصة، لحقت بي ونظرات الاستغراب تحيطني قلت: أمل اليوم خميس ما رأيك برحلة ليوم و ليلة بصحبة الأولاد، أجابت غير مصدقة: بل أتمنى ذلك.
هذه القصة إهداء لكل أم تجاهد في بيتها كي يكون بأفضل صورة. و رسالة لكل زوج أن يوفر القليل من وقته للمشاركة في حمل بعض الأعباء الملقاة على عاتق الأم. و لا تقل أيها الرجل أن كل الأزواج يتصرفون هكذا أو لا يفعلون هذا، بل كن متميزاً عنهم و تعاون مع زوجتك حتى يشار لك بالبنان "هذا رجل يتحمل مسؤولية بيته". ما أغلى هذا الوسام.
تقبلوا مني أفضل تحية.