رأيته مستندا على الجدار المحاذي لغرفتها كان أقرب ليكون تمثال من شمع لولا اهتزاز الورقة في يده أدركت من اسناد رأسه على الجداربهذه الطريقة التي توحي بفراغ رأسه من أي حل وذلك البريق الزجاجي في عينه وأحمرار أرنبة أنفه الشامخ إلى أعلى أن هناك خبر جلل يتوجب علي أن استوعب تبعاته، رغم أني قضيت البارحة أعد نفسي لهذة اللحظة إلا أني امتعضت وأنا أبتعد فقد بدأ لي وهو بهذا الطول الفارع كطفل كبير فضل أن يبكي بعيدا عن عيون الرفاق فهو من هؤلاء الذين قال الله فيهم ( إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ) إلى هنا فقط يتنهي فيه الوصف فهو شاب واعي يستطيع أن يخرج دموع الضحك من عينك لو أنه تبسم ينقلك إلى عالم المرح لو أنه تكلم فطالما غبطت تلك الشفاة التي يعلوها هذا الشنب المخطوط بعناية والذقن التي كأنها رسمت بدقة لتكون هنا بالضبط فهي تليق بهذا الوجة الوسيم !
تأملته لبرهة محاولة أن أترك له مساحة من الخصوصية
فأنا بحكم قربي منها أعلم منذ صمتها النهائي أنها لن تعود كان يقلقني حتى الحزن أنها لن تعود غير أني أعاني من هذا التبلد الذي لا يشي بعواطفي تجاهها ، الجميع يعلم أنها الركن الوحيد الباقي لي بعد غياب الوالد وأنا أولهم يدرك الفراغ الذي سأتوه فيه حتى الضياع !!
فهم لم يعرفوا ولن يدركوا بالعلاقة التي بيني وبينها والتي لاتشبة علاقة الصبايا بأمهاتهن فأنا كنت طفلتها التي تراها لن تكبر ولن يتيسر لها من الحظ أن تعيش كباقي أخواتها فانا أبنتها من زواج ثاني بعد أن رحل زوجهاالأول تاركا لها ولدين في غاية الوسامة والذكاء وابنتين في غاية الجمال والرقة الى جانب ضيق يد وشظف عيش و لكن لها من الجمال ما يغري الرجال بغض البصر عن حفنه الأطفال في التسابق لطلب يدها .
إلى جانب الآسم القبلي الذي تفاخر به دوما أدرك أبي الذي أفنى شبابه في جمع المال والمحافظة عليه أن القطار أوشك أن يمر ولم يبقى لديه ما يغري النساء به غير هذا المال ! فهو لا يتمتع بأدنى ذرة من الوسامة أوكرم المحتد فأصله المتواضع في مجتمع يفاخر بالأنساب يوصد في وجهه مجرد التفكير في الاقتراب من العائلات المعروفه ولكن هذة وضعها مختلف فربما قبلت بماله
وقبل هو بالباقي من صباها ومكانتها في المجتمع
تقدم إليها طامعا في موافقتها مقدما كل ما يستطيع ان يغريها بالموافقة
وأقنعها أبوها أن عليها أن توافق من أجل الصغار فالرجل
لم يشترط كالأخرين عدم اصطحاب الأطفال وأن ماله كفيل أن
تسد به حاجتها وتعذرلها بأنه قد بلغ من العمر عتيا وعدم مقدرته على تلبية مطالب أبناءها كما يجب وأن هذة افضل فرصها في الوقت الحاضر
فوافقت حسب كلامها على مضض في ليلة زفافها عندما رأته عن قرب
تمنت أن لاترزق منه بأطفال تحمل أثم قبحهم أبد الدهر سمعتها تقول ذلك
لجارتنا فكنت أنا تلك الطفلة التي خشيت أمي أن تبتلى بها جئت إلى الحياة
ومنذ صادفت عيني عينها شعرت بأساها تجاهي فكانت تقف على سريري وتعتذر لي عما اقدمت عليه وتتأمل لون جلدي الداكن وتخرج تلك الزفرة
التي طالما ايقظتني و أعرف سر بذلها الجهد في تهذيب شعري الأرعن أوفي الطواف بي على أطباء التغذية ليزيدوا من طولي لأني كنت أبدو كتلميذة الأبتدائي وأنا في أواخر الثانوية أو أن يملئوا صدري الفارغ من الأنوثة حين خطوت نحو الجامعة
و حين طرق الباب عرسان لأخواتي كانت تبالغ في ملابسي ومجوهراتي ربما حتى لا أشعر بالنقص أو يشعر الأخرين بالفرق الشاسع بين رقة أُختي ووسامة أخوتي وبين تواضع شكلي حتى بت أشعر أني بنت البطة السوداء تلك القصة التي أبكتني في طفولتي حيث ظننت أنهم يقصدوني بها فكم مرة سمعت رفيقات أخواتي يستغربون حين يروني ويقولون لماذا هل هي بنت البطة السوداء
وبالرغم من ذلك كان أخواتي يشعرون بالغيرة
من اهتمامها بي وعندما كبرن صرن يلمنها
على التبذير فلن تفعل الماشطة شيء كثير في الوجه العكر كما تقولان لها كنت أسمع وأعي
وأدرك و أحزن و أصمت كي لا أحرجها ، تماما كما أنا الأن صامتة يمر بي شريط الذكريات يحاول أيقاظ الوعي الغارق في سبات لأتبين الطريق فالحزن عليها والفراغ الذي أنا فيه منذ دخولها المستشفى جعلني لا أدرك عاقبة الأمر وما ستأول له الامور
ربت على كتفه تقدمت نحو سريرها كثيرا ما كانت تكرة الأسرة البيضاء كانت محبه للحياة تردد دوما كن جميلا ترى الوجود جميلا امسكت بيدها وأنا أملي نظري منها كأن الأربعين مرت بوجهها الجميل على أطراف أصابعها حتى لا توقض الجمال الرابض في محياها دسست يدي في كفها ودققت في أصابعها الطويلة أُقلبها في العرجون القديم الذي هو كفي وأُقبلها برفق وأعود أتأملها تلك اليد التي طالما عانت في تدليك يدي الجافة حتى كنت أتخليها كمصباح علاء الدين وأن المارد سوف يخرج ليلبي مطالبها فقط رأفة بها
الأن هذة اليد مستكينة بلا حراك تملكتني الرغبة أن ادلكها عل حركة ما تعود إليها كل ما حدث أني شعرت بغصة جعلت الآه تخرج كبيرة وكبيرة جدا انكفأت عليها أهزها وأراقب محياها وبقايا ابتسام منذ الليلة التي غادر فيها وعيها الحياة كنا نضحك معها وفجأة سقطت من بيننا دون أي مقدمات دون أن تدع لنا فرصة الاستعداد كان نزف دماغي حاد أدخلها في غيبوبة لا أدري ماذا قال الطبيب لأخي وتركة فاقد القدرة على النطق هو الآخر
فقط الأن الأ جهزة تتحدث وهذا الصمت الذي جعلني أفكر كيف هي الأن فعلا
هل تشعر بوجودنا هل تشعر بيدي وهل ما تزال تعتذر في داخلها لي
كان يزعجها نظرة أخواتي لي خصوصا بعدما استقرت كل واحدة قي بيت زوجها وسافرت كل واحدة مع زوجها الى مناطق دراستهم وأصبحت أنا اتمتع بها وباهتمامها وحدي فكانتا تتناوبان على المطالب فهذة تريد أن تشتري هدية وتلك تريد ان تشتري فستان فقط حتى تضمنان
انهما تحصلان على نفس حصتي من النقود وكانت تذكر الجميع أن الخير الذي هم فيه هو خير والدي فكان أن يقولوا لها يكفي انك دفعت عمرك مقابل
العيش مع مسخ وتحمل رؤية طفلة بشعة فكانت تحضنني لحظتها وكان يسعدني ذلك يسعدني أن أرى اللوم في عيونها كلما لمحو الى قبح شكلي يشعرني ذلك أني غلطة عمرها
وأن كل أخطائي وجدت شماعة كلما تراكمت ألقيت في وجهها شيء من سخطي وكانت تلم كل هفواتي وتحضن وجعي ، الأن اشعر بالفراغ
بالصمت إلا من هذا الهذيان الذي أحدث به نفسي فلم يعد لي مؤنس
يفهمني سواها شعرت بخطوته تقترب وضع يده على كتفي وشد عليه هامسا ساذهب للمطار فهم الان قد يصلون لن اوصيك عليها التفت لم أجده شعرت أنها فرصتي لاكلمها
بصوت مرتفع علها تسمعني تدرك حاجتي أن تكون معي وأني أريدها
بأي حال حتى وأن كانت جسدا فأن لم تشعربي فأني أشعر بها لا اريد فقدها
وهنا تخيلت نفسي في بيت أحداهما أو أخي الذي يوشك على الزواج وانه سيحتل بيتنا مع زوجته لا لن تسمحا له فهما وقحتان في أمر المال لاتتفقان إلا عليه أعرف ذلك وماذا عن أخي الاكبر الذي منذ غادر الى الدراسة وهو يستنزف المال ونسمع جعجة ولا نرى طحنا فلا هو حصل على الشهادة
التي يوعدها بها كل عام ولا هو رجع ليكون بالقرب منها فهو حبها الاول
كما تقول يااه هل سأبقى أنا وهو في خطان مستقيمان لا يلتقيان لا اعرف سر
كرهه لي وعدم تقبله لي في حياته سمعته يتحدث لصديق ويقول لدي أختين
واخ وأنا هل سقطت من حسابه ؟ هل سقطت سهوا ؟ ربما ولكن لما كل مرة يعيدها سهوا ايضا أشعر أني الان اتعرف عليهم لاول مرة فهي كانت
تخفيني عنهم وتخفي حقيقة مشاعرهم تجاهي أقترب من صدرها وادفن رأسي
وابكي يارب اريدها أعدها إلي !
كاني اسمع دبيب الموت في الغرفة شعرت أنه سيعطف على ويتركها او يرحمني وياخذني معها لم يكن ذلك الصوت غير خطوات الممرضة تلاحظ حركة الاجهزة في غرفة العناية المركزة لا صوت
إلا اصوات همساتهن سمعتها تقول أفضل لك أن تقرأي عليها شيئا من القرآن
سيريحك ويريحها تذكرت في تلك اللحظة الحاسمة كم نحن ضعاف لولا قوة
الله التي تسندنا نظرت لها كأنها تطلب مني أن افعل وجلست أقرأ ماتيسر لي
لم اعي بالوقت نبهني فقط صوت الجهاز وتزاحم الممرضات واستدعاء الطبيب كنت كلوح ثلج ارتجف كأن الموت يستل روحي أنا أما هي بدت ساكنة
هادئة لا انتفاضة كما نرى في الافلام اول مرة أكون انا وملائكة الموت في مكان واحد رفعت ألاجهزة واسدل الطبيب جفنها وأختفت نظرة الحنان
اقتربت من رأسها قبلت جبينها وأنا اقول يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي شعرت بقوة وكأني
لست تلك الضعيفة ، استطعت أن اطلب من الممرضات أن ابقى معها وحدي فتركنني
قمت بتغطية شعرها والحرص على سترها فالامانة ذهبت ولم يبقى إلا هذا الجسد هنا شعرت بأن شكلي لا يعني شيء فقط هي الروح !