مقدمة إن موضوع زرع الثقة في نفس الطفل أو تنمية مفهوم ذات إيجابي لديه سواء أكان ذلك في البيت أو المدرسة أمر في غاية الأهمية ويرى علماء النفس والتربية أنه مفتاح الشخصية السوية والطريق الأكيد نحو النجاح في الحياة الأكاديمية والعملية إن الفرق بين الفرد الذي يتمتع بثقة عالية في قدراته ويمتلك مفهوم ذات إيجابي وذلك الذي يفتقد الثقة بالنفس ويمتلك مفهوم ذات سلبي ، كالفرق بين شخصين تواجدا في حجرة واحدة وعندما سئل كل منهما ماذا ترى حولك؟ أجاب الاول : إني أرى نوافذ مفتوحة أما الثاني فقد قال : إني لا أرى سوى جدارن مغلقة إذن ما هو مفهوم الذات ؟ وكيف نكتشفه لدى أطفالنا ؟ والأهم من ذلك كيف ننمي مفهوم ذات إيجابي لدى فلذات أكبادنا حتى نوصلهم إلى بر الأمان والاطمئنان ، هذا ما سوف أحاول أن أجيب عنه في هذه المقالة... تعريف مفهوم الذات: المقصود بمفهوم الذات هو الصورة التي نكونها عن أنفسنا منذ الصغر ومايرتبط بهذه الصورة من إحساس بالرضا أو عدم الرضا أو مايسمى بتقدير الذات . مفهوم الذات يتعلق بالجانب الإدراكي من شخصية الطفل أما تقدير الذات فيتعلق بالجانب العاطفي منها. وهناك ارتباط وثيق بين مفهوم الذات وتقدير الذات ، أي إذا كانت صورتنا عن أنفسنا إيجابية من الطبيعي أن نشعر بالاعتزاز والرضا بهذه الذات ، وعلى العكس من ذلك إذا كانت صورتنا عن ذاتنا سلبية فسوف نكره ذاتنا ونذمها ونحتقرها . وليس هناك أخطر من أن يكره الطفل نفسه لأن ذلك سوف يعرضه إلى العديد من المشكلات السلوكية والنفسية .في محاولة يائسة لإثبات ذاته بطرق سلبية بعد أن فشل في إثباتها بطرق إيجابية . لقد أثبتت معظم الدراسات أن من أهم الأسباب لتدني التحصيل الدراسي لدى التلاميذ هو تدني مستوى مفهومهم لذاتهم ومستوى تقديرهم لهذه الذات ، وكلذلك بينت ملاحظات علماء النفس أنه وراء العديد من المشكلات النفسية والسلوكية لدى الصغار والكبار خصائص الطفل الذي يتمتع بمفهوم ذات مرتفع: تتميز شخصية الطفل الذي يتمتع بمفهوم ذات إيجابي بالخصائص الآتية التي تمثل بعض النماذج من سلوكه: 1- يفخر بإنجازاته (( انظر كم هي جميلة الصورة التي رسمتها بنفسي )) 2- يتمتع بالاستقلالية (( لقد أنهيت واجبي وحدي )) 3- يتحمل المسئولية (( سوف أقوم بهذا العمل عنك )) 4- يتحمل الإحباط (( إن مسألة الحساب هذه صعبة جدا ولكني سأحاول وأحاول حتى أحلها )) 5- يقبل على الخبرات الجديدة بحماس (( لقد أخبرنا المعلم بأننا سوف نتعلم القسمة غدا )) 6- يمتلك القدرة على التأثير في الآخرين (( دعني أعلمك كيف تمارس هذه اللعبة التي تعلمتها)) 7- يستطيع أن يعبر عن مدى واسع من الانفعالات (( أشعر بالسرور عندما يعود أبي من السفر ، وأشعر بالحزن عندما يغيب )) خصائص الطفل الذي يمتلك مفهوم ذات سلبي على النقيض من ذلك فإن خصائص الطفل الذي يمتلك مفهوم ذات سلبي كالتالي: 1- يتجنب المواقف التي تسبب القلق : (( اليوم لن أذهب إلى المدرسة لأن لدي امتحان صعب )) 2- يحط من قيمته وإمكانياته : (( إن رسومي ليست جميلة )) 3- يشعر بأن الآخرين لا يقدرونه: (( أصدقائي لا يحبونني وأبي يكرهني )) 4- يلوم الآخرين على فشله : (( لقد رسبت في الامتحان لأن المعلمة لم تشرح الدرس جيدا )) 5- يتأثر بالآخرين : (( صديقي علمني أن أغش في الامتحان )) 6- يستثار بسهولة : (( أنا لم أكسر هذه اللعبة )) 7- يشعر بالعجز: ((لا أستطيع أن أحل هذه المسألة )) 8- يعبر عن مدى ضيق من الانفعالات : (( أنا لا أهتم إن جاء أبي أم ذهب )) لنتمعن الآن في دراسة حالة هذا الطفل من خلال كلام أمه التي تشتكي من مشكلة شائعة يعاني منها ابنها: (( إن ما يثير دهشتي أن ابني ذكي جدا بشهادة الجميع عندما يكون في البيت ، ولكن لا أدري عندما يذهب إلى المدرسة ويقدم امتحانا في الحساب فإنه يعجز عن حل أبسط المسائل ، ويختلق أعذارا كثيرة عندما يكون لديه امتحان حتى لا يذهب إلى المدرسة .. فيوم معدته تؤلمه ، ويوم عنده صداع ، لقد احترت ماذا أفعل معه؟؟ يبدو من كلام هذه الأم أن طفلها يفتقر إلى ثقة أفضل بنفسه حتى يواجه الصعوبات في الحياة المدرسية بدلا من الهروب منها ، لأنه لا يستطيع مواجهة الفشل والإحباط. ولنتفحص حالة أخرى من خلال كلام إحدى المعلمات عن طفل في صفها إذ تقول: ((إن هذا التلميذ سلبي خجول عندما أسأله هل فهمت هذا التمرين ؟ يقول: نعم ، وعندما اسأله سؤالا حتى أتأكد من ذلك ، أكتشف أنه لم يفهم شيئا يبدو غير مهتم بما يدور حوله في الصف وهو كثير التغيب .. كثير السرحان )) ويبدو من كلام هذه المعلمة أن هذا الطفل يمتلك مفهوم ذات متدنيا، لأنه يعجز عن طلب المساعدة، ولا يستطيع أن يعبر عن انفعالاته وحاجاته ، فيلجأ إلى السرحان أو التغيب كيف يتشكل مفهوم الذات ؟ إن مفهوم الذات لا يولد مع الطفل وهو لا يرثه عن أبويه كما يرث لون عينه وشعره وإنما يكتسبه من البيئة حوله من خلال تفاعله مع الآخرين وخاصة الأشخاص المهمين بالنسبة إليه. إن الطفل الرضيع لا يكون لديه صورة مستقلة عن ذاته بل يعتقد أنه جزء من البيئة المحيطة حوله وعندما يرى نفسه في المرآة يعتقد أنه يرى طفلا آخر ولا يدرك أنه ينظر إلى نفسه ، ولكن منذ الشهر التاسع يبدأ يميز ذاته تماما ككائن مستقل عن بيئته ويمكن التأكد من ذلك عندما نضع على وجه الطفل علامة ما ثم نجعله ينظر إلى وجهه في المرآة نرى أن الطفل يضع يده على مكان العلامة في وجهه. وعندما يكبر الطفل تدريجيا تتبلور صورته عن ذاته وإحساسه بالرضا أو عدم الرضا عنها من خلال تفاعل الأسرة معه وأساليب معاملتها له إذ تعتبر الأسرة مرآة الطفل التي يرى فيها ذاته فإذا سمع الطفل من أبويه أنه ذكي ، شاطر ، سريع التعلم ، وعومل معاملة أساسها المحبة والقبول والتقدير فإنه سوف يحب نفسه ويثق بها وعلى العكس من ذلك إذا عومل معاملة قاسية وكلما أخطأ أو فشل قوبل بالرفض والضرب تعلم أن يكره نفسه ويفقد الثقة بها ويشعر بالإثم والذنب تجاه نفسه. وعندما يكبر الطفل ويدخل المدرسة يأتي دور المدرسة ليكرس الصورة التي كونها الطفل عن نفسه أو ربما لتصحيحها في بعض الأحيان عن طريق الأساليب التربوية التي يتبعها المعلم في الصف. ويكون مفهوم الطفل لذاته مرنا وهو صغير وكلما كبر الطفل اتجه مفهومه لذاته نحو الثبات والرسوخ لذلك فإنه من المهم جدا أن نشرع في تطبيق برامج تنمية الثقة بالنفس وتنمية مفهوم الذات مع الأطفال منذ الصغر وكذلك على الآباء والمعلمين أن يطبقوا الأساليب التربوية الصحيحة في التعامل مع الطفل منذ نعومة أظفاره لأن تأثيرها يكون ناجحا وناجعا عندما يكون التدخل مبكرا . ومع الأسف أن الآباء والمربين يستخدمون أساليب تربية خاطئة مع الطفل ومن غير قصد بحيث يزرعونا لخوف والقلق وعدم الثقة في نفوس الأطفال فنرى أن العديد من الآباء يستخدمون أسلوب الضرب والعقاب البدني أو إثارة الألم النفسي أو أسلوب التذبذب في المعاملة أو التدليل المفرط للأبناء وفي كثير من الأحيان يشعر الآباء والمعلمون الطفل أنهم يضعون توقعات منخفضة إزاء تقدمه في سلوكه وإنجازه النبوءة تحقق ذاتها هناك نظرية ثبتت صحتها في كثير من الحالات وهي نظرية((النبوءة التي تحقق ذاتها )) ومفادها أننا إذا اعتقدنا أن الطفل فاشل وكسول فإنه سوف يفشل لا محالة لأن عقل الطفل يعمل كجهاز رادار يلتقط جميع الإشارات التي يشعر بها من الأبوين ومن المعلمين وبالتالي إذا التقط الإشارة التي تقول له إنك فاشل فإنه سوف يسلك سلوكا يحقق هذا التوقع والعكس صحيح لأنه يصدق هذه الإشارات التي تصدر عنا بالأقوال والأفعال. دعوني أقص عليكم هذه القصة التي أجراها أحد الباحثين في أحد الصفوف . جاء هذا الباحث وأخبر الملعمة بعد أن اختار عينتين عشوائيتين من صفها أن العينة الأولى من الطلاب ذكاؤهم محدود لذلك فإنه من المؤكد أن آدائهم سوف يكون متدنيا بينما أفراد العينة الثانية قدراتهم عالية وهم سوف يحققون مستوى عال من التحصيل ولكن اللعبة التي لعبها هذا الباحث على المعلمة أنه لم يكن يعرف مطلقا القدرات الحقيقية لهاتين المجموعتين ولكنه أراد أن يختبر نظرية النبوءة التي تحقق ذاتها فماذا وجد ؟ عندما عاد الى نفس المدرسة في نهاية العام الدراسي وجد بالفعل أن أداء المجموعتين كان متماشيا مع توقعاته التي نقلها الى المعلمة ، ويبدو أن المعلمة بدورها قد صدقت هذا الكلام وترجمته دون أن تشعر من خلال سلوكها مع طلابها الذين التقطوا هذه الرسالة بدورهم وصدقوها وسلكوا سلوكا يتماشى مع هذه التوقعات وبذلك تحققت النبوءة والتوقعات .. والمقصود من هذا الكلام أننا يجب أن نضع توقعات عالية لأبنائنا نثق بقدراتهم حتى تؤثر على مفهومهم لذواتهم بصورة إيجابية وينعكس بالتالي على آداءهم في البيت أو المدرسة منقووووووووول