الحمد لله لقد دعا الإسلام إلى صلة الرحم لما لها من أثر كبير في تحقيق الترابط الاجتماعي ودوام التعاون
والمحبة بين المسلمين . وصلة الرحم واجبة لقوله تعالى : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) سورة النساء
آية1 . وقوله : ( وآتِ ذا القربى حقه والمسكين ) سورة الإسراء آيه 26 . وقد حذّر تعالى من قطيعة الرحم
بقوله : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك
لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) سورة الرعد آيه 25 . وأي عقوبة أكثر من اللعن وسوء الدار تنتظر الذين يقطعون
أرحامهم ، فيحرمون أنفسهم أجر الصلة في الآخرة ، فضلا عن حرمانهم من خير كبير في الدنيا وهو طول
العمر وسعة الرزق ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يُبسط له في رزقه وأن يُنسأ له في
أثره فليصل رحمه ". رواه البخاري (5986) ومسلم (2557) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك
من القطيعة . قال : نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك. قالت : بلى . قال : فذاك لك " ثم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اقرأوا إن شئتم ( فهل عسيتم إن توليتم أن تُفسدوا في الأرض وتقطعوا
أرحامكم . أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) صحيح مسلم بشرح النووي 16/112 إذا عرفنا
هذا فلنسأل من هو الواصل للرحم ؟ هذا ما وضّحه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : " ليس الواصل
بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها " رواه البخاري (5645). فإذا كانت العلاقة ردا للجميل
ومكافأة وليس ابتداء ومبادرة فإنها حينئذ ليست بصلة وإنما هي مقابلة بالمثل ، وبعض الناس عندهم مبدأ :
الهدية مقابل الهدية ، ومن لم يهدنا يحرم ، والزيارة مقابل الزيارة ، ومن لم يزرنا يقاطع ويهجر ، فليست هذه
صلة رحم أبدا وليس هذا ما طلبه الشّارع الحكيم ، وإنما هي مقابلة بالمثل فقط وليست هي الدرجة العالية التي
حثّت على بلوغها الشّريعة . قال رجل لرسول الله عليه وسلم : إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم
ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي فقال : " إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ ، ولا يزال معك من الله
ظهير عليهم ما دمت على ذلك " . رواه مسلم بشرح النووي 16/ 115 . والملُّ هو الرماد الحار . ومن يطيق أن يلقم الرماد الحار أعاذنا الله من قطيعة الرحم
إن صلة الرحم تترك أثراً عظيماً في الأمة، ولقد بقيت أمتنا محافظة على هذا الخلق الكريم أتم المحافظة.
فللأبوين منزلة عالية، فطاعتهما و برهما و الإحسان إليهما واجب من أعظم الواجبات، و الإخوة و الأخوات، و الأعمام و العمات، و الأخوال و الخالات، لهم حقوق ترعى.
و ينشأ عن ذلك كله ترابط اجتماعي رائع.. ترابط يميزنا عن الأقوام الآخرين، و يرفعنا إلى مستوى لا يمكن
أن يصلوا إليه. و يحقق قيام مجتمع تقوم بين أفراده و شائج التعاون و الاتحاد و المحبة و الإيثار و هذا يعينه
على حمل رسالته للدنيا و أدائها، و يمكن له المنعة و القوة، فلا يستطيع الأعداء تهديمه أو إذلاله. و من هنا ربط الإسلام بين صلة الرحم و الإيمان.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر
فليكرم ضيفه. و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليصل رحمه. و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" رواه البخاري و مسلم.
أمور ثلاثة تحقق التعاون و المحبة بين الناس و هي: إكرام الضيف، و صلة الرحم، و الكلمة الطيبة.
و قد ربط الرسول صلى الله عليه و سلم هذه الأمور بالإيمان، فالذي يؤمن بالله و اليوم الآخر لا يقطع رحمه،
وصلة الرحم علامة على الإيمان الكامل، و قطعها علامة على نقص الإيمان أو عدمه.
بل لقد جعل القرآن الكريم قطع الرحم صفة من صفات الكفار قال تعالى: ((إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما
بعوضة فما فوقها * فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم * و أما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا
مثلاً؟ يضل به كثيراً و يهدي به كثيراً * و ما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه و
يقطعون ما أمر الله به أن يوصل و يفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون))(البقرة:26-27).فقد جعل الله
من صفات الفاسقين الخاسرين الضالين قطع ما أمر الله به أن يوصل، و من ذلك صلة الأرحام إن هذا دليل
على رفعة شأن صلة الأرحام في الإسلام قال تعالى: ((و اتقوا الله الذي تتساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيباً))(النساء).
قال الضحاك: و اتقوا الله الذي تعاقدون و تعاهدون به، و اتقوا الأرحام أن تقطعوها و لكن بروها و صلوها