سار في خطوات سريعه متجهاً للمبنى الذي به مكتب دكتور جوزيف، كانت ملامح السعادة مرسومة على وجهه ممزوجه بنظرة ثقه قوية فها هو يحمل هذه مرة بحث تناوله باسلوب جديد وبالتأكيد سيبهر دكتور جوزيف، إلا أن هذه الملامح تغيرت وعقد حاجبيه متطلعاً لريم التي كانت تقف عند بوابة المبنى تتلفت حولها وكأنها تبحث عن شيءٍ ما:
- هذه الفتاة مرة آخرى..... لا أعرف ما الذي يصيبني كلما رأيتها..من الافضل ألا أتحدث إليها سأمر وكأني لم أراها.
صحيح أنه التقى بها كثيراً خلال التجمعات الاسبوعية إلا أنه لم يكن يحاول أن يتبادل معها الحوار كثيراً بعكسها هي فكانت كثيراً تتحدث إليه وكم كان يحاول الهرب من أحاديثها ولكن المشكلة أن كلامها كان دائماً مفيد فرغم أنها تدرس الهندسة إلا أنها تعرف الكثير عن العلوم خاصة التخصص الذي يدرسه هو مما كان يجبره على الاستمرار في الانصات لها ورويدا رويدا أصبح الامر أكبر من مجرد استفادة بل بات يميل لها فعلياً وهنا دق جرس إنذاره الشخصي ووجد أنه لابد وأن يتوقف وإلا سيفتح للشيطان باباً يصعب إغلاقه.
كان يسير في طريقه بخطوات سريعة واسعة إلا أنه توقف وارتد للوراء صائحاً:
- ما هذا؟!!
لقد قطعت ريم طريقه فجأة حتى أنه كاد أن يصطدم بها ، قالت:
- لما تسير بهذه السرعة؟!! ألم تراني ؟! كنت أبحث عنك.
حدق عمير في وجهها للحظه ثم قال في حنق:
- كيف تعترضين طريقي بهذا الشكل ؟! لقد كدت أرتطم بك و...
- لم يحدث شيء ...لم يحدث شيء، المهم تجمعنا سيكون اليوم وليس الغد.
هدأ عمير من روع نفسه قائلاً:
- لماذا؟!
- لأننا سنذهب إلى المركز الاسلامي حيث سيعلن اليوم اثنان من رفاقنا إسلامهم.
- حقاً!!
- نعم... والمراسم ستكون اليوم ويجب أن نكون معهم ..أتحب أن تأتي؟!
- بالتأكيد.
- حسناً... لقاءنا اليوم ..لا تتأخر.
- إن شاء الله لن أتأخر.
التفتت لتغادر المكان وعاد هو لطريقه إلا أنها أوقفته قائلة:
- عمير.... أعلم أنك رأيتني ومع ذلك أردت أن تتخطاني... ولكني لا أعلم السبب... ولا أريد أن أعلم.
وقبل حتى أن يفتح شفتيه غادرت بسرعه، مط عمير شفتيه وعاد إلى طريقه.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
- هذا مستواه جيد.
قالها جوزيف في هدوء بعد أن طالع البحث المقدم من عمير الذي عقد حاجبيه مردداً:
- جيد.
رفع جوزيف عينيه قائلاً بنبرة باردة:
- نعم.... ماذا تريدني أن أقول.... أخبرتك ألا تتوقع الكثير، فأنت غادرت دولتك فلتعي ذلك.
أخذ عمير نفساً عميقاً ليتماسك قبل أن يقول بنبرة لم تبدو هادئه:
-أعلم جيداً أين أنا يا دكتور.... فلا داعي للتذكير طوال الوقت، وأنا لا أريد أكثر مما أستحق.
- وأنا لا أعطيك أكثر مما تستحق.
ثم سكت لحظات مضيفاً:
- ولا أقل مما تستحق.
وقف عمير واتجه للباب قائلاً:
- لا فائدة.
- عمير.
قالها جوزيف فأوقفه فأردف:
- لولا أنني أعلم أنه يمكنك أن تقدم أفضل من هذا لما أبقيتك معي.
مط عمير شفتيه قائلاً:
- معقول... لم أتصور أنك تنظر لي بإيجابية أبداً.
عاد جوزيف ينظر في أوراقه قائلاً:
- هذا شأنك.. فلتتصور ما تشاء...يمكنك الانصراف.
حدق عمير به للحظات وتمنى أن يصيح في وجهه أن هذا الاسلوب ليس الافضل كما يتصور لكنه تذكر أمر المركز الاسلامي وأنه لا يجب أن يتأخر فأغلق الباب خلفه ليلحق بالشباب.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
- كان مشهد رائع يا أمي حقاً مشهد رائع... لقد أقشعر بدني وأنا أسمع خمسة أشخاص ينطقون الشهادة بل أن البعض بكى بالفعل .... ياه يا أمي.... كم أحمد الله على نعمة الاسلام ... وكم أشعر بغلاوتها عندما أرى آخرين ينضمون لها وكم كنت أتمنى أن يكون لي دور في إسلام أي شخص على وجه الارض لأقول"الحمد لله الذي أنقذه بي من النار" لأكمل مشوار الرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.
قالها عمير في سعاده وهو يسرد لأمه ما حدث في المركز.
قالت رجاء:
- وهل الخمسة أصدقاء ريم ورفاقها؟!
- لا اثنان فقط، أما الثلاثة الباقين فكانوا يأتون باستمرار إلى المركز.
سألته بنبرة دهشة:
- وهل ريم تعمل داعية؟!
- لا يا أمي..أنا أيضا تصورت ذلك ولكنها قالت لي أنها لا تملك المعلومات الكافية لتكون داعية رغم أن لديها ملكة الكلام وإجبار الآخرين على الانصات لها ولكنها تعد نفسها وسيط أي توفر إمكانية إلتقاء غير المسلمين بالمسلمين الذين لديهم القدرة على الدعوة إلى الاسلام .
همست رجاء:
- ليس لديها معلومات.... هذا متوقع.
لم يسمعها عمير فقال:
- ماذا قلتي يا أمي؟!
- لا شيء يا ولدي.... لا شيء.
وقف ليغادر الردهة:
- حسناً ..أمي إسمحي لي سأدخل غرفتي.
- عمير ... كنت أريد أن أذكرك بشيء.
- تذكريني؟!!
- نعم ...إن الذكرى تنفع المؤمنين.
عقد عمير حاجبيه فأمه لا تذكر هذه الآية إلا إذا أخطأ في شيء أو فعل ما لا يليق به كمسلم، فقال:
- تفضلي يا أمي.
- اتق الله يا ولدي... وعليك بغض البصر.... حديثك عن ريم هذه زاد في الاونه الأخيرة...وكما قلت اتق الله ... وغض بصرك.
حدق عمير بوجهها قليلاً ثم ابتسم مقترباً منها ليقبل جبينها هامساً:
- جزاك الله عني خيراً يا أمي.. وأعانك على تذكيري دائماً بما يرضيه.
ربتت رجاء على كتفيه قائلة:
- لهذا خلقنا لنكون لبعضنا عوناً على الطاعة.... أليس كذلك؟
- بلى يا أماه ....كذلك.
استلقى في فراشه متطلعاً إلى سقف حجرته ....
"....لا يا عمير يحب أن تراجع نفسك وتحاسبها قبل أن يحاسبك الله....حتى أمك لاحظت ... إذاً هناك مشكلة يجب أن تعالجها..... يا الهي أنت لم تغض بصرك عنها على الاطلاق والدليل على ذلك أنك تذكر معالم وجهها جيداً بمجرد التفكير فيها.. تبا ..كيف وقعت في هذا الخطأ بسهولة..."
- لكني لا استطيع أن أنكر أنها شخصية جديرة بالاهتمام فلم ألتق بفتاه مثلها من قبل.
".. أفق يا عمير أنت لم تكن تسمح لنفسك بالحديث مع الفتيات من الاساس فكيف تقارن..."
- لكن الامر اختلف مع هذه الفتاة كثيراً.
" ... وهذا ما يجب أن تحترس منه..."
كان يحدث نفسه وكأن شخصاً آخر معه يجيبه وهذا ما يلجأ إليه عادة عندما يحاسب نفسه..
- نعم أعترف هناك خطأ وسأعمل على إصلاحه.
"... وهل ستنجح بهذه السهولة..."
- إن شاء الله سأنجح.
"... لا تنسى أنها عادة هي التي تتحكم في إسلوب الحوار..."
- سأعمل على ألا يكون هناك حوار أي حوار هذا هو الحل الوحيد.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
تجمع الشباب المسلم كعادتهم في الساحة الخلفية وما أن رأى جاسر ريم حتى أسرع إليها:
- ريم.... ألم ترِ عمير؟!
- تسألني أنا ؟!!... إنه زميلك أنت بالكلية والمفترض أن تراه أنت وليس العكس.
ابتسم جاسر ناظراً خلفها:
- حسناً لاداعي للسؤال لقد حضر.
استدارت لتراه يقترب إلا أنه لم يتجه لهم وتوقف عند مجموعة الشباب يحدثهم فقال جاسر:
- أشكرك على كل حال يا ريم سأذهب إليه.
وضع يده على كتف عمير فنظر إليه مبتسما:
- أين أنت يا مهم؟!!
- مهم؟!!
- نعم ، أليس المهمين هم من يبحث عنهم الآخرين؟
ضحك عمير قائلاً:
- في الحقيقة لم أكن أعلم أنك تبحث عني.
- كيف حالك مع دكتور جوزيف؟
- لا بأس، وإن كنت لم أقتنع بإسلوبه هذا بعد... كما أنه مازال يشعرني بأني لا أؤدي كل ما علي.
- أمنح نفسك بعض الوقت... سيكون الامر أفضل.
- أرجو ذلك.
- ماذا ستفعل الأن؟!
- لا شيء .. جئت أسلم عليكم ثم أغادر.
- كنت أفكر في أن أتجول قليلاً ،أتحب أن تشاركني؟!
- بالتأكيد.
وقبل أن يغادرا سمعا ريم:
- إلى أين؟.. لم يأتي الغداء بعد.
توقفا وقال جاسر:
- أنا لست جائع ، ماذا عنك يا عمير؟!
- أنا أيضاً لست جائع.
ابتسم جاسر لريم قائلاً:
- للأسف يا ريم سنحرمكم من تواجدنا معكم في وجبة الغداء.
ابتسمت ريم ونظرت لعمير قائلة:
- كيف حالك يا عمير؟! منذ أن ذهبنا للمركز لم أراك.
تطلع عمير لنقطة غير معلومة ليجيب:
- لقد انشغلت بعض الشيء واكتفيت بأن ألقاكم هنا.
لاحظ جاسر أن عمير يتحدث دون حتى أن ينظر لوجه ريم التي عقدت حاجبيها قائلة بنبرة غاضبة:
- حسناً ... لا داعي أن أعطلكما أكثر من ذلك... بعد إذنكما.
غادرتهما في ضيق فالتفت عمير لجاسر:
- هيا بنا.
هذه هي الحلقـــــــــــــــــــة الرابعــــــــــــــة
غادرا معاً وبينما يسيران في الطريق قال جاسر:
- لم تحدثت مع ريم هكذا؟!
- كيف؟!
- لا أعلم ..الاسلوب لم يكن ودي.
- لماذا... لقد أجبت على سؤالها بشكل عادي.
- لم تنظر لوجهها على الاطلاق.
- ليس من المفترض أن أنظر لوجهها.
- لماذا؟!!
حدق عمير بوجهه لحظات قائلاً:
- لكي أغض بصري.
- تغض بصرك.
رددها جاسر وكأنه يسمعها لأول مرة... ثم كررها:
- تغض بصرك.
قال عمير ضاحكاً:
- لم ترددها وكأنك لا تعرفها؟!
هز جاسر رأسه:
- لا، أنا أعرفها، ولكني لم أنتبه لمعناها من قبل، كما أنه من الصعب أن تطبقها هنا.
- لماذا؟!
- لأن من أداب الحوار هنا ..أن تنظر في وجه من يتحدث إليك سواء كان رجل أو امرأة، كما أنهم يعتبرون عدم النظر للعين مباشرة لا يكون إلا لسببين إما أنك تخفي شيئاً أو تخشى شيئاً.
صمت عمير قليلاً ثم قال:
- أيعني هذا أن أتنازل عن أحد قواعد ديني لمجرد أنها لا تناسب أهل البلد التي أعيش بها، وماذا أدراني أنني لن أضطر لتنازل عما هو أكبر.
- بالتأكيد أنا لا أقصد ذلك...ولكن...
قاطعه عمير:
- إسمعني جيداً يا جاسر....لكن.. هذه هي بداية كل شيء ..بداية التنازل....بداية التراجع....وبداية فقد الهوية.. وأنا لن أفقد هويتي ..وإسلامي هو هويتي بغض النظر عن المكان الذي أنا فيه... وتعلمت أن أطبع المكان بطبعي لا العكس.كما أن ريم التي تتحدث عنها مسلمة وأنت أيضاً وأنا يدهشني أن الامور حتى بينكم كأهل البلدة بالضبط.
- ريم ولدت هنا وتربت هنا، ومن الصعب أن تفصلها عن العالم الذي حولها كما أن التنشئة كما نعلم تتأثر بأربع عوامل الاسرة، المدرسة، الاصدقاء والاعلام.. ومن الصعب في دوله أجنبية أن توفر الاسلام في كل هذه العوامل.
أمسك عمير بذراعه قائلاً:
- وماذا عنك يا من نشأ على أرض فلسطين؟!
لم يحدث أن ندم عمير على كلمة مثلما ندم على هذه بعد أن رأى أثرها على وجه جاسر الذي انقبضت عضلات وجهه وعقد حاجبيه ولمعت عيناه بالدموع واكتسى وجهه معالم حزن عميق أسرع عمير يربت على كتفه:
- أعذرني يا جاسر..لم أقصد...سامحني.
لم يلتفت إليه جاسر بل رفع كفاه إلى وجهه ليمسحه بقوة وكأنه يعيده كما كان وشعر عمير وكأنه سيبكي فقال:
- أرجوك.. أرجوك...لا تفعل.
رفع جاسر عيناه :
- لا أفعل ماذا؟!!
حاول عمير أن يبتسم:
- لا تبكي.
تطلع جاسر له قليلاً ثم قال:
- لا تقلق لن أفعل.
إلتزم كلاهما الصمت وسارا في طريقهما إلى أن قطعه عمير بقوله:
- أعتقد أنك تصورت أن التجول معي سيكون ممتعاً.
لم يجيب جاسر ولكنه بعد لحظات قال:
- أتعلم أنه كان لي أخ في مثل عمرك؟!
- كان.... وأين ذهب؟
تنهد جاسر قائلاً:
- استشهد.
حدق عمير بوجهه قليلاً ثم قال في أسى:
- حقاً... أسف... على كل حال هذا خيراً له...على الأقل أنت تعرف أين هو الان.
أكمل جاسر وكأنه لم يسمع عمير:
- كان الاقرب لي.... كان صديق أكثر من أخ، كان يعني لي الكثير.
كان صوته يتهدج وهي يقول كلماته الاخيرة مما سبب لعمير الالم من أجله ورغم هذا تمنى عمير أن يعرف كل ما يجول في رأس جاسر ولمَ دائماً يحزن هكذا كلما تحدث عن فلسطين؟!
وضع عمير يده على كتف جاسر قائلاً:
- يسعدني أن تعتبرني صديق لك، وسأفعل ما بوسعي لأعني لك الكثير.
ابتسم جاسر في ود :
- أتعلم أنك تشبه أخي قليلاً؟
- حقاً.
توقف جاسر وأخرج حافظته ليري عمير صورة فوتوغرافية صغيرة لشاب وسيم فقال عمير ضاحكاً:
- وهل أنا بهذه الوسامة؟!
ضحك جاسر وأعاد الصورة إلى الحافظة:
- أنا أراك كذلك.
- جزاك الله خيراً، ولكنه أصغر مني وأنت قلت أنه في مثل سني.
- نعم ، كان سيكون في مثل سنك إذا بقى حياً ولكنه استشهد قبل أن نأتي إلى إنجلترا.
- عندما كنت في الخامسة عشر من عمرك.
أومأ جاسر برأسه متأسفاً، فقال عمير:
- معقول هذا يعني أنه استشهد وهو في الثامنة عشر من عمره.
- نعم... كان شاباً يافعا ..عنيداً.. لا يخشى شيئاً... كنت دائماً أسير بجانبه بلا خوف ....استمد قوتي منه... ولكم أصبحت ضعيفاً بعد أن غاب عني.
وحدث ما يكرهه عمير رأى عبرات جاسر تنهال على وجنتيه ولكم يكره عمير الدموع ، أي دموع. لم يعرف ماذا يفعل أو ماذا يقول ولهذا يكره الدموع دائماً تشعره بالعجز.
- أسف... أعلم أني قلت أنني لن أبكي.
قالها جاسر بصوت خافت:
- ولكني لا استطيع أن أمنع نفسي..... كلما تذكرت....
- لا تتحدث إذاً.
قاطعه عمير، فنظر له جاسرقائلاً:
- ولكني أريد أن أحدثك.
أشار جاسر لمقعد يتوسط حديقة كبيرة قادتهما أقدامهما إليها فجلسا وصمت عمير ليترك جاسر يتحدث:
- لكونك نشأت في دوله عربية ...فأنت تعلم الكثير مما تقاصيه فلسطين ، نحن عائلة فلسطينية كان حلمها كل يوم أن نعيش بحرية وبأمان ولكم نفتقد هذان العنصران...عائلة ليست كبيرة ولا صغيرة...... أب وأم وولدين و3 بنات، أمنا كانت تخشى علينا كثيراً خاصة فهد أخي الاكبر الذي كان عنيداً دائماً ويسبب لها القلق الشديد ولكن أبي كان يراه شجاعاً ولا يخشى شيئاً لهذا كان يشجعه دائماً، وفي يوم .. أقصد في ليلة حالكة السواد أخترقت أذناي صرخات أمي وصوت صياح أبي فزعت من نومي وقفزت من فراشي ورأيت أخي فهد يسبقني لساحة المنزل، ورأيتهم ...رأيت أحقر أهل الارض وأكثرهم خسة ينتشرون في المنزل ...باحثين عن ماذا...لا يهم...المهم أن يقلبوا المنزل رأساً على عقب وشعرت للوهلة الاولى أنهم غير طبيعين ثم تيقنت أنهم سكارى، فقاموا بتكبيل أبي لمنعه من الحركة بينما وقفت أمي تحتضن أختي الرضيعة التي تعالى صوت بكاءها في المنزل وخرج أحدهم من حجرة أختي وهو يجرها خلفه ممسكاً بأطراف شعرها بينما جاء آخر من خلفي ودفعني وأخي أرضاً فأصبت شفتاي ونزل الدم من فمي فهب أخي فهد يدفعه عنا وأسرع لمن يمسك بأختي وتعلق بذراعه وقضمه قضمه قوية فصرخ تاركاً اختي التي أسرعت لأمي لتحتمي بها فرفع الوغد سلاحه ولطم أخي على وجهه فنزف دماً وسقط أرضاً ثم ركله في وجهه فلم يحرك أخي ساكناً وأراد أن يمسك بأختي مرة أخرى إلا أن أبي استطاع أن يحرر نفسه فأسرع إليه يدفعه عنها ، فأشار الحقير لرفاقه فتكالبوا على أبي وانهالوا عليه ضربا وركلا .....
إرتعش صوت جاسر وانهالت الدموع أكثر وانتفض جسده فربت عليه عمير:
- إهدأ يا جاسر... أرجوك... لا تكمل مادام الامر يتعبك.
- كان عمري حينها ثلاثة عشر عاما ، لم أعرف ماذا أفعل تمنيت أن يفيق أخي ولكنه ظل ساكن وأمي تصرخ وأبي يُضرب ..لم أأمل أن يساعدنا أحد فالامر ليس بهذه السهولة، وأخيراً تركوا أبي والتفتوا إلينا ولكنهم لم يفعلوا شيئاً وكأنهم أشبعوا رغباتهم الوحشية بما فعلوه بأبي وغادروا المنزل وهم يضحكون ويترنحون. أسرعت أمي لأبي وما أن وضعت يدها على صدره حتى صرخت:
" قتلوا أبيك يا فهد...قتلوا أبيك يا فهد."
لم أصدق ولكنها الحقيقة...ضربوه حتى الموت...ضربوه حتى الموت...
دفن جاسر وجهه في كفيه وأجهش في البكاء، ولم يستطع عمير أن يتمالك نفسه هو الآخر فانسابت عبراته على وجهه.
- أبى أخي أن يمر الحادث مرور الكرام وأقسم على الانتقام رغم أن أمي حذرته من أن يفعل أي شيء فهي لن تحتمل فقده هو الآخر واضطر أخي إلى الاحتمال حتى تهدأ أمي ولكني كنت واثق أنه لن يهدأ وحتماً سيفعل شيئاً لهذا كنت معه في كل مكان لم أرد أن أتركه وحده أبداً، ومر عامين وتصورت أن أخي قد تأقلم على الوضع ولم يعد يعنيه الانتقام في شيء وفي صباح يوم سلم علينا فهد واحتضننا جميعا وهذا أمر معتاد منه معنا فهكذا كان يفعل أبي وهكذا اعتاد هو الآخر ولكني شعرت بشئٍ ما؛ فقد كانت ضمته لي أقوى من المعتاد وما أن قرر الخروج حتى تشبثت بذراعه وأصررت على أن أخرج معه لم يكن يريد أن يوافق ولكني صممت فأخذني معه إلتقى بكل أصدقاءه وشعرت وكأنه يودعهم ثم طلب مني أن أشتري شيء حتى ينتهي من حديثه معهم وعندما عدت لم أجده فأخبروني أنه تركهم بعد أن غبت عنه مباشرة ، حينها تأكدت أنه سيفعل شيء وأنه أراد أن يتخلص مني. عدوت في كل مكان كالمجنون أبحث عنه دون فائدة وقبل أن أيأس جلست لأفكر ترى ماذا يمكن أن يفعل أخي؟! وما أن خطرت ببالي الفكرة حتى أسرعت إلى أقرب معبر منا وقبل أن أصل إليه سمعت إنفجار مدوي فصرخت باسم أخي
"فهد.... لا يا فهد...لا تتركنا أنت ايضاً".
فما أجابني أحد وأخذ الجميع يعدو من حولي وأنا أصر على الذهاب إلى هناك إلا أن الاوغاد أغلقوا الطريق أمامنا واطلقوا النار لنتراجع فوجدت شيخاً يجذبني
"احترس يا فتى ستصيبك الطلقات"
نظرت إليه فزعاً
"أخي ...أريد أن أطمئن على اخي"
ابتسم في وجهي بوقار
"إطمئن عليه يا ولدي ....فهو شهيد"
حدقت في وجهه مذهولاً "ما هذا الذي يقول...هل يقصد أن..؟!"
صرخت بكل ما أوتيت من قوة
"فهد"
توقف جاسر عن الروي ومسح عبراته بكفه وكذلك فعل عمير الذي رفع رأسه ناظراً لجاسر:
- إذاً أخيك ممن نفذوا العمليات الانتحارية.
عقد جاسر حاجبيه ناظراً لعمير وقال بنبرة غضب:
- أخي لم ينتحر..... أخي قاتل في سبيل الله ليقتل من قتلوا أبي... ومن يحتلون أرضنا ...أخي قام بعملية استشهادية وليست انتحارية.
- أسف يا جاسر لم أقصد.... نعم عملية استشهادية هذا صحيح...هذا هو اسمها الصحيح.
هدأ جاسر قليلاً فقال عمير:
- ماذا حدث بعد ذلك؟!!
تنهد جاسر بعمق قائلاً:
- لم تحتمل أمي... وتصورت أني سأفعل المثل أو أنهم سيقبضون علي فأرسلت لخالي القاطن بأنجلترا فاستجاب على الفور وأرسل لنا جميعاً التأشيرات اللازمة وتذاكر السفر ، رغم أنني رفضت وتصورت أنني بهذا أكون جبان ولكن أمي أصرت ورددت" لم يعد لنا رجل سواك الان ورعايتك لنا جهاد في سبيل الله فلا تزيد همي وحزني " وكم أحب أمي ولا أحب أن أسبب لها الحزن أو الالم فانصعت لأمرها ومنذ ذلك الحين ونحن نعيش في انجلترا، وها أنا ذا.
وضع عمير كفه على كتف جاسر مواسياً:
- يا الهي..... لقد رأيت الكثير في حياتك.
- صدقني يوجد بيوت كثيرة في فلسطين مثلنا، ولكنهم لم يتركوا فلسطين. و هناك من فقد أيضاً الام والابنة .ولا أعتقد أنه يوجد بيت في فلسطين بلا شهيد أو معتقل في أيدي هؤلاء الطغاة.
- أصدقك..وكم أشعر بالألم أني لا استطيع عمل شيء.
هز جاسر رأسه متفهماً فقال عمير:
- ولكن مهلاً...أعتقد أنه يمكنني أن أفعل شيء.
نظر له جاسر متسائلاً فوقف عمير:
- ألم تقل أني أشبه أخيك، إذاً فاسمح لي أن أتجرأ وأطلب منك أن تعتبرني أخيك بكل ما في الكلمة من معان وأعدك إن وافقت أن أوفيك كل حقوق التي تكون بين الأخوه.... فهل تقبلني لك أخ يا جاسر.
ابتسم جاسر في تأثر فقال عمير:
- اعلم أني لن أكون عندك كفهد.... ولن استطيع، ولكن تخيل أن لك أخ آخر غير فهد أتحب أن يكون هذا الشخص أنا؟!
اتسعت ابتسامة جاسر وأومأ برأسه إيجاباً فأوقفه عمير وضمه إلى صدره في فرح قائلاً:
- أشكرك يا جاسر....لا....من الان فصاعداً سأناديك أخي ، أنا ليس لي أخوه ذكور وبالتالي فأنت أخي الوحيد ولهذا أريدك أنت أيضاً تناديني دائماً بأخي...متفقين.
نظر له جاسر بعينان تترقق بالدمع قائلاً:
- متفقين يا عمير...
- ماذا ...قلت؟!
- أقصد يا ..أخي.
وضحكا معاً.