اللغة ............ هي عالم الشعر وسكن الشاعر ، وهي في ذات الوقت أداته ووسيلته التعبيرية الأولى ، هي المادة التي صنع ونحت منها عالمه ، وبنى مسكنه .
باللغة ... ومن خلفها الوجدان، والفكر، وكل ماديات الحياة.,,,, يؤسس الشاعر شعره ، ويحقق ذاته الفنيه ، يصب فيها ذوب عواطفه وانفعالاته ، ويستقطر تجاربه ومسيرته الأدبية وتجربته الكاملة ، ويستحضر بها تاريخه وحاضره ومستقبله .
يناجي بها نفسه ، يسامر أصحابه ، يصنع حلمأ لمحبوبته ، ويلون الحياه بأكثر من ألوان الطيف .
فاللغة شعراً .... هي الشاعر والتاريخ والمجتمع والحضارة والفكر .
ومن هنا انطلق الشراح والنقاد وعلماء الأدب بالشعر ولغته ، ولأنها هي : الغاية والوسيلة ، المادة والصورة ، الشكل والمضمون .
فإذا كانت اللغة العربية لغة شعرية أساساً !!!! فإن الإهتمام بها دراسةً ونقداً.. أكبر وأظهر حين تكون الأصابع موجهة نحو الشعر عن غيره من أجناس الأداب الأخرى .
كل المقاربات التي تصدت للشعر -قراءة- وتذوقأ - وتحليلاً -وتقييماً - انطلقت من اللغة (لغة الشعر ) وأعتمدتها معيارأ في التحليل والمقارنة .
ومع ذلك ..............
لم تخل هذه اللغة من العيوب أو المشاكل ، ولم تبرأ من إخفاقات تتعلق بغضية الإيصال والتلقي وهي عيوب ومشاكل ليست بظهر اللغة ، وإنما هي متأتية من كيفية الإستعمال والتناول ، بمعنى أنها عائده الى الشاعر أو المتلقي وليس إلى اللغة .
فالبناء الثقافي للشاعر والجمهور كل على حده وطرائق إستخدام اللغة بينهما ... هو مايحدد كثافة هذه المشاكل والعيوب بكلا الإتجاهين قلةٍ وكثرة .
فالشاعر من جهته - ونقصد الشاعر المثقف الواعي- قد دخل خصوصية الحساسية الأدبية والحضارية الجديدة ، كمرافقة منه ومواكبة للخط الأدبي والثقافي العام .
وبدأت قصائده تأخذ ُبعداً لغوياً ورمزياً جديداً ، وبات بعيداً عن النموذج المثالي الموجود فرضاً في ذائقة المتلقي ، وأصبح الشاعر ينسج قصيدته بخيوط ومخارز جديدة نابذأ التقليدية وسائراً نحو محاكات حركات التجديد في كل مظاهر الأدب العامه .
وإذا كان النقاد قالوا: (( إذا كان الوضوح ممكناً ... فإن الغموض عجز )) فمن هنا جاءت تلك المشاكل والعيوب بين الإيصال والتلقي ، بين الشاعر والجمهور .
حيث أن الراصد لنماذج وتجارب الشعر الجديد يرى .... أنه يتسم وفي معظمه بالغموض والإبهام ، وتجاوز الغوالب المألوفة شكلاً ومضموناً في البناء والصياغة وتوظيف اللفظة (المفرده ) .
وأصبح المتلقي يجد صعوبة واضحة في التوصل والتواصل مع الشاعر ومع مايطرح من عدة مستويات مثل ... المستوى اللغوي ، والنحوي ، والتركيب ، وصولاً الى الخيال والمشاركة .
فالغموض الذي يراه أهل الأدب أنه يعزز التجربة من خلال الممارسة الشعرية .... فإنه يقطع كثيراً من خيوط التواصل ، ويسد الكثير من نوافذ المشاركة الإبداعية بين الشاعر والمتلقي .
وإذا كنا نعتقد أن حالة التلقي هي .. حالة شعورية كحالة الشاعر تماماً ، وهي موقف فكري ووجداني من النص الشعري !!! فإنه حريُ بنا أن نجعل منها أساساً لبناء القصيدة التي نود أن نرسلها له أو نخاطبه بها .
ونتجنب .....؟
تلك النصوص التي تجنح إلى الخيال وتغرق في التعميم حتى تبتعد عن المتلقي وتخلق بينها وبينه فجوة كبيرة ينتج عنها سوء فهم وتفاهم ليس في مصلحة الشاعر ولا المتلقي .
يحدث ذلك عندما .............
تغيب اللغة المشتركة ، وعندما يرى الشاعر أن النزول إلى مستوى القارئ العادي عيباً عليه ، أو يعجز المتلقي عن الإرتفاع إلى مستوى إبداعية الشاعر وتحديثه ، فيختل التوازن وتفقد المعادلة التواصلية قوتها وتنهار . فيصبح كل منهما على جهة مخالفة للآخر .