لقد نهى الله ورسوله عن الذبح لغير الله، وعدّ ذلك من نواقض الإسلام البينة، ومن مبطلاته الواضحة، فقال عز من قائل: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"1، وقال: "فصَلِّ لربك وانحر"2، وقال: "ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وإنه لفسق"3، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ذبح لغير الله فقد أشرك" الحديث، ولا تفيد التسمية ما ذُبح لغير الله شيئاً.
لقد كثر الذبح لغير الله في هذا العصر وتنوع، فعلى المسلمين أن يحذروا من أكله وتعاطيه، فإنه من المحرمات الخبائث.
الذبح لغير الله له أسباب عديدة، فمن الناس من يذبح نذراً أوتقرباً لبعض المشايخ، أحياء وأمواتاً، ومنهم من يذبح للجن والشياطين من حيث يشعر أولا يشعر، ومنهم من يذبح خوفاً من إصابة العين أوحدوث مكروه، ومنهم من يذبح للملوك والرؤساء إذا مروا عليهم أوجاءوا بناحيتهم، وهكذا، وإليك بعض الصور والنماذج لذلك:
1. الذبح نذراً وتقرباً لبعض المشايخ الأحياء والأموات، فمن النساء من تنذر للشيخ إذا رزقت مولوداً أن تذبح ذبيحة أياً كان نوعها، أوإذا شفى مريضها، أونجح وليدها، وهكذا.
2. الذبح طاعة للشياطين كما يحدث في حلقات "الزار"، حيث يطلب الشيطان على لسان البعض أن تذبح شاة بوصف معين، وقد يأمر بشرب كوب من دمها المسفوح، وسرعان ما تنفذ مثل هذه الطلبات.
3. إذا ارتحل الإنسان في دار جديدة خشية أن يصيبه مكروه أوعين.
4. إذا افتتح مصنعاً أومحلاً تجارياً خشية أن يصيبه مكروه أوعين.
5. إذا اشترى مركبة جديدة خشية أن يصيبه مكروه أوعين.
6. إذا حضر رئيس أوشيخ طريقة في قرية أومحلة من المحلات أوحي من الأحياء.
7. في حفلات تأبين الأموات، بعد الثلاثة، أوالأربعين، أوالسنة.
8. ما يذبح في حوليات المشايخ سنوياً.
9. ما يذبح في الأعياد البدعية.
10. ما يعقره بعض الأعراب من باب التفاخر والسمعة والرياء.
11. ما يذبح في أعياد الكفار.
قال الإمام الشاطبي المالكي4 رحمه الله وهو يجيب على تساؤل: كيف يتأتى قصد الشارع الإخلاص في الأعمال العادية وعدم التشريك فيها؟: (قيل معنى ذلك أن تكون معمولة على مقتضى المشروع، لا يقصد بها عمل جاهلي، ولا اختراع شيطاني، ولا تشبه بغير أهل الملة، كشرب الماء والعسل في صورة شرب الخمر، وأكل ما صنع لتعظيم أعياد اليهود والنصارى، وإن صنعه المسلم، أوذبح على مضاهاة الجاهلية، وما أشبه ذلك مما هو نوع من تعظيم الشرك، كما روى ابن حبيب عن ابن شهاب أنه ذكر له أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي أجرى عيناً، فقال له المهندسون عن ظهور الماء: لو أهرقت عليها دماً كان أحرى أن لا تغيض، ولا تهور فتقتل من يعمل فيها؛ فنحر جزائر5، حين أرسل الماء فجرى مختلطاً بالدم، فأمر فصنع له ولأصحابه منها طعاماً، فأكل وأكلوا، وقسم سائرها بين العمال فيها؛ فقال ابن شهاب: بئس والله ما صنع، ما حل له نحرها ولا الأكل منها، أما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يذبح للجن"؛ لأن مثل هذا وإن ذكر اسم الله عليه مضاهاة لما ذبح على النصب، وسائر ما أهل لغير الله به.
وكذلك جاء النهي عن "معاقرة الأعراب"6، وهي أن يتبارى الرجلان فيعقر كل واحد منهما، يجاود به صاحبه، فأكثرهما عقراً أجودهما، نهى عن أكله لأنه مما أهل لغير الله به.
قال الخطابي: وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان بحضرة الملوك والرؤساء عند قدومهم البلدان، وأوان حوادث تتجدد لهم، وفي نحو ذلك من الأمور.
وخرج أبوداود7: "نهى عليه الصلاة والسلام عن طعام المتبارين أن يؤكل، وهما المتعارضان ليرى أيهما يغلب صاحبه؟ وهذا وما كان نحوه إنما شرع على جهة أن يذبح على المشروع يقصد مجرد الأكل، فإذا زيد فيه هذا القصد كان تشريكاً في المشروع، ولحظاً لغير أمر الله تعالى، وعلى هذا وقعت الفتية من ابن عتاب بنهيه عن أكل اللحوم في النيروز، وقوله فيها مما أهل لغير الله به، وهو باب واسع).
ويلحق بذلك ما يصنعه البعض من تقديم "بليلة"، أو"زلابيا"، أو شاي وتمر، ويرسولونه إلى المساجد والخلاوي، فيغلب على الظن أن أغلبه يتقرب به لغير الله، فلابد من التحوط والتثبت قبل الأكل.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من سد جميع الذرائع التي قد تؤدي إلى فساد العقائد، وعلى آله وصحبه الطاهرين الطيبين، وعنا معهم بعفوك وجودك يا كريم.