رغم دخول المرأة العديد من المجالات الصعبة، علمية كانت أو اقتصادية أو غيرها. تشير الدراسات إلى أن نسبة إقبالها على تعلم علوم الكمبيوتر لا تتجاوز 17 % من نسبة الخريجين في الجامعات الأميركية.
وهذا الرقم لا يشير فقط إلى قلة إقبال المرأة على هذا المجال، أو حتى على ما تواجهه من صعوبة الانتساب إليه. بل هو مؤشر على غياب المرأة عن مستقبل هذا العلم وعدم لعبها لدور حقيقي فيه.
وتشير الإحصائيات في أميركا التي تتصدر الصناعة التكنولوجية منتجاتها، إلى أن أقل من واحد من أربعة من درجات التعليم العالي في علم الكمبيوتر تذهب إلى المرأة، علما بأن هذه النسبة قد تنخفض في المستقبل.
ومن جهة أخرى، فالنساء غير مهتمات حقا في الإقبال على صناعة التكنولوجيا، فغالبية البرامج الحوسبية من صنع الرجل.
ولدى التساؤل حول هذه الظاهرة يشير علماء الاجتماع إلى عدة عوامل منها، غياب المرأة تقريبا عن الصناعة الرقمية، أو العمل في تحليل النظم مثلا، الأمر الذي يعود إلى سياقات اجتماعية وحضارية كاملة، كرست نمطية في النظر إلى المرأة في مواقع علمية وعملية معينة، وعدم استساغة حضورها في مواقع أخرى.
ويزيد علماء الاجتماع أن المرأة أحيانا تشتبك مع ذاتها وتقييمها لأدائها، ومن دون وعي منها مع النظرة الذكورية والمجتمعية لها.
وعادة ما ينظر للمرأة على أنها أقل قدرة على الفهم وعلى تشغيل الأجهزة والمعدات، كما أن الأمية المنتشرة في العالم بين فئة النساء خاصة، تعتبر العائق الأول لاستفادة المرأة من تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، بالإضافة إلى أن هناك أعدادا كبيرة من النساء تنقصهن الموارد اللازمة المالية لاقتناء الأجهزة التكنولوجية وشبكة المعلومات واستخدامها، هذا إلى جانب أن مجرد وجود التكنولوجيا في حد ذاته لا يكفي لتحقيق الاستفادة منها للجميع؛ فهناك فرق بين الوصول للتكنولوجيا والحصول عليها، والقدرة على استخدام المعلومات.
لذلك نجد عدد النساء في عالم برامج الحاسوب وعالم الأرقام والبيانات قليل بشكل عام، أو لنقل أقل من الرجل، بل ويمكن التوصل إلى نتيجة مفادها أنهن أقل كفاءة وتعلما في المجال التقني للكمبيوتر، وحتى أنهن أقل حضورا في عالم الإنترنت.
ولازال عالم الكمبيوتر يخص الرجال، الذين يديرون عملية برمجة البيانات والنظم ودوائر الاتصالات في معظم الشركات، ويسيطرون على صناعة أجهزة الكمبيوتر نفسها.
وكثير من النساء في المنزل أو العمل ما زلن يستعن بالرجال لإصلاح عطل بسيط أو خلل ما أثناء عملهن على الكمبيوتر، وهنا لابد للمرأة أن تعي أهمية الحصول على أكبر قدر من المعرفة، حتى لا تبقى في آخر الركب في المستقبل.
المحللة النفسية مارغريت ويرثيم دعت المرأة في مقال لها في مجلة "غلامور" إلى أن تتورط أكثر في عالم الكمبيوتر. ليس من أجل الوظيفة فقط، ولكن لأجل المشاركة الفعلية والحقيقية في القرارات العامة التكنولوجية التي باتت تصيغ العيش اليومي.
وتخلص الباحثة في علم النفس إلى أن العديد من النساء قد وجهن إلى الشعور بعدم الراحة في استخدام التكنولوجيا؛ بل وإن بعضهن بتن مقتنعات تماما بعدم قدرة المرأة على التعامل مع جهاز الكمبيوتر. ولكنها ستكون مأساة حقيقية تعيق تطور المرأة في العالم إن بقيت أسيرة للجهل في هذا الحقل المعرفي.
وفي الواقع أن قيادة السيارات أكثر خطورة من استخدام الكمبيوتر، ولكن المرأة على علم بحاجتها للقيادة فهي تقبل على تعلمها. والأمر نفسه ينبغي أن ينطبق على الكمبيوتر. بالطبع قد تحصل الحوادث والاصطدامات مثلما يحدث في القيادة تماما. ولكن بالنتيجة لن تقضي المرأة حياتها في البيت خوفا من القيادة، وكذلك الحال فيما يتعلق بالكمبيوتر الذي يعد شكلا من العضلات التكنولوجية، لا بد من التمرن لتقويتها.
هناك حياة كاملة يمكن تنظيمها وعيشها من خلال العالم الذي يقدمه الكمبيوتر، حيث الإنترنت، وبرامج التصميم الغرافيكي والفنون المختلفة، وبرامج المحاسبة التي تستطيع المرأة الاستفادة منها في تنظيم حساباتها ودخلها ومصاريف المنزل ووضع ميزانية شاملة.
ومن المعروف جداً أن كثير من النساء في دول العالم النامي يعملن في مجال المشاريع الصغيرة. وهنا تساعد تكنولوجيا المعلومات والاتصال في تطوير تلك المشاريع. فهي تقلل من تكاليف المعاملات التجارية وتروج للإنتاج تلك المشاريع في أسواق وفضاءات جديدة.
وتستطيع المرأة عبر الانترنت أيضا تجاوز بعض المعيقات الاجتماعية باعتبار أنها تصبح غير ملزمة بالسفر أو الانتقال لتسويق منتوجاتها أو اقتناء المواد الأولية. وتوفر بالتالي الوقت والمال والجهد. وقد تم تسجيل حالات نجاح كثيرة في استخدام التجارة الإلكترونية في مجال الملابس والمخابز والمنتجات اليدوية.
ولا زالت بعض المجالات كالتكنولوجيا أو تكنولوجيا المعلومات وبالتحديد هندسة الكمبيوتر ومنها الصيانة والشبكات حكرا على الرجل فقط. ولا نقول بأنه لا توجد نساء في هذا المجال ولكن قليلات برزن في هذا المجال.
ولا يعود ذلك لعدم قدرة المرأة و قصورها في تعلم أو فهم وإتقان العمل في مجال كهذا أو غيره. وإنما يعود للنظرة القاصرة للمرأة وإمكانياتها وذكاءها وقدرتها على البروز فيه من الناحيتين العلمية والعملية.
ويوفر الانترنت للمرأة أيضا فرص عمل جديدة تتلاءم وإمكانياتها ومؤهلاتها وتفسح لها المجال لتنمي قدراتها وتزيد من مهاراتها. إن أقل ما يقال عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إنها تبعد المرأة عن التهميش وتوفر لها حيزا واسعا من المرونة في كل زمان ومكان، مما يساعدها على تحقيق فرص المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية تماما، ومن ناحية أخرى ففي البلدان تستخدم المرأة الإنترنت مثلا لأغراض عملية مثل الاستفسارات الصحية ورعاية الأطفال ووضع الخطط المالية للأسرة والاستفسارات القانونية والتعليم عن بعد وغيره. وهو ما يتطلب مشاركة المرأة في وضع وتصميم محتوى البرامج التكنولوجية بما يحقق استفادة المرأة من التجارة الإلكترونية، والتدريب عن بُعد، وتنمية المشروعات الصغيرة والمعلومات الصحية والقانونية التي تحتاجها الأسرة.
تحتاج المرأة أن تكون أكثر ثقة بنفسها وقدرتها على استخدام الكمبيوتر وأدواته كافة، فهي بذلك تستطيع التواصل مع شبكة أكبر في محيط العمل والحياة الاجتماعية. كما أن المهارة في استخدام الكمبيوتر هي أحد أسباب زيادة فرص العمل.
فتكنولوجيا المعلومات تعد أداة رئيسية لتمكين المرأة من اقتحام مجالات العمل، والانتقال والتواصل وتجاوز المعيقات الثقافية والاجتماعية، التي تحول دون مشاركتها في العديد من أشكال الحياة. إعداد: نوال العلي