وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله . لا يعلم ما في غدِ إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله . ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله تبارك وتعالى) الحديث رواه البخاري ومسلم .
الشرح : ما يختص الله جل وعلا به هو الغيب الذي سيأتي ، الذي لم يقع بعد فهذا لله جل وعلا .
الغيب الماضي علمه بعض الناس أن رأته الجن ، لهذا يحصل من العرافين أنهم يستدلون على مكان المسروق مع أنه غيب بالنسبة للناس لكن لا يدخل هذا في ادعاء الغيب لأنهم تخبرهم الجن بمكانهم فهو ليس من الغيب الذي اختص الله جل وعلا به ، والله جل وعلا قال : (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)(الأنعام: من الآية59)) ، وهذا هو الغيب الذي يكون في المستقبل والقدر القادم لا يعلمه على ما سيقع عليه من هيئته وصفاته وزمانه ومكانه وقدره إلى أخر ذلك إلا الرب سبحانه وتعالى .
فالحديث في إثبات علم الرب جل وعلا بما سيكون . وعلم الله جل وعلا المختص به في أشياء حادثة لا يعلمها إلا هو كعلم مافي الأرحام ، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله جل وعلا .
وعلم ما في الأرحام المختص به الله جل وعلا يشمل كل ما في الأرحام من جنين ومن حالته وحال الرحم وغيب الرحم وازدياده وإتيان الغذاء والدم وقلة ذلك وترقي الجنين في خلقه ، يعني على هذه التفاصيل هذه لا يعلمها إلا الله جل وعلا فإن الإنسان مهما وصل علمه فإنه لا يستطيع أن يعلم ذلك على وجه التفصيل في كل ما يحصل .
ولهذا كلمة ( ما ) في آية (لقمان) في قوله : ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ)(لقمان: من الآية34)) هذه عامة ، بمعنى الذي ، والأسماء الموصولة كما هو معلوم تعم ما كان في حيز صلتها ، فقوله : ( ويعلم ما في الأرحام ) يعني : الذي هو كائن في الأرحام ، فكل ما يكون في الرحم يعلمه سبحانه . وأما معرفة هل الذي في الرحم جنين هل هو ذكر أو أنثى فهذا يختص بالله جل وعلا في ما قبل نفخ الروح وأما ما بعد نفخ الروح فإنه يخرج عن العلم المختص بالله جل وعلا لأنه قد ثبت في صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن النطفة إذا صارت في الرحم أتى الملك بعد أربعين ، قال له الله جل وعلا : أكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد وذكر أم أنثى ) ، وفي رواية : ( يقول الملك : أي رب شقي أو سعيد ؟ فيأمر الله ويكتب الملك . ثم يقول : أي رب ذكر أو أنثى ؟ فيأمر الله ويكتب الملك ) فيعلم الملك بعد مضي هذه المدة هل هو ذكر أو أنثى ؟
قال طائفة من العلماء : كان بعض الناس يعلم إذا رأى بطن المرأة يعلم ما فيها هل هو ذكر أم أنثى ؟إما بدلائل وإما بكشف يعني : يكشف من باب الكرامات ، أو بدلائل يستدل بها إما بشكل البطن أو الحركة أو غير ذلك .
المقصود : أن ما في الأرحام عامة في التفاصيل ومسألة هل ما فيه ذكر أم أنثى هذه خاصة ليست هي كل ما يدل عليه اختصاص الله بعلمه بما في الأرحام ، ومعناها وضابطها ما ذكرنا . والباقي واضح إن شاء الله .
أصول الإيمان لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله