استايل سارة الفهد جديد

مساحات إعلانية

يرجى من يملكون حسابات على الهوت ميل ان يبحثوا عن الرسالة بالجنك ميل
استرجاع كلمة المرورر | طلب كود تفعيل العضوية  | تفعيل العضوية

نعتذر عن حذف وايقاف اي عضو يستخدم بريد وهمي او غير صحيح او اسم غير لائق على ذلك جرى التنبيه

ويرجى التأكد من صحه الايميل لكي تصلك رساله التفعيل عند التسجيل


العودة   منتديات صمت الليالي > (¯`·._.·( المنتديات الادارية)·._.·°¯) > إرشيف صمت الليالي

إرشيف صمت الليالي قسم مختص بالمواضيع المتكرره والمواضيع القديمه



رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 03-02-2007, 05:29 PM   #1 (permalink)
*~*عضوه لجنة التكريم *~*
 
الصورة الرمزية rahaf




المستوى : 77
معدل التفاعل: 2866 / 2866
معدل الاستجابة: 5843 / 14505
معدل التالي: 42%

rahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud ofrahaf has much to be proud of

افتراضي شرح حديث جبريل في تعليم الدِّين

[color=#800080][size=4] السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


شرح حديث جبريل في تعليم الدِّين

تأليف: عبد المحسن بن حمد العباد البدر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رضي لنا الإسلامَ ديناً، وأتَمَّ علينا النِّعمةَ وأكملَ لنا الدِّين، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، الملِك الحقّ المبين، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله الذي بعثه الله رحمة للعالَمين، فأدَّى الأمانة ونصح الأمَّة وبلَّغ البلاغَ المبين، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومَن سلك سبيلَه واهتدى بهديه إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد، فقد كنت منذ فترة طويلة راغباً في كتابة شرح مستقلٍّ لحديث جبريل المشتمل على بيان الإسلام والإيمان والإحسان، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في نهايته: "هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينَكم"، وقد تحقَّق ذلك بفضل الله بإخراج هذا الشرح في هذا العام (1424هـ)، وقد جاء عن جماعة من أهل العلم بيان عظم شأن هذا الحديث، قال القاضي عياض كما في شرح النووي على صحيح مسلم (1/158): "وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إنَّ علومَ الشريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه، قال: وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألَّفنا كتابنا الذي سمَّيناه بالمقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان؛ إذ لا يشذ شيءٌ من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاثة، والله أعلم".



وقال النووي (1/160): "واعلم أنَّ هذا الحديث يجمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام، كما حكيناه عن القاضي عياض".
وقال القرطبي كما في الفتح (1/125): "هذا الحديث يصلح أن يُقال له أم السنَّة؛ لِمَا تضمَّنه من جُمل علم السنَّة".
وقال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين: "فهو كالأمِّ للسنَّة، كما سُمِّيت الفاتحة أم القرآن؛ لِمَا تضمَّنته من جمعها معاني القرآن".
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/97): "وهو حديث عظيم يشتمل على شرح الدِّين كلِّه، ولهذا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في آخره: "هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم"، بعد أن شرح درجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كلَّه ديناً".
وقد سَمَّيته "شرح حديث جبريل في تعليم الدِّين".
وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن ينفع به، وأن يوفِّق الجميع لتحصيل العلم النافع والعمل به، إنَّه سميع مجيب.



روى الإمام مسلم في صحيحه (8) بإسناده عن يحيى بن يَعمر قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد ابن عبد الرحمن الحميري حاجَّين أو معتمرَين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عمَّا يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يَمينه والآخر عن شماله، فظننت أنَّ صاحبي سيَكِل الكلامَ إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنَّه قد ظهر قِبَلَنا ناسٌ يقرؤون القرآن ويتقفَّرون العلمَ، وذكر من شأنهم، وأنَّهم يزعمون أن لا قَدر، وأنَّ الأمرَ أُنُف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرْهم أنِّي بريء منهم، وأنَّهم بُرآء منِّي، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أنَّ لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه ما قَبل الله منه حتى يؤمنَ بالقدر، ثم قال: "حدَّثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طَلَعَ علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر ولا يعرفه منَّا أحدٌ، حتى جلس إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأسنَد ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعتَ إليه سبيلاً، قال: صدقتَ، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمنَ بالله وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، فإن لَم تكن تراه فإنَّه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلمَ من السائل، قال: فأخبرني عن



أمَاراتِها؟ قال: أن تلدَ الأَمَةُ ربَّتَها، وأن ترى الحُفاةَ العُراة العالة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البُنيان، قال: ثمَّ انطلق فلبثت مليًّا ثم قال لي: يا عمر أتدري مَن السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمُكم دينَكم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ حديث جبريل من هذه الطريق وبهذا اللفظ صدَّر به الإمام مسلم كتاب الإيمان الذي هو أول كتب صحيحه، وأوَّل حديث في صحيح البخاري حديث عمر رضي الله عنه: "إنَّما الأعمال بالنيَّات"، وقد صدَّر البغوي كتابيه مصابيح السنة وشرح السنة بأوَّل حديث في صحيح البخاري، وثنَّى بهذا الحديث الذي هو أوَّل حديث في صحيح مسلم، وتبعه على ذلك النووي في الأربعين، وتقدَّم في المقدِّمة ذكر أقوال بعض أهل العلم في بيان منزلة هذا الحديث وعظم شأنه.
2 ـ الحديث من مسند عمر، انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري، وخرَّجه أيضاً كما في التعليق على جامع العلوم والحكم (1/94)، ومسند الإمام أحمد (367): أبو داود (4695)، والترمذي (2610)، والنسائي (8/97)، وابن ماجه (63)، وابن منده في الإيمان (1)، (14)، والطيالسي (ص:24)، وابن حبان (168)، (173)، والآجري في الشريعة (ص:188 ـ 189)، وأبو يعلى (242)، والبيهقي في دلائل النبوة (7/69 ـ 70)، وفي شعب الإيمان (3973)، والبغوي في شرح السنة (2)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (363 ـ 367)، وعبد الله ابن أحمد في السنة (901)، (908)، والبخاري في خلق أفعال العباد (190)، وابن خزيمة (2504).
واتفق البخاري (50) ومسلم (9) على إخراجه عن أبي هريرة،



وقد رواه أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسةٌ من الصحابة، ذكرهم الحافظ ابن حجر في فتح الباري (1/115 ـ 116)، وهم أبو ذر عند أبي داود والنسائي، وابن عمر عند أحمد والطبراني وأبي نعيم، وأنس عند البخاري في خلق أفعال العباد والبزار، وقال: "وإسناده حسن"، وجرير بن عبد الله البجلي عند أبي عوانة، وابن عباس وأبو عامر الأشعري عند أحمد، وقال: "وإسنادهما حسن".
3 ـ في القصَّة التي أوردها مسلم قبل سياق الحديث عن يحيى بن يَعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري فوائد:
الأولى: أنَّ بدعةَ القول بنفي القَدَر ظهرت بالبصرة في عصر الصحابة في حياة ابن عمر، وكانت وفاته سنة (73هـ).
الثانية: رجوع التابعين إلى الصحابة في معرفة حكم ما يقع من أمور مشكلة، سواء كان ذلك في العقائد أو غيرها، وهذا هو الواجب على كلِّ مسلم أن يرجع في أمور دينه إلى أهل العلم؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}
الثالثة: أنَّه يُستحبُّ للحُجَّاج والمعتمرين أن يستغلُّوا مناسبة ذهابهم إلى الحرمين للتفقُّه في الدِّين والرجوع إلى أهل العلم في معرفة ما يُشكل عليهم من أحكام دينهم، كما حصل من يحيى بن يَعمر وحُميد بن عبد الرحمن الحميري في هذه القصة، ومن النتائج الطيِّبة التي يظفر بها مَن وفَّقه الله تفقهُه في الدِّين والسلامة من الوقوع في الشرِّ، كما في صحيح مسلم (191) عن يزيد الفقير قال: "كنتُ قد شَغَفَنِي رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عِصابةٍ ذوي عدد نريد أن نحجَّ، ثمَّ نخرجَ على



الناس، قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يُحدِّث القومَ ـ جالسٌ إلى ساريةٍ ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميِّين، قال: فقلتُ له: يا صاحبَ رسول الله! ما هذا الذي تُحدِّثون؟ والله يقول: {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}، و{كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا}، فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأُ القرآنَ؟ قلتُ: نعم! قال: فهل سمعت بمقام محمد عليه السلام، يعني الذي يبعثه فيه؟ قلتُ: نعم! قال: فإنَّه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يُخرج اللهُ به مَن يُخرج. قال: ثمَّ نعتَ وضعَ الصِّراط ومرَّ الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنَّه قد زعم أنَّ قوماً يَخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون كأنَّهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهراً من أنهار الجنَّة فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنَّهم القراطيس. فرجعنا، قلنا: وَيْحَكم! أَتَروْنَ الشيخَ يَكذِبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فرجعنا، فلا ـ والله! ـ ما خرج منَّا غيرُ رَجل واحد، أو كما قال أبو نعيم". وأبو نعيم هو الفضل بن دكين هو أحد رجال الإسناد.
فهذه العصابة جاؤوا إلى الحجِّ وقد ابتُلوا بفهم خاطئ، وهو أنَّ أصحابَ الكبائر لا يخرجون من النار، وحملوا الآيات التي وردت في الكفَّار على المسلمين أيضاً، وهذا من عقيدة الخوارج، وقد أرادت هذه العصابة أن تظهر على الناس بهذه العقيدة الباطلة بعد الحج، لكن في هذه الرحلة الميمونة وفَّقهم الله للالتقاء بجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، فأوضح لهم فساد فهمهم، فعدلوا عمَّا كانوا عزموا عليه، ولم يخرج منهم بهذا الباطل إلاَّ واحد منهم.



الرابعة: في هذه القصة أنواع من الأدب، منها اكتناف أحد هذين الرَّجلين عبد الله بن عمر، فصار واحدٌ منهما عن يمينه، وواحد عن يساره، وفي ذلك قُرب كلِّ واحد منهما منه للتمكُّن من وعي ما يقوله رضي الله عنه، ومنها مخاطبته بالكنية، وهو من حسن الأدب في الخطاب، ومنها مراعاة حقِّ الصاحب وعدم سبقه إلى الحديث إلاَّ إذا فهم منه ما يُشعر رضاه بذلك، ولعلَّ يحيى بن يَعمر رأى أنَّ صاحبَه سكت ولم يبدأ بالكلام مع عبد الله بن عمر، ففهم منه أنَّه ترك الحديث له.
الخامسة: أنَّ الاستفتاءَ وأخذَ العلم عن العالم كما يكون في حال جلوسه، يكون أيضاً في حال مشيه؛ لأنَّ هذين التابعيين سألاَ ابنَ عمر رضي الله عنهما وأجابهما على ما سألاَ وهو يمشي، وفي صحيح البخاري في كتاب العلم: "باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها"، و"باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار".
السادسة: في جواب ابن عمر رضي الله عنهما لهذين السائلَين بيان خطورة بدعة القول بنفي القدر السابق، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/103 ـ 104): "والإيمان بالقدر على درجتين:
إحداهما: الإيمانُ بأنَّ الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشرٍّ وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومَن هو منهم من أهل الجنَّة، ومن أهل النار، وأعدَّ لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنَّه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأنَّ أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
والدرجة الثانية: أنَّ الله تعالى خلق أفعال عباده كلَّها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل



السنَّة والجماعة، ويُنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثيرٌ من القدرية، ونفاها غلاتُهم، كمعبد الجهني، الذي سُئل ابنُ عمر عن مقالته، وكعمرو بن عُبيد وغيره.
وقد قال كثيرٌ من أئمَّة السلف: "ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقرُّوا به خُصموا، وإن جحدوه فقد كفروا. يريدون أنَّ مَن أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأنَّ الله قسمهم قبل خلقهم إلى شقيٍّ وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ، فقد كذَّب بالقرآن، فيكفر بذلك، وإن أقرُّوا بذلك وأنكروا أنَّ الله خلق أفعال عباده وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية، فقد خُصموا؛ لأنَّ ما أقرُّوا به حجَّة عليهم فيما أنكروه، وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء، وأمَّا مَن أنكر العلم القديم، فنصَّ الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما من أئمَّة الإسلام".
السابعة: أنَّ للشيطان في إضلال الناس وإغوائهم طريقين، فمَن كان منهم عنده تقصير وإعراض عن الطاعة حسَّن له الشهوات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حُفَّت الجنَّة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات" رواه البخاري (6487)، ومسلم (2822)، ويُقال لهذا مرض الشهوة، ومنه قوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، وأمَّا من كان من أهل الطاعة والعبادة، أتاه الشيطان عن طريق الغلوِّ فيها وإلقاء الشبهات عليه، قال الله عزَّ وجلَّ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}، وفي صحيح البخاري (4547)، ومسلم (2665) عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ



النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، فقال: "إذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم"، ويُقال لهذا مرض الشبهة، ومنه قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً}، وقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ}، وهؤلاء الذين سُئل عنهم ابن عمر وصفهم يحيى بن يعمر بأنَّهم أهل عبادة، فقال: "إنَّه ظهر قِبَلنا ناسٌ يقرؤون القرآن ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم"، وهؤلاء وأمثالهم من أهل البدع يأتيهم الشيطان لإغوائهم وإضلالهم عن طريق الشبهات.
الثامنة: جَمْعُ المفتي بين ذكر الحكم ودليله؛ فإنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذكر رأيَه في هؤلاء وبراءته منهم، ثم ساق مستدِلاًّ على ذلك حديث جبريل المشتمل على أنَّ من أصول الإيمان الإيمان بالقدر.
التاسعة: من طريقة الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ المحافظة على الألفاظ في الأسانيد والمتون، وذكر الحديث كما هو دون تقطيع أو اختصار، ولهذا ساق حديث جبريل هنا بتمامه ولم يختصره فيقتصر على ذكر الإيمان بالقدر، قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام مسلم في تهذيب التهذيب: "حصل لمسلم في كتابه حظٌّ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث إنَّ بعضَ الناس كان يفضِّله على صحيح محمد بن إسماعيل؛ وذلك لِمَا اختصَّ من جمع الطرق وجَودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريِّين فلم يبلغوا شأوه، وحفظتُ منهم أكثرَ من عشرين إماماً مِمَّن صنَّف المستخرج على مسلم، فسبحان المعطي الوهَّاب!".



4 ـ قوله: "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طَلَعَ علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر ولا يعرفه منَّا أحدٌ، حتى جلس إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأسنَد ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه"، ثم سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها، وقال بعد ذلك: "فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمكم دينَكم" فيه فوائد:
الأولى: جاء في صحيح البخاري (50) ومسلم (9) عن أبي هريرة قال: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بارزاً يوماً للناس"، وفي سنن أبي داود (4698) بإسناد صحيح عن أبي ذر وأبي هريرة قالا: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيَّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلَ له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكاناً من طين، فجلس عليه، وكنَّا نجلس بجنبتيه"، وفي هذا دليلٌ على أنَّه ينبغي للمعلِّم أن يكون على مكان مرتفع لكي يُعرف وليراه الحاضرون جميعاً، لا سيما إذا كان الجمعُ كثيراً، فيتمكَّن الجميعُ من الاستفادة منه.
الثانية: أنَّ الملائكةَ تأتي إلى البشر على شكل البشر، ومثل ذلك ما جاء في القرآن من مجيء جبريل إلى مريم في صورة بشر، ومجيء الملائكة إلى إبراهيم ولوط في صورة بشر، وهم يتحوَّلون بقدرة الله عزَّ وجلَّ عن الهيئة التي خُلقوا عليها إلى هيئة البشر، وقد قال الله عزَّ وجلَّ في خلق الملائكة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}، وفي صحيح البخاري (4857)، ومسلم (280) أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح،



ومثل الملائكة في المجيء على هيئة البشر: الجنُّ، كما ثبت في صحيح البخاري (2311) عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصَّة الذي يأتي إليه ويحثو من الطعام، وكما تأتي الجنُّ على هيئة البشر؛ فإنَّها تأتي على هيئة الحيَّات، كما في صحيح مسلم (2236).
والملائكةُ والجنُّ وهم على هيئتهم يَرون البشرَ من حيث لا يرونهم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ عن الجنِّ: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ}
الثالثة: ليس في مجيء جبريل على هيئة البشر دليلٌ لِمَا حدث في هذا الزمان من التمثيل الذي هو نوع من الكذب؛ لأنَّ جبريل تحوَّل بقدرة الله وإذنه عزَّ وجلَّ عن هيئته التي خُلق عليها وله ستمائة جناح إلى هيئة بشر.
الرابعة: في مجيء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلوسه بين يديه بيان شيء من آداب طلبة العلم عند المعلِّم، وأنَّ السائلَ لا يقتصر سؤاله على أمور يجهل حكمها، بل ينبغي له أن يسأل غيرَه وهو عالِم بالحكم ليسمع الحاضرون الجواب، ولهذا نسب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث التعليم، حيث قال: "فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم"، والتعليم حاصلٌ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه هو المباشر له، ومضافٌ إلى جبريل؛ لكونه المتسبِّب فيه، وفي صحيح مسلم (10) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلوني، فهابوه أن يسألوه"، فجاء رجل فسأله، وفي آخره قال صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل أراد أن تعلَّموا إذ لَم تسألوا".
الخامسة: لم يَرِد في الصحيحين سلام جبريل عند مجيئه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أبي هريرة وأبي ذر عند أبي داود الذي أشرت إليه قريباً:



"فأقبل رجل ـ فذكر هيئته ـ حتى سلم من طرف السِّماط، فقال: السلام عليك يا محمد، قال: فردَّ عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم".
السادسة: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/116 ـ 117): "فإن قيل: كيف عرف عمر أنَّه لم يعرفه أحدٌ منهم؟ أجيب بأنَّه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنِّه، أو إلى صريح قول الحاضرين، قلت: وهذا الثاني أولى، فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث، فإنَّ فيها: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا"، وهذه الرواية في المسند للإمام أحمد (184).
السابعة: ذكر النووي في شرح مسلم (1/157) أنَّ الضمير في "فخذيه" يرجع إلى جبريل، وقال غيرُه: إنَّه يرجع إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ في الفتح (1/116): "وفي رواية لسليمان التيمي: ليس عليه سحناء السفر، وليس من البلد، فتخطَّى حتى برَك بين يدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدُنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكذا في حديث ابن عباس وأبي عامر الأشعري: "ثم وضع يده على ركبتي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم" فأفادت هذه الرواية على أنَّ الضمير في قوله: (على فخذيه) يعود على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبه جزم البغوي وإسماعيل التيمي لهذه الرواية، ورجَّحه الطيبي بحثاً؛ لأنَّه نسق الكلام، خلافاً لِمَا جزم به النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنَّه حمله على أنَّه جلس كهيئة المتعلِّم بين يدي من يتعلَّم منه، وهذا وإن كان ظاهراً من السياق لكن وضعه يديه على فخذ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صنيع منبِّه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لِمَا ينبغي للمسؤول من التواضع والصَّفح عمَّا يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنَّه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره ليقوى الظنُّ بأنَّه من جُفاة الأعراب، ولهذا تخطَّى



الناسَ حتى انتهى إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم"، وفي سنن النسائي (4991) أنَّه وضع يده على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
5 ـ قوله: "وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعتَ إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه"، فيه فوائد:
الأولى: أجاب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جبريل عندما سأله عن الإسلام بالأمور الظاهرة، وعندما سأله عن الإيمان، أجابه بالأمور الباطنة، ولفظَا الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا جُمع بينها في الذِّكر فُرِّق بينها في المعنى، وقد اجتمعا هنا، ففُسِّر الإسلام بالأمور الظاهرة، وهي مناسبة لمعنى الإسلام، وهو الاستسلام والانقيادُ لله تعالى، وفسِّر الإيمان بالأمور الباطنة، وهي المناسبة لمعناه، وهو التصديق والإقرار، وإذا أُفرد أحدُهما عن الآخر شمل المعنيين جميعاً: الأمور الظاهرة والباطنة، ومن مجيء الإسلام مفرداً قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، ومن مجيء الإيمان مفرداً قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، ونظير ذلك كلمتَا الفقير والمسكين، والبر والتقوى وغير ذلك.
الثانية: أوَّل الأمور التي فُسِّر بها الإسلام شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وشهادة أنَّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهاتان الشهادتان متلازمتان، وهما لازمتان لكلِّ إنسيٍّ وجنيٍّ من حين بعثته صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، فمَن لم



يؤمن به صلى الله عليه وسلم كان من أصحاب النار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمَّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار" رواه مسلم (240).
وشهادة أن لا إله إلاَّ الله معناها لا معبود حقٌّ إلاَّ الله، وكلمة الإخلاص تشتمل على ركنين: نفي عام في أولها، وإثبات خاص في آخرها، ففي أوَّلها نفي العبادة عن كلِّ من سوى الله، وفي آخرها إثبات العبادة لله وحده لا شريك له، وخبر "لا" النافية للجنس تقديره "حق"، ولا يصلح أن يُقدَّر "موجود"؛ لأنَّ الآلهة الباطلة موجودةٌ وكثيرة، وإنَّما المنفيُّ الألوهية الحقَّة، فإنَّها منتفيَةٌ عن كلِّ من سوى الله، وثابتة لله وحده.
ومعنى شهادة أنَّ محمداً رسول الله، أن يُحبَّ فوق محبَّة كلِّ محبوب من الخلق، وأن يُطاع في كلِّ ما يأمر به، ويُنتهى عن كلِّ ما نهى عنه، وأن تُصدَّق أخباره كلُّها، سواء كانت ماضيةً أو مستقبلةً أو موجودةً، وهي غير مشاهدة ولا معاينة، وأن يُعبد الله طبقاً لِمَا جاء به من الحقِّ والهدى.
وإخلاصُ العمل لله واتّباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هما مقتضى شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، وكلُّ عمل يُتقرَّب به إلى الله لا بدَّ أن يكون خالصاً لله ومطابقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فُقد الإخلاصُ لم يُقبل العمل؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}، وقوله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته



وشركه" رواه مسلم (2985)، وإذا فُقد الاتِّباع رُدَّ العمل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718)، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وهذه الجملة أعمُّ من الأولى؛ لأنَّها تشمل مَن فعل البدعة وهو مُحدثٌ لها، ومَن فعلَها متابعاً لغيره فيها.
ولا يُقال: إنَّ العمل إذا كان خالصاً لله، ولَم يكن مبنيًّا على سنَّة، وكان قصدُ صاحبه حسناً أنَّه محمود ونافعٌ لصاحبه، ومِمَّا يدلُّ على ذلك أنَّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال للصحابيِّ الذي ذبح أضحيتَه قبل صلاة العيد: "شاتُك شاة لحم"، فلَم يعتبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحية؛ لأنَّها ذبحت قبل ابتداء وقت الذبح الذي يبدأ بعد صلاة العيد، والحديث أخرجه البخاري (5556) ومسلم (1961)، وقد قال الحافظ في شرحه في الفتح (10/17): "قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أنَّ العمل وإن وافق نيَّة حسنة لَم يصح إلاَّ إذا وقع على وفق الشرع".
وفي سنن الدارمي (1/68 ـ 69) أنَّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقف على أناس في المسجد متحلِّقين وبأيديهم حصى، يقول أحدُهم: كبِّروا مائة، فيكبِّرون مائة، فيقول: هلِّلوا مائة، فيُهلِّلون مائة، ويقول: سبِّحوا مائة، فيُسبِّحون مائة، فقال: "ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعُدُّوا سيِّئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحكم يا أمَّة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابةُ نبيِّكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لَم تَبْلَ، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده! إنَّكم لعلى مِلَّة هي أهدى من ملَّة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا



عبد الرحمن! ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يُصيبه"، وهذا الأثر أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (2005).
الثالثة: أهمُّ أركان الإسلام الخمسة بعد الشهادتين الصلاة، وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّها عمود الإسلام، كما في حديث وصيَّته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، وهو الحديث التاسع والعشرون من الأربعين النووية، وأخبر أنَّها آخر ما يُفقد من الدِّين، وأوَّل ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (1739)، (1358)، (1748)، وأنَّ بها التمييز بين المسلم والكافر، رواه مسلم (134).
ومِمَّا يدلُّ على أهميَّة شأن الصلاة أيضاً أنَّ الله فرض الصلوات الخمس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وهو في السماء، كما جاء ذلك في أحاديث الإسراء، وأنَّ أهلَ سَقَر يُجيبون عن أسباب دخولهم سقر بقولهم: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} الآيات، وأنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، وهي من آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أمِّ سلمة: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: الصلاة وما ملكت أيمانكم، فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه"، وعن أنس بن مالك قال: "كانت عامة وصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: الصلاة وما ملكت أيمانكم"، وعن علي بن أبي طالب قال: "كان آخر كلام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: الصلاة وما ملكت أيمانكم"، وهي أحاديث صحيحة، رواها ابن ماجه (1625)، (2697)، (2698)، وغيرُه.
وأيضاً فإنَّ الله لَمَّا ذكر صفات المؤمنين في سورتي المؤمنون والمعارج



بدأها بالصلاة وختمها بالصلاة، فقال في سورة المؤمنون: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، وقال في آخرها: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، وقال في سورة المعارج: {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ}، وقال في آخرها: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}
وإقامة الصلاة تكون على حالتين: إحداهما واجبة، وهو أداؤها على أقلِّ ما يحصل به فعل الواجب وتبرأ به الذِّمَّة، ومستحبَّة، وهو تكميلها وتتميمها بالإتيان بكلِّ ما هو مستحبٌّ فيها.
وهذه الصلوات الخمس لازمةٌ لكلِّ بالغ عاقل من الرِّجال والنساء، ما دامت الروح في الجسد، ويجب على الرِّجال أداؤها جماعة في المساجد، ويدلُّ لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب فيُحطب، ثمَّ آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدُهم أنَّه يجد عرقاً سميناً أو مرماتَين حسنتين لشهد العشاء" رواه البخاري (644)، ومسلم (651) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أثقلَ صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْواً، ولقد هممتُ أن آمرَ بالصلاة فتُقام، ثمَّ آمرَ رجلاً فيصلِّي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاةَ فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" رواه البخاري (657)، ومسلم (651) عن أبي هريرة.
وروى مسلم في صحيحه (654) عن ابن مسعود قال: "مَن سرَّه أن يلقى اللهَ غداً مسلماً فليُحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادَى



بهنَّ، فإنَّ الله شرع لنبيِّكم صلى الله عليه وسلم سُنن الهدى، وإنَّهنَّ من سنن الهدى، ولو أنَّكم صلَّيتُم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتُم سنَّةَ نبيِّكم، ولو تركتم سنَّةَ نبيِّكم لضللتُم، وما من رجل يتطهَّر فيُحسن الطهور، ثم يعمدُ إلى مسجد من هذه المساجد إلاَّ كتب الله له بكلِّ خطوة يخطوها حسنة، ويرفعها بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيِّئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلاَّ منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرَّجل يُؤتَى به يُهادى بين الرَّجلين حتى يُقام في الصفِّ".
وروى أيضاً في صحيحه (653) عن أبي هريرة قال: "أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله إنَّه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرخِّصَ له فيُصلِّي في بيته، فرخَّص له، فلَمَّا ولَّى دعاه، فقال: هل تسمع النِّداء بالصلاة فقال: نعم! قال: فأجِب".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "كنَّا إ ذا فقدنا الرَّجلَ في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظنَّ" رواه الحاكم في المستدرك (1/211)، وقال: "صحيح على شرطهما" ووافقه الذهبي.
ويدلُّ لوجوب صلاة الجماعة ورود نصوص الكتاب والسنَّة بأدائها حال الخوف، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}الآية، وورد في السنَّة أحاديث متعدِّدة تدلُّ على أداء صلاة الخوف على أوجه مختلفة.
الرابعة: الزكاة هي قرينة الصلاة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}، وقال: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي



الدِّينِ}، وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}، وهي عبادةٌ مالية نفعها متعدٍّ، وقد أوجبها الله في أموال الأغنياء على وجه ينفع الفقير ولا يضرُّ الغنيَّ؛ لأنَّها شيء يسير من مال كثير.
الخامسة: صومُ رمضان عبادة بدنية، وهي سرٌّ بين العبد وبين ربِّه، لا يطَّلع عليه إلاَّ الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ من الناس مَن يكون في شهر رمضان مفطراً وغيرُه يظنُّ أنَّه صائم، وقد يكون الإنسانُ صائماً في نفل وغيرُه يظنُّ أنَّه مُفطر، ولهذا ورد في الحديث الصحيح أنَّ الإنسانَ يُجازَى على عمله، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله عزَّ وجلَّ: "إلاَّ الصوم فإنَّه لي، وأنا أجزي به" رواه البخاري (1894)، ومسلم (164)، أي: بغير حساب، والأعمال كلُّها لله عزَّ وجلَّ، كما قال الله عزَّ وجلَّ:ُ {قلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، وإنَّما خُصَّ الصوم في هذا الحديث بأنَّه لله لِمَا فيه من خفاء هذه العبادة، وأنَّه لا يطَّلع عليها إلاَّ الله.
السادسة: حجُّ بيت الله الحرام عبادة ماليَّة بدنية، وقد أوجبها الله في العمر مرَّة واحدة، وبيَّن النَّبيُّ فضلَها بقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن حجَّ هذا البيتَ فلَم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمُّه" رواه البخاري (1820)، ومسلم (1350)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "العمرة إلى العمرة كفَّارة لِما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاء إلاَّ الجنَّة" رواه مسلم (1349).
والاستطاعة في الحجِّ تكون بدنية ومالية، ويُحجُّ عن الميت، وأمَّا الحي فلا يُحجُّ عنه إلاَّ في حالتَين:



إحداهما: أن يكون هرماً كبيراً لا يستطيع الركوب والسفر.
والثانية: أن يكو ن مريضاً مرضاً لا يُرجى برؤُه.
ومن الاستطاعة في حقِّ المرأة وجود المحرم إذا كان الحجُّ من غير مكة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يخلوَنَّ رجلٌ بامرأة إلاَّ ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلاَّ مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إنَّ امرأتي خرجت حاجَّة، وإنِّي اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق فحُجَّ مع امرأتك" رواه البخاري (3006)، ومسلم (1341) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
السابعة: هذه الأركان الخمسة وردت في الحديث مرتَّبة حسب أهميَّتها، وبُدئ فيها بالشهادتين اللَّتين هما أساس لكلِّ عمل يُتقرَّب به إلى الله عزَّ وجلَّ، ثم بالصلاة التي تتكرَّر في اليوم والليلة خمس مرَّات، فهي صلة وثيقة بين العبد وبين ربِّه، ثم الزكاة التي تجب في المال إذا مضى عليه حَولٌ؛ لأنَّ نفعَها متعدٍّ، ثم الصيام الذي يجب شهراً في السنة، وهو عبادة بدنيَّة نفعها غير متعدٍّ، ثم الحج الذي لا يجب في العمر إلاَّ مرَّة واحدة.
الثامنة: قوله: "قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه" وجه التعجُّب أنَّ الغالبَ على السائل كونه غير عالِم بالجواب، فهو يسأل ليصل إلى الجواب، ومثله لا يقول للمسئول إذا أجابه: صدقتَ؛ لأنَّ السائلَ إذا صدَّق المسئول دلَّ على أنَّ عنده جواباً من قبل، ولهذا تعجَّب الصحابةُ من هذا التصديق من هذا السائل الغريب.



6 ـ قوله: "قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمنَ بالله وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، فإن لَم تكن تراه فإنَّه يراك".
فيه فوائد:
الأولى: هذا الجواب مشتملٌ على أركان الإيمان الستة، وأوَّل هذه الأركان الإيمان بالله، وهو أساس للإيمان بكلِّ ما يجب الإيمان به، ولهذا أُضيف إليه الملائكة والكتب والرسل، ومَن لَم يؤمن بالله لا يؤمن ببقيَّة الأركان، والإيمان بالله يشمل الإيمان بوجوده وربوبيَّته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته، وأنَّه سبحانه وتعالى متَّصفٌ بكلِّ كمال يليق به، منَزَّهٌ عن كلِّ نقص، فيجب توحيده بربوبيَّته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته.
وتوحيده بربوبيَّته الإقرارُ بأنَّه واحد في أفعاله، لا شريك له فيها، كالخَلق والرَّزق والإحياء والإماتة، وتدبير الأمور والتصرّف في الكون، وغير ذلك مِمَّا يتعلَّق بربوبيَّته.
وتوحيد الألوهيَّة توحيده بأفعال العباد، كالدعاء والخوف والرَّجاء والتوكُّل والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذَّبح والنَّذر، وغيرها من أنواع العبادة التي يجب إفراده بها، فلا يُصرف منها شيء لغيره، ولو كان ملَكاً مقرَّباً أو نبيًّا مرسَلاً، فضلاً عمَّن سواهما.
وأمَّا توحيد الأسماء والصفات، فهو إثبات كلِّ ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه يليق بكماله وجلاله، دون تكييف أو تمثيل، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، وتنزيهه عن كلِّ ما لا يليق به، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ



السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فجمع في هذه الآية بين الإثبات والتنزيه، فالإثبات في قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، والتنزيه في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، فله سبحانه وتعالى سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، وهكذا يُقال في كلِّ ما ثبت لله من الأسماء والصفات.
وهذا التقسيم لأنواع التوحيد عُرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويتَّضح ذلك بأوَّل سورة في القرآن، وآخر سورة؛ فإنَّ كلاًّ منهما مشتملةٌ على أنواع التوحيد الثلاثة.
فأمَّا سورة الفاتحة، فإنَّ الآيةَ الأولى فيها، وهي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} مشتملةٌ على هذه الأنواع؛ فإنَّ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فيها توحيد الألوهية؛ لأنَّ إضافةَ الحمد إليه من العباد عبادةٌ، وفي قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} إثبات توحيد الربوبيَّة، وهو كون الله عزَّ وجلَّ ربَّ العالمين، والعالَمون هم كلُّ مَن سوى الله؛ فإنَّه ليس في الوجود إلاَّ خالقٌ ومخلوق، والله الخالقُ، وكلُّ مَن سواه مخلوق، ومن أسماء الله الرب، وقبله لفظ الجلالة في هذه الآية.
وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} مشتملٌ على توحيد الأسماء والصفات، والرحمن والرحيم اسمان من أسماء الله يدُلاَّن على صفة من صفات الله، وهي الرَّحمة، وأسماءُ الله كلُّها مشتقَّةٌ، وليس فيها اسم جامد، وكلُّ اسم من الأسماء يدلُّ على صفة من صفاته.
و{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فيه إثبات توحيد الربوبيَّة، وهو سبحانه مالك الدنيا والآخرة، وإنَّما خصَّ يوم الدِّين بأنَّ اللهَ مالكُه؛ لأنَّ ذلك اليوم يخضعُ فيه الجميعُ لربِّ العالَمين، بخلاف الدنيا، فإنَّه وُجد فيها من عتا وتَجبَّر، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}



وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيه إثباتُ توحيد الألوهية، وتقديمُ المفعول وهو {إِيَّاكَ} يُفيد الحصرَ، والمعنى: نخصُّكَ بالعبادة والاستعانة، ولا نشرك معك أحداً.
وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فيه إثبات توحيد الألوهية؛ فإنَّ طلبَ الهداية من الله دعاءٌ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاءُ هو العبادة"، فيسأل العبدُ ربَّه في هذا الدعاء أن يَهديَه الصرطَ المستقيمَ الذي سلكه النبيُّون والصدِّيقون والشهداء والصالِحون، الذين هم أهل التوحيد، ويسأله أن يُجنِّبَه طريقَ المغضوب عليهم والضالِّين، الذين لَم يحصل منهم التوحيدُ، بل حصل منهم الشِّركُ بالله وعبادةُ غيره معه.
وأمَّا سورة الناس، فقوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} فيه إثباتُ أنواع التوحيد الثلاثة؛ فإنَّ الاستعاذةَ بالله فيه توحيد الألوهيَّة.
و {بِرَبِّ النَّاسِ} فيه إثبات توحيد الربوبيَّة وتوحيد الأسماء والصفات، وهو مثل قول الله عزَّ وجلَّ في أول الفاتحة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
وقوله: {مَلِكِ النَّاسِ} فيه إثباتُ الربوبيَّة والأسماء والصفات.
و {إِلَهِ النَّاسِ} فيه إثبات الألوهية والأسماء والصفات.
والنسبةُ بين أنواع التوحيد الثلاثة هذه أن يُقال: إنَّ توحيدَ الربوبيَّة وتوحيدَ الأسماء والصفات مستلزمان لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهيَّة متضمِّنٌ لهما، والمعنى أنَّ مَن أقرَّ بالألوهيَّة فإنَّه يكونُ مُقرًّا بتوحيد الربوبيَّة وبتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنَّ مَن أقرَّ بأنَّ اللهَ هو المعبودُ وحده فخصَّه بالعبادة ولم يجعل له شريكاً فيها، لا يكون منكراً أنَّ



اللهَ هو الخالقُ الرازقُ المُحيي المميتُ، وأنَّ له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى.
وأمَّا مَن أقرَّ بتوحيد الربوبيَّة وتوحيد الأسماء والصفات، فإنَّه يلزمه أن يُقرَّ بتوحيد الألوهيَّة، وقد أقرَّ الكفَّارُ الذين بُعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوحيد الربُوبيَّة، فلَم يُدخلهم هذا الإقرارُ في الإسلام، بل قاتَلَهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى يَعبدوا اللهَ وحده لا شريك له، ولهذا يأتي كثيراً في القرآن تقريرُ توحيد الربوبيَّة الذي أقرَّ به الكفَّارُ؛ لإلزامهم بالإقرار بتوحيد الألوهيَّة، ومن أمثلة ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}
ففي كلِّ آية من هذه الآيات تقريرُ توحيد الربوبيَّة للإلزام بتوحيد الألوهيَّة، فيقول في كلِّ آية من هذه الآيات الخمس عقب تقرير توحيد الربوبيَّة {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ}، والمعنى أنَّ مَن تفرَّد بهذه الأفعال التي هي من أفعال الله وحده، يجبُ أن يُخصَّ بالعبادة وحده؛ لأنَّ مَن اختصَّ بالخلْق والإيجاد وغيرها من أفعال الله يَجب أن يُخصَّ بالعبادة وحده، وكيف



.[/size][/color]
روابط سريعة صور - برامج كاملة - بلوتوث -هبال وصرقعه - المجتمع والاسرة -افلام و مسلسلات رمضان - دردشة شات -موسوعة الطفل - الطب والصحه - مسجات - الثقافة الجنسية - العاب - دليل المواقع - ترددات القنوات - عالم الماسنجر - التداوي بالاعشاب - عالم حواء - تصاميم - طبخ رمضان, اكلات رمضانيه,مطبخ رمضان
   
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
رد



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] معطلة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه للموضوع: شرح حديث جبريل في تعليم الدِّين
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وقفه مع أحاديث رمضانيه غير صحيحه منتشرة في المنتديات smarty girl رمضانيات 25 08-29-2008 05:30 PM
البداية والنهاية - الجزء الثاني نسيم الليل المكتبة الإسلامية الشامله 132 03-06-2008 05:20 PM
كيف ننال الشفاء بإذن الله عز وجل ابو سلامه العبدلي الاسلامي العام ( الشريعة و الحياه ) 5 08-04-2007 03:27 AM
البداية والنهاية - الجزء الثالث نسيم الليل المكتبة الإسلامية الشامله 240 08-02-2007 03:19 PM
البداية والنهاية نسيم الليل المكتبة الإسلامية الشامله 225 07-28-2007 02:31 PM



Powered by vBulletin V3.6.8. Copyright ©2000 - 2008, Tranz By Almuhajir
ملاحظه: ( جميع ما يطرح في منتدى صمت الليالي من مواضيع وردود لا يعبر عن رأي إدارة المنتدى وإنما يعبر عن رأي كاتبها)
خالد تيم

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.1.0