إرتفعت دقات قلب (أحمد) بشدة عندما إقترب القطار – الذى يستقله – من محطة الجيزة .. بل إقترب من ذلك اللقاء الذى إنتظره منذ ما يقرب من الشهر .. لقاؤه مع محبوبته (همسة) .. تلك الرقيقة .. الباسمة ..
(أستاذ أحمد)
إنتفض (أحمد) وتلفت حوله داخل عربة القطار وكأنه يبحث عنها وهى تناديه .. ثم لم يلبث أن ابتسم عندما تذكر أنها هكذا نادته فى أول لقاء بينهما داخل أسوار الجامعة .. منذ عامين أو يزيد ..
إلتفت (أحمد) إلى تلك الفتاة الباسمة وفى عينيه نظرة تساؤل فأسرعت الفتاة تقول وهى تمد يدها لمصافحته:
(همسة عامر) طالبة بالفرقة الثالثة، كلية الآداب.
صافحها (أحمد) قائلاً بابتسامة:
مرحباً يا (همسة) .. وأنا (أحمد) ..
قاطعته (همسة) فى سرعة قائلة بلهجة مرحة:
أعرف أنك (أحمد منير) .. الحاصل على لقب الطالب المثالى لعامين متتاليين .. ورئيس اللجنة الثقافية .. وعضو بارز فى جماعة الخطابة .. و ..
قاطعها (أحمد) بدوره قائلاً:
يبدو أنك تعرفيننى جيداً.
هتفت (همسة) فى حماس:
بالتأكيد .. فمن منا يجهل (أحمد منير) .. من يجهل الطالب ..
قاطعها (أحمد) مرة أخرى قائلاً:
حسناً حسناً .. ماذا تريدين منى يا (همسة)؟
قالت (همسة) فى سرعة وبأنفاس متلاحقة:
أريد أن تعيرنى دفتر محاضراتك لأكتب منه محاضرة دكتور (أشرف) اليوم .. فأنا أعلم أنك الوحيد الذى يستطيع أن يكتب محاضرات دكتور (أشرف) الذى يلقيها إلينا وكأنه يمطرنا بذخيرة مدفع سريع الطلقات.
ابتسم (أحمد) وهو يمد يده بدفتر أنيق إلى (همسة) قائلاً:
كل هذا من أجل محاضرة؟ .. ماذا ستفعلين من أجل الإمتحانات إذن؟
تناولته (همسة) فى لهفة وقالت فى مرح وهى تبتعد عنه:
ربما إشتركت معكم فى جماعة الخطابة حينها.
يومها لم تأخذ (همسة) دفتر محاضراته فقط .. فلقد إستولت على قلبه أيضاً.
(أنا (وحيدة))
إلتفت (أحمد) داخل عربة القطار إلى تلك السيدة المتشحة بالسواد والتى توجه كلماتها إلى أخرى إرتسمت على ملامحها علامات الدهشة والتى قالت لها بدهشة أكبر:
هل إلتقينا من قبل يا سيدة (وحيدة)؟
أجابتها السيدة (وحيدة) قائلة فى حماس:
بالتأكيد فأنا (وحيدة) زميلتك فى المرحلة الإبتدائية .. هيا تذكرى منذ ما يقرب من الأربعين عاماً.
ابتسم (أحمد) وهو يعاود النظر أمامه ويتذكر (همسة) بكل رقتها .. ومرحها .. وثرائها ..
(أنا وحيدة)
ابتسم (أحمد) وهو يجلس مع (همسة) داخل سيارتها الجيب السوداء ثم قال لها مداعباً:
ألم تخبرينى أن اسمك (همسة)؟
ضحكت (همسة) قائلة:
كفاك يا (أحمد) .. أنا أقصد أننى وحيدة فى هذه الدنيا .. بلا أب أو أم أو أخوة.
قال (أحمد) فى دهشة مصطنعة:
عجباً .. إنك بالأمس فقط كنت تخاطبينى بأستاذ (أحمد) .. أما اليوم فـ ..
قاطعته فى بساطة:
كف عن هذا أيضاً يا (أحمد) .. فنحن لسنا فى فيلم سينمائى .. تنتظر فيه البطلة البطل حين يطالبها برفع الألقاب ومخاطبته بإسمه مجرداً منها .. وعندئذ ترفض وتستنكر وتسأله .. كيف ولماذا؟ .. وأشياء من هذا القبيل.
قال (أحمد) بابتسامة لا تخلو من الإعجاب:
فإختصرتى أنت الطريق وخاطبتنى بإسمى مجرداً من لقب أستاذ.
لوحت (همسة) بإصبعها قائلة فى تحذير مرح:
من فضلك ..لا تقل أننى إختصرت الطريق .. لقد تجنبته نهائياً.
ضحك كلاهما فى مرح ثم قال (أحمد) بشئ من الجدية:
أخبرينى إذن .. مع من تقيمين؟
أجابته (همسة) بسخرية مريرة:
مع عمى العزيز .. إنه الوصى القانونى على أموالى حتى أبلغ السن القانونية التى أستطيع فيها التصرف فى اموالى وممتلكاتى.
(حسناً يا عزيزتى .. لا تغضبى منى .. فأنا أحبك)
إلتفت (أحمد) فى دهشة إلى الرجل الحنون الذى يجلس بجواره داخل عربة القطار وتطلع بحنان إلى الطفلة الصغير الباكية التى تقف بين يديه والذى يقول لها بعاطفة أبوية جياشة:
لا تبكِ يا إبنتى .. فأنا خائف عليك .. هيا عدينى ألا تنظرى من النافذة هكذا مرة أخرى.
تطلع (أحمد) فى ساعته سريعاً ورقص قلبه فرحاً عندما عرف أنه أمامه خمس دقائق فقط ليصل إلى محطة الجيزة .. إلى (همسة) .. إلى اللقاء الذى يستعد له منذ شهر كامل .. منذ آخر لقاء له معها ..
(حسناً يا عزيزتى .. لا تغضبى منى .. فأنا أحبك)
قالها (أحمد) وهو يتطلع إلى (همسة) التى ظهر على وجهها البرئ أمارات الغضب .. ثم قالت له بعتاب حزين:
ومادمت تحبنى كما تقول .. لماذا كلماتك القاسية هذه؟
ربت (أحمد) على يدها فى حنان ثم إرتكن إلى سيارتها المرسيدس الحمراء وقال بلهجة هادئة:
ربما كانت كلماتى قاسية لأنها واقعية .. أنت تريدينى أن أقابل عمك وأطلب يدك منه .. وأنا لم أفعل شئ سوى أن أخبرتك بالفارق الكبير بين مستواك ومستواى المادى .. أنت تبدلين فى سياراتك كما تبدلين فى ملابسك .. وتقيمين فى إحدى أكبر بنايات العاصمة .. بل وتملكينها .. أما أنا فأقيم فى قرية صغيرة .. ولا أملك وسيلة للمواصلات سوى جوادى العربى الذى أتجول به داخل قريتى ..
قاطعته (همسة) قائلة فى عصبية:
لماذا أحببتنى إذن .. لماذا تركتنى أحبك كل هذا الحب؟
ابتسم (أحمد) ابتسامة باهتة وهو يقول:
الحب كالموت لا نستطيع أن نعتذر له بلهجة مهذبة ونخبره أننا لا نريد الموت .. هكذا الحب .. ليس بيدنا أن نبعده عن قلوبنا قائلين بابتسامة .. عفواً نحن لا نريد الحب.
تنهدت (همسة) قائلة:
حسناً .. ماذا الآن .. هل نبتعد وننسى حبنا أم ماذا؟
تنهد (أحمد) بدوره قائلاً فى هدوء حازم:
كلا يا (همسة) ليس بهذه البساطة .. ولكنى أريدك ان تعلمى شيئاً واحداً .. لو كان مقدراً لنا أن نتزوج فسوف نحيا على قدر دخلى أنا .. أتفهمين كلماتى أم أنك ستأخذينها على محمل آخر؟
قالت (همسة) بسرعة:
أفهمك يا (أحمد) .. وأوافقك .. فمتى ستأتى لزيارة عمى؟
ابتسم (أحمد) قائلاً:
بعد شهر واحد من الآن بإذن الله.
لم يكد يتوقف القطار فى محطة الجيزة حتى قفز (أحمد) من أحد أبوابه وبحث بعينيه عنها .. وسرعان ما وجدها .. فتبادلا الابتسام .. وسبقه قلبه إليها .. وعانق قلبها بكل حب .. وبعد لحظات كانا يسيران جنباً إلى جنب خارج محطة القطار .. وبعد ساعة واحدة كانا قد إبتعدا بقدر كبير ..
(عمى فى إنتظارك)
قالتها (همسة) بلهفة .. إنها تتشوق لأن يقابل (أحمد) عمها .. تتشوق لأن يتوج حبهما برباط الزواج المقدس .. وهاهو (أحمد) يدلف معها لمكتب عمها فى مقر شركة الاستثمار الكبيرة التى يديرها والتى تملكها هى.
صافحه عمها بكل برود قائلاً بلهجة أقرب إلى الضيق:
مرحباً .. أخبرتنى (همسة) أنك تريد مقابلتى من أجل أن تطلب منى يدها .. هل هذا صحيح؟
شعر (أحمد) بحنق شديد لهذه اللهجة ولكنه أجاب بكل هدوء:
بالفعل يا سيد (عزمى) هذا صحيح.
قال (عزمى) بضجر:
ألم تخبرك بأنها مخطوبة؟
اتسعت عينا (أحمد) فى دهشة أقرب إلى الذعر فى حين إنتفضت (همسة) واقفة وهى تهتف فى استنكار:
ماذا؟ .. أنا مخطوبة .. كيف هذا؟
تطلع (عزمى) إليها ببرود قائلاً ببرود أكبر:
لقد وافقت على خطبتك لإبنى (هاشم) بالأمس.
صرخت (همسة) فى إنفعال:
ولكنى لا أوافق على (هاشم) منذ زمن يا عمى ولن أتزوج غير (أحمد) .. شئت أم أبيت.
نهض (أحمد) واقفاً قائلاً فى أسى:
رويدك يا (همسة) .. ربما كان (هاشم) أفضل لك منى.
قالت (همسة) بإنفعال أكبر:
كلا يا (أحمد) .. أنا لا أريد (هاشم) بل أريدك أنت.
قال (عزمى) ببروده المعهود:
وأنا لا أمانع.
إلتفت إليه الإثنان فى سرعة فإستطرد قائلاً:
ولكن قبل أن تتزوجيه لابد أن توقعى على توكيل عام رسمى لشخصى أعمل بمقتضاه على حمايتك من أى طامع.
إرتجفت (همسة) بشدة وهى تستوعب ما يريده عمها منها .. إنه يريد أن يستولى على كل أملاكها وأموالها .. إنه الطامع الحقيقى الذى يختفى خلف قناع الناصح الأمين .. فى حين قال (أحمد) فى توسل حازم:
كلا يا (همسة) لا توافقى على هذا الأمر .. أنا لن أكون سعيداً عندما نبدأ حياتنا وأنا أعلم أننى السبب فى فقدانك لكل ثروتك .. أنا لن أتحمل لحظة ندم واحدة .. كلا يا (همسة) ..
قاطعته (همسة) قائلة فى رجاء:
ما معنى هذا .. هل ستتركنى يا (أحمد) رغم أنى أحبك؟
ابتسم (أحمد) ابتسامة حزينة وهو يربت على يدها قائلاً بحزن:
سأتركك لأنى أحبك.
هتفت (همسة) فى ياس وهى تجذب (أحمد) بقوة:
كلا يا (أحمد) لابد من وجود حل .. لابد يا (أحمد) .. إلى أين ستذهب وتتركنى؟
خلّص (أحمد) يده من بين أصابعها فى صعوبة وهو يقول بخفوت:
سأستقل القطار وأعود إلى بلدتى.
*****
تطلع (أحمد) إلى القطار الذى سيتحرك بعد خمس دقائق .. ذلك القطار الذى حمله منذ قليل فوق أجنحة من الحب والسعادة .. وهاهو يحمله الآن ويلقى به فوق جمر ملتهب .. حملت إليه الرياح كلمات عديدة .. كلمات تذكره بها .. بحياته الجميلة التى تركها خلفه ..
(أعلم أنك تستقل دائماً قطار التاسعة)
إنتفض (أحمد) وتلفت حوله وكأنه يبحث عنها وسرعان ما توقفت عينيه عند شفتيها وهى تقول:
لماذا تصر على أن تتركنى رغم أنى أحبك؟
سألها بدهشة كبيرة:
(همسة) .. ماذا تفعلين هنا؟
إبتسمت وهى تتأبط ذراعه قائلة:
لقد حضرت إليك لأذهب معك .. سأستقل معك القطار ونعود سوياً إلى بلدتنا .. فأنا متشوقة لركوب جوادك العربى.
سألها ودهشته تتعاظم:
ماذا فعلت أيتها المجنونة؟
اتسعت ابتسامتها وهى تعانق أصابعه بأصابعها قائلة:
لم يكن أمامى متسع من الوقت للحاق بقطار التاسعة لذا فقد أعطيته ما يريد .. حتى يمكننى أخذ ما أريد .. لقد تركت كل شئ من أجلك.
احتضن كفها بكل حب قائلاً:
هيا بنا إذن فالقطار سيتحرك الآن ..
روووووووووووووعه القصة يالغالية
وروووووووووعه انهم اصبحوا مع بعض الحب شيء رائع جدا
يعطيك العافيه
أسعدني كثيرا أن أكون أول المارين لأقرأ هذه القصة الرائعة
شكرا لك غاليتي
لك من الورد أطيبه
صباح الورد