يوجد اعتقاد خاطئ شائع بأن من تعاطي المخدرات يوما لن يقلع أبدا. هذا الموقف والوصمة المرتبطة بتعاطي المخدرات أو الارتهان بالعقاقير يشكلان حجر عثرة تعوق المجتمع عن اتباع نهج وقائي لتلبية احتياجات متعاطي المخدرات ومعالجتها. والحقيقة أن علاج الإدمان فعّال ويمكن أن يكون له تأثير حاسم في الأفراد والأُسر والمجتمع.
لهذا فإن الرسالة التي يبلّغها اليوم الدولي لمكافحة تعاطي المخدرات والاتجار غير المشروع بها هذه السنة رسالة بسيطة وواضحة هي \\\\\\\"المخدرات: العلاج وسيلة ناجحة \\\\\\\". وبهذا الموضوع يأمل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن يخفّف من شدّة الوصمة التي تعلق بمتعاطي المخدرات و يسلّط الضوء على حقيقة إمكانية أن يعالجوا بنجاح و يعيشوا حياة منتجة.
وليس ثمة أدنى شك في وجود حاجة إلى الخدمات العلاجية. وسيصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تقريره العالمي عن المخدرات لهذا العام؛ الذي قدر فيه إجمالي عدد متعاطي المخدرات والعقاقير في العالم بنحو 185 مليون شخص، أي ما يعادل ثلاثة في المائة من عدد سكان العالم أو 4.7 في المائة من السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة. والمعلومات الواردة في هذا التقرير تثبت أن القنّب هو أكثر مواد التعاطي انتشارا (قرابة 150 مليون شخص من المتعاطين)، يليه المنشطات الأمفيتامينية (زهاء 38 مليون شخص من المتعاطين). أما من حيث التأثير الصحي، مقاسا بالطلب على الخدمات العلاجية ، فإن المواد الأفيونية لا تزال أخطر مشاكل المخدرات في العالم.
إن الرسالة \\\\\\\" المخدرات: العلاج وسيلة ناجحة \\\\\\\" رسالة مزدوجة في الواقع- فهي وعد بالمساعدة، وأمل في مستقبل أفضل لمتعاطي العقاقير ولأُسرهم أيضا؛ وهي كذلك تأكيد على تحقيق منافع للمجتمع على المدى الطويل.
والوعد بالمعالجة وعد حقيقي تسنده المعرفة العلمية التي تراكمت طوال 40 سنة من الأبحاث المنهجية. فطوال سنة إعداد الحملة حول موضوع \\\\\\\" المخدرات: العلاج وسيلة ناجحة \\\\\\\"، تلقّى المكتب عددا لا يحصى من القصص عن أناس تخلّوا عن أساليب حياتهم المرتهنة بالعقاقير وباشروا أو استأنفوا حياة منتجة فأصبحوا آباء وأمهات ملتزمين ووجدوا لحياتهم قيمة لم تكن لديهم من قبلُ فكرة عنها.
كما أن برامج العلاج من تعاطي المخدرات تخلّص المجتمع أيضا من بعض أكثر الآفات الاجتماعية تدميرا - مثل الجريمة وانتقال الأمراض المعدية وتدني الإنتاجية واضطراب الأسرة والمجتمع. وقد برهنت الأبحاث الموثقة والتجارب الطبية السريرية المؤكّدة مرارا على أن هذا العلاج فعّال في مساعدة المدمنين على الامتناع عن تعاطي المخدرات وفي الوقاية من الإصابة بالأيدز وفيروسه ورعاية المصابين و في تحسين حياة الأشخاص وزيادة إسهامهم في المجتمع.
وتبيّن الدراسات أن هذا العلاج يمكن أن يخفّض النشاط الإجرامي بنسبة تصل إلى 80 في المائة وأن يقلّل من التردّد على المستشفيات بنحو 30 إلى 50 في المائة. كما يفيد مكتب السياسة العامة لمراقبة العقاقير في الولايات المتحدة بأن احتمالات أن يصاب حاقنو المخدرات الذين لا يخضعون للعلاج بفيروس الأيدز تزيد ست مرات على احتمالات إصابة من يخضع له ويواظب عليه.
إضافة إلى ذلك فإن بذل جهد لمعالجة المرتهنين بالمخدرات وإعادة تأهيلهم هو أقل البدائل تكلفة. وبحسب الأسلوب المختار، تُقدّر الأموال التي تُنفق على معالجة الشخص الواحد في كل سنة بما يتراوح بين خُمس وثُلث تكلفة إيداع المدمن في السجن أو تركه دون علاج.
إن كل دولار من دولارات الولايات المتحدة يُستثمر في العلاج ، يخفض تكلفة الجريمة ذات الصلة بالمخدرات بما يتراوح بين 4 و7 دولارات. وإذا أضيف إلى ذلك ما يوفر في مجال الرعاية الصحية، فإن مجموع المدّخرات يمكن أن يتجاوز إجمالي التكاليف بنسبة 12 إلى 1.
و تكون المعالجة من تعاطي المخدرات أنجع إذا تمت في شكل سلسلة متواصلة من الرعاية، تستخدم فيها مجموعة مناسبة من طرائق العلاج الدوائية والنفسية لفترة ملائمة من الزمن -و كان مفهوما أن لكل شخص احتياجات مختلفة. و أكثر نظم المعالجة من تعاطي المخدرات فعالية النظم التي توفر العلاج في المراحل المبكّرة لتعاطي المخدرات وتشرك الأسرة والمجتمع المحلي وتتعاون مع أرباب العمل وسلطات العدالة الجنائية بغية مساعدة المرتهن بالمخدرات على أن يندمج في المجتمع ويؤدي وظيفته على نحو كامل.
إن العلاج وسيلة ناجحة فعلا ولكنّ هناك أمورا كثيرة يمكننا أن نقوم بها على نحو أفضل. ذلك أنه حتى في أفضل الظروف، لا يتلقى العلاج فعلا سوى نصف المحتاجين إليه من البالغين. أما التغطية بالنسبة إلى المراهقين فهي أسوأ من ذلك بكثير حيث لا يحصل على العلاج في بعض البلدان سوى 20 في المائة من الشباب الذين يحتاجون إليه.
وينبغي أن تتسم توقّعاتنا فيما يخص نتائج العلاج بالواقعية. فمعالجة الارتهان بالمخدرات عملية طويلة الأجل وشبيهة تماما بمعالجة أي حالة مرضية مزمنة أخرى، مثل داء السكري أو فرط ضغط الدم. و هي لن تصحّح على نحو دائم المسبّبات الأساسية للارتهان بالمخدرات ولكنها إذا كانت طويلة الأجل و مصحوبة بدعم مستمر ومتابعة متّسقة فمن الممكن أن تخفّف من شدّة الأعراض و تحسّن الأداء الشخصي - وهو ما ننتظر بالدرجة الأولى من علاج أي مرض مزمن. وينبغي لنا أيضا أن نرتقي بمعايير النوعية والتدريب المهني في المعالجة من تعاطي المخدرات، مثلما نفعل في مجالات أخرى للرعاية الصحية.
إن أفضل ما يمكن لنا فعله هو الحيلولة دون استعمال العقاقير وتعاطيها. و لئن كان هذا الهدف جديرا بالاهتمام فإن هناك واقعا هو وجود أشخاص يتعاطون المخدرات و يحتاجون إلى المساعدة والعناية. لذا فإن الاستثمار في المعالجة من تعاطي المخدرات طريقة إيجابية وفعّالة لإعادة الكرامة إلى حياة المدمنين كي يصبحوا أعضاء لهم قيمة في المجتمع.
رسالة من السيد أنطونيو ماريا كوستا
المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة
بمناسبة
اليوم الدولي لمكافحة تعاطي المخدرات والاتجار غير المشروع بها