أوحى الله تعالى إلى ذي القرنين :-
وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إلي من المعروف ، وسأجعل له عَلماً .... فمن رأيته حببت إليه المعروف واصطناعه ، وحببت إلي الناس الطلب إليه ، فأحبه ، وتوله ؛ فإني أُحبه وأتولاه...
ومن رأيتهُ كرهتُ إليه المعروف ، وبغضت إلي الناس الطلب منه ، فابغضهُ ، ولا تتوله ؛ فإنه من شر من خلقت (رواه الديلمي عن بكر بن عبد الله المزنى (رضي الله عنهما)
كثيراً ما نسمع كلمة المعروف فما هو المعروف؟ أصل الكلمة في اللغة من الفعل : عَرَف يَعرِف ، ويُقال : فلان معروف أي عَرَفه الناس فسُمي المعروف معروفاً لأنه قد عُرِف حُسنه بالشرع والعقل ... والمنكر هو ما أنكره الشرع والعقل .... ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول:- "إن خلقاً خلقهم لحوائِج الناس ، يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك آمنون من عذاب الله " وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة أي أصحاب الشفاعة .... وتجدهم في خدمة الناس وتجدهم يؤثرون الناس علي أنفسِهِم وتجدهم يُصلحون بين الناس ، كل ذلك لإسعاد الآخرين ولهذا خلقهم الله تعالى ، وساق إليهم طُلاب المعروف ، بل يُجري علي أيديهم الخير
فثمرة الإيثار تكون الفلاح والنجاح والفوز برضوان الله تعالي كما قال تعالي :- " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"الحشر
أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.
وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الصدقة جهد المقل" وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله تعالى: "ويطعمون الطعام على حبه" وقوله "وآتى المال على حبه" فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به, وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به, وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه, ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي الله عنه بجميع ماله, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيت لأهلك ؟" فقال رضي الله عنه: أبقيت لهم الله ورسوله.
**** الله في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه
وستر المسلم من المعروف فإذا رأيت مسلماً علي منكر فلا تفضحه وإن استطعت النصيحة فأنصحه علي أن لا تكون في العلن فالنصيحة في العلن فضيحة وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:-
*** المسلم أخو المسلم ، لا يسلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره
*** ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا ، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة
فالمعروف أمره يسير يمكن عمله بسهولة فلا يغفل عنه الله تعالي أبداً وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:- **مَر رجل في طريقه علي غصن شوك فأخره ، فشكر الله له ، فغفر له
**وعن رجل أنه مر ببئر فوجد كلباً يأكل الطين من العطش فنزل فملأ خُفه ماءً فسقى الكلب فماذا كان جزاؤه ؟! شكر الله تعالي له وقال الله تعالي في كتابه الكريم عن المعروف:-
"لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا"النساء114 نجواهم أي ناجيت فلاناً مناجاة علي ثلاث أوجه
إما أن كلاً ينصح الآخر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها كالنصيحة وغيرها فثمرة الثلاث أوجه بشرط النية الصادقة المخلصة لوجه الله تعالي فله أجر عظيم عند الله تعالي.
و"قال صلى الله عليه وسلم :
***كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخا لك بوجه طلق "
***المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله"
فقد "روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من فتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه"
وقال العباس رضي الله عنه : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته ومن شرط المعروف ترك الامتنان به وترك الإعجاب بفعله لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر .
قوله تعالى :" أو إصلاح بين الناس " عام في الدماء والأموال والأعراض وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى وفي الخبر:
كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله تعالى فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة
و"قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب:
ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله، تصلح بين أناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا "
وقال الأوزاعي: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطة في إصلاح ذات البين ومن أصلح من اثنين كتب الله له براءة من النار
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً, أو يقول خيراً", وقالت لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس, وحديث الرجل امرأته, وحديث المرأة زوجها,
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب "ألا أدلك على تجارة ؟" قال: بلى يا رسول الله. قال "تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا, وتقارب بينهم إذا تباعدوا"
ومن المعروف أيضاً إيصال صوت الضعيف إلي ذوي السلطة ، والتطوع بإيجاد مصدر رزق لمحتاج والشفاعة لأصحاب الحاجات وكذلك رد غيبة مسلم معروف فعلي كل مسلم فعل المعروف أو الخير بدون أجر مادي كان أو معنوي حتى كلمة الشكر لا تـُنتظر كي لا ينقص من الأجر ففعل المعروف علينا أن نستشعر أن الناس الذين يأتون إلينا ألجأهم الله تعالي إلينا وجعل حوائجهم عندنا ولو شأ لألجأنا إليهم ، وجعل حاجتنا عندهم فهذه من نعم الله علينا ليُـثيبنا عليها فلا ننسي أن نشكره سبحانه وتعالي في كل وقت وحين علي هذا
وقيل: " ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله " أي مخلصاً في ذلك محتسباً ثواب ذلك عند الله عز وجل, "فسوف نؤتيه أجراً عظيماً" أي ثواباً جزيلاً كثيراً واسعاً.