فلنا بعض من الخواطر الإيمانية فى شرح هذا الحديث القدسي:-
" إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ"من عادى === من العداء ، وهو شدة الخصومة ، فاتخذ ولى الله تعالى عدواً من الأعداء ، وللعداء هنا معان كثيرة منها:-
الخصومة والمنافسة ، والمعاملة الدنيوية ، والمعاداة تكون من الجانبين إلا أن المفترض فى ولي الله تعالى أن يحلم عمن يجهل عليه كما قال الله تعالى :- "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"الفرقان 63 فكان العداء من غير الولي ، مثل عداء المبتدع مثلاً لصاحب السُنة.
وقد يكون العداء بمعنى بغض الفاسق الذى يرتكب المعصية لولى الله تعالى .
قد يكون على الإطلاق كعداء المشركين للمؤمنين أوعداء أهل الكتاب للمسلمين.
من يتخذ أولياء الله أعداء فيؤذيهم ، وهو من باب الحقد والحسد ، وتمنى زوال الولاية عنه.
الولي:- فله معانى كثيرة فمنها:-
العالم بالله المواظب على طاعته ، المخلص فى عبادته.
الذى علم فعمل بحقيقة العلم وهو الطاهر قلبه ، البريئة يده ، المتحاب مع إخوانه بجلال الله تعالى .
3- ولاية العبد هي تصديقه بالله تعالى وبكل ما جاء من عنده ، ثم الإسلام بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، ثم التفويض إليه، والتوكل عليه ، والاستسلام لأمره في سره وعلانيته ، وشدته ورخائه .
***فالولاية ضد العداوة وهى تقترن بالقرب والمحبة ، وسُمي الولي ولياً لموالاته للطاعات ، وهى أيضاً الإيمان والتقوى المتضمنة للتقرب بالفرائض والنوافل
*** وقيل الولي هو من داوم حفظ الله تعالى فى قيامه بحقوقه عز وجل فى السراء والضراء ، وهو من فرغ نفسه لله تعالى ، وأقبل بوجهه وقلبه عليه .
*** وقيل هو عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظرٌ إليه بقلبه ، فإن تكلم فبالله ، وإن نطق فعن الله ، وإن سكن فمع الله ، فهو بالله ، ولله ، ومع الله.
"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ "المائدة55-56
*** فليعلم كل مسلم أن كل معصية هى حرب لله تعالى فهل لنا مقدرة أو طاقة بمحاربة الله عز وجل ؟ فإن من عصى الله فقد حاربه لكن كلما كان الذنب أقبح كانت المحاربة لله أشد .
*** فإنه تعالى يتولىَ أوليائه بالنصرة ويحبهم ويُساعدهم ويؤيدهم .
وروى الإمام أحمد فى الزهد أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام حين كلمه: "اعلم أن من أهان لى ولياً وأخافه فقد بارزنى بالمحاربة وعادانى وعرض نفسه ودعانى إليها ، وإنى أسرع شئ إلى نصرة أوليائي ، أفيظن الذى يُحاربنى أن يقوم لي؟ أو يظن الذى يُعادينى أنه يُعجزني؟ أم يظُن الذي يُبارزنى أن يَسبقني؟!"
آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ:- فى هذا تهديد شديد ؛ لأن من حاربه الله أهلكه لأن من كره من أحب الله خالف الله ، ومن خالف الله عانده ، ومن عانده أهلكه ، والعكس صحيح فمن والى أولياء الله أكرمه الله
" وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ"إن الأولياء منهم على درجة المقتصدين من أصحاب اليمين [المقربون بأداء الفرائض] فأفضل الأعمال أداء ما افترض الله والورع عما حرم الله وصدق النية
ومنهم على درجة السابقين المقربين [وهم الذين يتقربون بالنوافل والطاعات
فالقرب يقع بالإيمان ثم بأداء الطاعات] فالقرب إلى الله تعالى فيعطى للعبد فى الدنيا العرفان وفى الآخرة الرضوان ويتقرب بالإيمان والسجود " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وفى الحديث أيضاً "إذا كان أحدكم يُصلى فإنما يُناجى ربه ، وربه بينه وبين القبلة" أى أن عِظَم قدر الصلاة فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذى يتقرب بها لأنه محل المناجاة والقربة ويتقرب أيضاً بعدل الراعي (الحاكم) "إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا" صحيح مسلم
والذى يؤدى النافلة لابد أن يكون قد أدى الفريضة أولاً فهذه درجة تقرب ومن النوافل كثرة تلاوة القرآن وسماعه بتفكر وتدبر وفهم، وذكره سبحانه كثيراً، وكثرة الصدقات "صدقة السر تطفئ غضب الرب" ،صيام أيام التطوع ، وصنع المعروف بعد الفرائض"صنائع المعروف تقى مصارع السوء"
"فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا"فهذا توفيق الله لعبده فى الأعمال التى يُباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره ومن البطش فيما لا يحل له بيده ومن السعى إلى الباطل برجله.
" وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"وهذه منزلة للمحبين المقربين عند الله تعالى يُعطيهم الله عز وجل بمجرد أن يسألوه ، ويُعيذهم إذا استعاذوه فصار المحب مجاب الدعوة لكرامته على الله تعالى
"وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ". أن العبد قد يشرف على الهلاك فى أيام عمره من داء يُصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه مكروهها ولابد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله؛ لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء لنفسه.فالتردد هنا تعنى أن الله سبحانه يكره لعبده هذه الكربات والشدائد فكأنما أراد إراحة عبده من شدائد الموت وزيادة عمره ليطيل من العمل الصالح فلابد منه فهو تردد ليس كمثل تردد البشر ولكن لشدة حب الله لعبده فلابد من إنقضاء عمره بحكمته فى آجل محدد فعلينا الإستعداد للقائه ومحاولة قضاء حياتنا فى طاعة دائمة حتى إذاجاء الآجل نكون فى حسن خاتمة فبذلك ندخل فى رحمة رب العالمين ونكون فى أعلى عليين الله أرزقنا وإياكم حسن الخاتمة.
ما يُستفاد من الحديث:-
عظم قدر الأولياء عند الله تعالى لأنه خرج من تدبير ربه وترك انتصاره لنفسه للإنتصار لربه عز وجل.
طريق المحبة بدايته أداء الفرائض ثم التقرب بالنوافل.
التواضع لله تعالى فى كل الأحوال وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه.
الإجتهاد فى الطاعة وملازمة العبودية لله طريق سهل للوصول إلى المحبة.