|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الإنفاق في سبيل الله تعالي
"أ َنفـِـق أ ُنفـِـق عليك"رواه احمد والشيخان عن أبي هريرة.
أن الله سبحانه وتعالي أمر عبده أن ينفق في المصالح الخيرية مما أنعم الله عليه وجعله حاكماً عليه وتحت يده من نقد أو عرض تجارة أو غير ذلك مما يحوزه الإنسان ويملكه لأن المال كله منه عز وجل رزقه عبده ليصرفه في منافع المسلمين فإن الله سبحانه فرض للمؤمن الزكاة فيكون ملتزم به ولكن نحن سنتطرق في الصدقة التي تخرج من نفس الشخص عن رضا وطيب خاطر دون ضغط فعلمنا رب العالمين أن ننفق مما رزقنا سرأً وعلانية في قوله تعالي:-
قال الله تعالى آمراً نبيه : قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ [إبراهيم:31].
قل -أيها الرسول- لعبادي الذين آمنوا: يؤدوا الصلاة بحدودها, ويخرجوا بعض ما أعطيناهم من المال في وجوه الخير الواجبة والمستحبة مسرِّين ذلك ومعلنين, من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا ينفع فيه فداء ولا صداقة.
قال صلي الله عليه وسلم :-"ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" قال عمر رضي الله عنه: ( ذكر لي أن الأعمال تباهي، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم )
فإن الله عز وجل ربط المال بالنفس في القرآن الكريم في ثماني مواضع لأنه اختبار للنفس عند دفع الأموال إما للزكاة أو للصدقة فهو اختبار أي يكون برضا أم مجبر أو يكون في حالة بخل أو يكون علي رياءً أو بتكبر أو بالتباهي فكل هذا مرتبط بالنفس لا يعلمه إلا الله سبحانه فلذلك تقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس
"أَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ " في سبعة مواضع والموضع الوحيد الذي تقدم جهاد النفس علي جهاد المال في قوله تعالي:-
"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ......"التوبة111
أي إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأن لهم في مقابل ذلك الجنة, وما أعد الله فيها من النعيم لبذلهم نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه لإعلاء كلمته وإظهار دينه, فجاء بالنفس هنا أولاً لأن النفوس تطهرت تماماً وبأنه تعالي اشتري أنفسهم بكل ما فيها بأموالهم وغيرها فيعتبر ذلك بمنته وجوده ذلك الفوز العظيم .
ويقول عليه الصلاة والسلام: أفضل الصدقات ظلُّ فسطاطٍ في سبيل الله عز وجل أو منحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله } [رواه أحمد والترمذي، صحيح الجامع]، وقال : من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا
وأن صاحب الصدقة يدعى من باب خاص من أبواب الجنة يقال له باب الصدقة كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: " من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي في الجنة يا عبد الله، هذا خير: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان"قال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها: قال: " نعم وأرجو أن تكون منهم"
علمنا رب العالمين أن الصدقة منَّ علينا من كرمه أن جعلها وسيلة لتطهير النفوس ً فإن لها ثمرات وفضائل رحمة منه لنتطهر بها من كل الآفات إن كان من ذنوبنا أو رفع درجات أو البعد عن البخل والشح الذي يصيب به نفس المؤمن فجعلها إنقاذ لنا فهي من أوامر الله تعالي فعلي سبيل المثال نتعرف علي بعض من ثمرات الإنفاق في سبيل الله تعالي في قوله تعالي:-
1- فهي كل الخير للنفس فيكون لها كل الفلاح في قوله تعالي:-"... وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "التغابن16 أي كونوا منقادين لما يأمركم اللّه به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، وقوله تعالى: {وأنفقوا خيراً لأنفسكم} أي وابذلوا مما رزقكم اللّه على الأقارب والفقراء والمساكين، وأحسنوا إلى خلق اللّه كما أحسن اللّه إليكم، يكن خيراً لكم في الدنيا والآخرة، ومن سَلِم من البخل ومَنْعِ الفضل من المال ، ويكون بها انشراح للصدر
فإن النبي ضرب مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلا اتسعت أو فرت على جلده حتى يخفى أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع ( فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، وقد قال تعالى: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [الحشر:9].
ولما سأل النبي عائشة رضي الله عنها عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلا كتفها. قال: { بقي كلها غير كتفها
سماه الله تعالي قرضاً أي أن عائد له ومضاعفاً وله المغفرة لأنه هو الشكور الحليم في قوله تعالي:- "إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ "التغابن(17)أي مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه، ونزّل ذلك منزلة القرض له، {يضاعفه لكم}، {ويغفر لكم}، أي ويكفر عنكم السيئات، {واللّه شكور} أي يجزي على القليل بالكثير، {حليم} أي يصفح ويغفر ويستر، ويتجاوز عن الذنوب والزلات ، ما هذا الفضل والجود والكرم علينا من مضاعفة الثواب مع مغفرة الذنوب فإنه هو الشكور وهو الحليم .
وفي قول رسولنا الحبيب صلي الله عليه وسلم:-
"إن اللّه يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتكون مثل أُحد"
و "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "البقرة245
من ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقًا حسنًا احتسابًا للأجر, فيضاعفه له أضعافا كثيرة لا تحصى من الثواب وحسن الجزاء؟ والله يقبض ويبسط, فأنفقوا ولا تبالوا; فإنه هو الرزاق, يُضيِّق على مَن يشاء من عباده في الرزق, ويوسعه على آخرين, له الحكمة البالغة في ذلك, وإليه وحده ترجعون بعد الموت, فيجازيكم على أعمالكم.
أن صاحب الصدقة يبارك له في ماله كما أخبر النبي عن ذلك بقوله:
ما نقصت صدقة من مال
3- فإنها تطير للنفس وتزكيتها من كل الآفات التي تصيب القلوب في قوله تعالي:- " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"التوبة (103)
أمر تعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في {أموالهم} إلى الذين اعترفوا بذنوبهم لأن هذه الآية لحقت الآية التي سبقتها المعترفون بذنوبهم فبالتالي بالصدقة نتطهر بها من ذنوبنا وجاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول اللّه هذه أموالنا، فتصدق بها واستغفر لنا،
وأن امرأة قالت: يا رسول اللّه صل عليّ وعلى زوجي، فقال: "صلى اللّه عليك وعلى زوجك"، وقوله: {إن صلاتك سكن لهم}أي دعاء لهم وقيل رحمة لهم، أو وقار، وقوله: {واللّه سميع} أي لدعائك {عليم} أي بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له.
أي أنَّ الصدقة مطهرة للمال، تخلصه من الدَّخن الذي يصيبه من جراء اللغو، والحلف، والكذب، والغفلة فقد كان النَّبي يوصي التَّجار بقوله:- يا معشر التجار، إنَّ هذا البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة
4- يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات أي أنهما وسائل لمحو الذنوب في قوله تعالي:-
" أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم"التوبةُ (104)
هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها، وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن اللّه يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها، حتى تصير التمرة مثل أُحد،في قول الرسول صلي الله عليه وسلم:-"إن اللّه يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتكون مثل أُحد"
5- فإنفاق الخير عائد لنا يكون الغرض إبتغاء مرضاة الله تعالي أي بكل اخلاص يوف إلينا منه تعالي بدون أية ظلم في قوله تعالي:-" وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }البقرة 272وما تبذلوا من مال يَعُدْ عليكم نَفْعُه من الله, والمؤمنون لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله. وما تنفقوا من مال -مخلصين لله- توفوا ثوابه, ولا تُنْقَصُوا شيئا من ذلك. وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق به سبحانه.
6- أن العبد إنما يصل حقيقة البر بالصدقة في قوله تعالي:- "لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ "آل عمران92
لن تدركوا الجنة حتى تتصدقوا مما تحبون, وأي شيء تتصدقوا به مهما كان قليلا أو كثيرًا فإن الله به عليم, وسيجازي كل منفق بحسب عمله.
7- ضرب الله سبحانه مثل المتصدق كالحبة وفي قوله تعالي :- "مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "البقرة261
ومِن أعظم ما ينتفع به المؤمنون الإنفاقُ في سبيل الله. ومثل المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة زُرِعتْ في أرض طيبة, فإذا بها قد أخرجت ساقًا تشعب منها سبع شعب, لكل واحدة سنبلة, في كل سنبلة مائة حبة. والله يضاعف الأجر لمن يشاء, بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام. وفضل الله واسع, وهو سبحانه عليم بمن يستحقه, مطلع على نيات عباده.
وأن المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة كما في حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله يقول: - كل امرىء في ظل صدقته، حتى يقضى بين الناس وقد ذكر النبي أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه .
9- والذين ينفقون ابتغاء مرضاة الله تعالي فيكون تثبيتاً لأنفسهم من إخلاصهم وفي قوله تعالي:-"وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "البقرة265
ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبًا لرضا الله واعتقادًا راسخًا بصدق وعده, كمثل بستان عظيم بأرض عالية طيبة هطلت عليه أمطار غزيرة, فتضاعفت ثمراته, وإن لم تسقط عليه الأمطار الغزيرة فيكفيه رذاذ المطر ليعطي الثمرة المضاعفة, وكذلك نفقات المخلصين تُقبل عند الله وتُضاعف, قلَّت أم كثُرت, فالله المُطَّلِع على السرائر, البصير بالظواهر والبواطن, يثيب كلا بحسب إخلاصه.
فيكون للمتصدقين الذين ينفقون ابتغاء مرضاة الله تعالي سمات كثيرة ترفع بهم درجات ودرجات فمنها علي سبيل المثال:-
1- تكون قلوبهم وجلة في قوله تعالي:- "الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ "الحج35
هؤلاء المتواضعون الخاشعون مِن صفاتهم أنهم إذا ذُكِر الله وحده خافوا عقابه, وحَذِروا مخالفته، وإذا أصابهم بأس وشدة صبروا على ذلك مؤملين الثواب من الله عز وجل، وأدَّوْا الصلاة تامة، وهم مع ذلك ينفقون مما رزقهم الله في الواجب عليهم مِن زكاة ونفقة عيال، ومَن وَجَبَتْ عليهم نفقته, وفي سبيل الله, والنفقات المستحبة.
2- فهم الذين يواصلون علي قيام الليل في قوله تعالي:-"تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ "السجدة16
ترتفع جنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله عن فراش النوم, يتهجدون لربهم في صلاة الليل, يدعون ربهم خوفًا من العذاب وطمعًا في الثواب, ومما رزقناهم ينفقون في طاعة الله وفي سبيله.
3- وهم الذين استجابتهم سريعة لربهم وهم المقيمون الصلاة بكل خشوع مع أن كل أمورهم شوري بينهم في قوله تعالي:-"وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ "الشورى38
والذين استجابوا لربهم حين دعاهم إلى توحيده وطاعته, وأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها, وإذا أرادوا أمرًا تشاوروا فيه، ومما أعطيناهم من الأموال يتصدقون في سبيل الله, ويؤدون ما فرض الله عليهم من الحقوق لأهلها من زكاة ونفقة وغير ذلك من وجوه الإنفاق.
4- فيكون انفاقهم في السراء والضراء وغيرهم من الصفات الحميدة التي تجعلهم من المحسنين في قوله تعالي:-"الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "آل عمران134
الذين ينفقون أموالهم في اليسر والعسر, والذين يمسكون ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر, وإذا قَدَروا عَفَوا عمَّن ظلمهم. وهذا هو الإحسان الذي يحب الله أصحابه.
5- فإنهم يطعمون المساكين وغيرهم بحب ورضي في قوله تعالي:-
"وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً "الإنسان8
ويُطْعِمون الطعام مع حبهم له وحاجتهم إليه, فقيرًا عاجزًا عن الكسب لا يملك من حطام الدنيا شيئًا, وطفلا مات أبوه ولا مال له, وأسيرًا أُسر في الحرب من المشركين وغيرهم,
6- فهم لهم صفة التواضع وليس بهم أي تكبر ولا أن يمنوا بالصدقة أو بأي أذي لمن يتصدقون عليه في قوله تعالي:- "الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ "البقرة262
الذين يخرجون أموالهم في الجهاد وأنواع الخير, ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات مَنّاً على مَن أعطَوه ولا أذى بقول أو فِعْلٍ يشعره بالتفضل عليه, لهم ثوابهم العظيم عند ربهم, ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة, ولا هم يحزنون على شيء فاتهم في هذه الدنيا.
فمن بعض أحاديث رسولنا الحبيب صلي الله عليه وسلم التي تحثنا علي فضل الصدقة:-
أنها تطفىء غضب الله سبحانه وتعالى كما في قوله
إن صدقة السر تطفىء غضب الرب تبارك وتعالى
2- أنها تمحو الخطيئة، وتذهب نارها كما في قوله
والصدقة تطفىء الخطيئة كما تطفىء الماء النار
أن في الصدقة دواء للأمراض البدنية كما في قوله
داووا مرضاكم بالصدقة
3- إن فيها دواء للأمراض القلبية كما في قوله لمن شكى إليه قسوة قلبه: إذا إردت تليين قلبك فأطعم المسكين، وامسح على رأس اليتيم
أن الله يدفع بالصدقة أنواعاً من البلاء كما في وصية يحيى عليه السلام لبني إسرائيل: ( وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم )
فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ بل من كافر فإن الله تعالى يدفع بها أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنهم قد جربوه.
أن المنفق يدعو له الملك كل يوم بخلاف الممسك وفي ذلك يقول :
ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً
5- أنَّ المنفق إذا كان من العلماء فهو بأفضل المنازل عند الله كما في قوله إنَّما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل..
6- أنَّ النبَّي جعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به، وذلك في قوله : { لا حسد إلا في اثنين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل والنهار
أفضل الصدقات
1- الصدقة الخفية؛ لأنَّها أقرب إلى الإخلاص من المعلنة
2- الصدقةُ في حال الصحة والقوة أفضل من الوصية بعد الموت أو حال المرض والاحتضار كما في قوله : { أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيحُ، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان كذا } [في الصحيحين].
3- الإنفاق على الأولاد كما في قوله : { الرجل إذا أنفق النفقة على أهله يحتسبها كانت له صدقة } [في الصحيحين]، وقوله : { أربعة دنانير: دينار أعطيته مسكيناً، ودينار أعطيته في رقبةٍ، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك } [رواه مسلم].
4- الصدقة علي القريب وقال : الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة
5- الصَّدقة على الجار؛ فقد أوصى به الله سبحانه وتعالى بقوله: وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ [النساء:36] وأوصى النبي أبا ذر بقوله: { وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، واغرف لجيرانك منه } [رواه مسلم].
6- الصدقة على الصاحب والصديق في سبيل الله؛ لقوله : { أفضل الدنانير: دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله عز وجل } [رواه مسلم].
وعن الصدقة الجارية: وهي ما يبقى بعد موت العبد، ويستمر أجره عليه؛ لقوله : { إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له } [رواه مسلم].
مجالات الصدقة الجارية
1- سقي الماء وحفر الآبار؛ لقولة : أفضل الصدقة سقي الماء
2- إطعام الطعام؛ فإن النبي لما سُئل: أي الإسلام خير؟ قال: { تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف } [في الصحيحين].
3- بناء المساجد؛ لقوله : { من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتاً في الجنة } [في الصحيحين]، وعن جابر أن رسول الله قال: { من حفر بئر ماء لم يشرب منه كبد حرى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى مسجداً كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة } [صحيح الترغيب].
4- الإنفاق على نشر العلم، وتوزيع المصاحف، وبناء البيوت لابن السبيل، ومن كان في حكمه كاليتيم والأرملة ونحوهما، فعن أبي هريرة قال: قال : " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته"
فالصدقة ينبغي علينا أن نخلص النية في إخراجها إلا أن يكون بنية مسبقة أي لمغفرة لذنب أو لقضاء حاجة أو لشفاء أي من المرضي أو لقضاء دين أو أي سبب أخر ويمكننا جمع النوايا ولكن لابد مما سبق نتعلم أن كل ما نخرجه ابتغاء مرضاة الله تعالي .
قال عبد الله بن وهب المصري :
كان حيوة بن شريح يأخذ عطاءه في كل سنة ديناراً ، وكان إذا أخذه لم يطلع إلي منزله حتي يتصدق به ، ثم يجئ إلي منزله ، فيجدها تحت فراشه ،
وكان له ابن عم ، فلما بلغه ذلك أخذ عطاءً فتصدق به ، ثم جاء يطلبه تحت فراشه فلم يجد شيئاً ،
فشكا حيوة فقال له : أنا أعطيت ربي بيقين ، وأنت أعطيت ربك تجربة .
والصدقة أنها متى ما اجتمعت مع الصيام واتباع الجنازة وعيادة المريض في يوم واحد إلا أوجب ذلك لصاحبه الجنة كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: { من أصبح منكم اليوم صائماً؟ } قال أبو بكر: أنا. قال: { فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ } قال أبو بكر: أنا. قال: { فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ } قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله : { ما اجتمعت في امرىء إلا دخل الجنة } [رواه مسلم].
اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها
أنت وليها ومولاها
اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ،
ومن نفس لا تشبع ومن علم لا ينفع
ومن دعوة لا يستجاب لها
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته |