Archive | قصص

Tags:

لم يحفظ التاريخ اسمها لكنه حفظ فعلها


امرأة صالحة كانت تعيش هي وزوجها.. في ظل ملك فرعون.. زوجها مقرب منه.. وهي خادمة ومربية لبنات فرعون

منّ الله عليهما بالإيمان.. فلم يلبث فرعون أن علم بإيمان زوجها فقتله
ولكن بقيت الزوجة تعمل في بيت فرعون تمشط بنات فرعون.. وتنفق على أولادها الخمسة.. تطعمهم كما تطعم الطير أفراخها

فبينما هي تمشط ابنة فرعون يوماً.. إذ وقع المشط من يدها..فقالت: بسم الله
فقالت ابنة فرعون: الله.. أبي؟
فصاحت الماشطة بابنة فرعون: كلا.. بل الله.. ربي.. وربُّك.. وربُّ أبيك

فتعجبت البنت أن يُعبد غير أبيها..ثم أخبرت أباها بذلك.. فعجب أن يوجد في قصره من يعبد غيره
فدعا بها.. وقال لها: من ربك ؟
قالت : ربي وربك الله
فأمرها بالرجوع عن دينها.. وحبسها.. وضربها.. فلم ترجع عن دينها.. فأمر فرعون بقدر من نحاس فمُلئت بالزيت.. ثم أُحمي.. حتى غلا
وأوقفها أمام القدر.. فلما رأت العذاب.. أيقنت أنما هي نفس واحدة تخرج وتلقى الله تعالى.. فعلم فرعون أن أحب الناس أولادها الخمسة.. الأيتام الذين تكدح لهم.. وتطعمهم.. فأراد أن يزيد في عذابها فأحضر الأطفال الخمسة.. تدور أعينهم.. ولا يدرون إلى أين يساقون

فلما رأوا أمهم تعلقوا بها يبكون.. فانكبت عليهم تقبلهم وتشمهم وتبكي.. وأخذت أصغرهم وضمته إلى صدرها.. وألقمته ثديها

فلما رأى فرعون هذا المنظر..أمر بأكبرهم.. فجره الجنود ودفعوه إلى الزيت المغلي.. والغلام يصيح بأمه ويستغيث.. ويسترحم الجنود.. ويتوسل إلى فرعون.. ويحاول الفكاك والهرب وينادي إخوته الصغار.. ويضرب الجنود بيديه الصغيرتين.. وهم يصفعونه ويدفعونه.. وأمه تنظر إليه.. وتودّعه

فما هي إلا لحظات.. حتى ألقي الصغير في الزيت.. والأم تبكي وتنظر.. وإخوته يغطون أعينهم بأيديهم الصغيرة.. حتى إذا ذاب لحمه من على جسمه النحيل.. وطفحت عظامه بيضاء فوق الزيت.. نظر إليها فرعون وأمرها بالكفر بالله.. فأبت عليه ذلك.. فغضب فرعون.. وأمر بولدها الثاني
فسحب من عند أمه وهو يبكي ويستغيث.. فألقي في الزيت.. وهي تنظر إليه.. حتى طفحت عظامه بيضاء واختلطت بعظام أخيه.. والأم ثابتة على دينها..موقنة بلقاء ربها

ثم أمر فرعون بالولد الثالث فسحب وقرب إلى القدر المغلي ثم حمل وغيب في الزيت.. وفعل به ما فعل بأخويه

والأم ثابتة على دينها.. فأمر فرعون أن يطرح الرابع في الزيت

فأقبل الجنود إليه.. وكان صغيراً قد تعلق بثوب أمه.. فلما جذبه الجنود.. بكى وانطرح على قدمي أمه.. ودموعه تجري على رجليها.. وهي تحاول أن تحمله مع أخيه.. تحاول أن تودعه وتقبله وتشمه قبل أن يفارقها.. فحالوا بينه وبينها.. وحملوه من يديه الصغيرتين.. وهو يبكي ويستغيث.. ويتوسل بكلمات غير مفهومة.. وهم لا يرحمونه.. وما هي إلا لحظات حتى غرق في الزيت المغلي
وغاب الجسد
وانقطع الصوت
وشمت الأم رائحة اللحم.. وعلت عظامه الصغيرة بيضاء فوق الزيت يفور بها

تنظر الأم إلى عظامه.. وقد رحل عنها إلى دار أخرى وهي تبكي.. وتتقطع لفراقه
طالما ضمته إلى صدرها.. وأرضعته من ثديها
طالما سهرت لسهره.. وبكت لبكائه

كم ليلة بات في حجرها.. ولعب بشعرها
كم قربت منه ألعابه.. وألبسته ثيابه

جاهدت نفسها أن تتجلد وتتماسك.. فالتفتوا إليها.. وتدافعوا عليها.. وانتزعوا الخامس الرضيع من بين يديها.. وكان قد التقم ثديها.. فلما انتزع منها.. صرخ الصغير.. وبكت المسكينة.. فلما رأى الله تعالى ذلها وانكسارها وفجيعتها بولدها.. أنطق الصبي في مهده وقال لها
:
يا أماه اصبري فإنكِ على الحق

ثم انقطع صوته عنها.. وغيِّب في القدر مع إخوته..
ألقي في الزيت.. وفي فمه بقايا من حليبها
وفي يده شعرة من شعرها
وعلى أثوابه بقية من دمعها

وذهب الأولاد الخمسة.. وهاهي عظامهم يلوح بها القدر..ولحمهم يفور به الزيت

تنظر المسكينة.. إلى هذه العظام الصغيرة
عظام من؟
إنهم أولادها.. الذين طالما ملئوا عليها البيت ضحكاً وسرورا
إنهم فلذات كبدها.. وعصارة قلبها.. الذين لما فارقوها.. كأن قلبها أخرج من صدرها.. طالما ركضوا إليها.. وارتموا بين يديها.. وضمتهم إلى صدرها.. وألبستهم ثيابهم بيدها.. ومسحت دموعهم بأصابعها
ثم هاهم يُنتزعون من بين يديها.. ويُقتلون أمام ناظريها..
وتركوها وحيدة وتولوا عنها.. وعن قريب ستكون معهم

كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين هذا العذاب.. بكلمة كفر تسمعها لفرعون.. لكنها علمت أن ما عند الله خير وأبقى

ثم.. لمّا لم يبق إلا هي.. أقبلوا إليها كالكلاب الضارية.. ودفعوها إلى القدر.. فلما حملوها ليقذفوها في الزيت.. نظرت إلى عظام أولادها.. فتذكرت اجتماعها معهم في الحياة.. فالتفتت إلى فرعون وقالت: لي إليك حاجة
فصاح بها وقال: ما حاجتك ؟
فقالت: أن تجمع عظامي وعظام أولادي فتدفنها في قبر واحد
ثم أغمضت عينيها.. وألقيت في القدر.. واحترق جسدها.. وطفت عظامها

فلله درها..
ما أعظم ثباتها.. وأكثر ثوابها..

************

ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء شيئاً من نعيمها.. فحدّث به أصحابه وقال لهم فيما رواه البيهقي: لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، قلت: ما هذه الرائحة؟ فقيل لي: هذه ماشطة بنت فرعون وأولادُها

الله أكبر
تعبت قليلاً.. لكنها استراحت كثيراً..
مضت هذه المرأة المؤمنة إلى خالقها.. وجاورت ربها

************

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها

وروى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: من دخل الجنة ينعم لا يبؤس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. وله في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر..ومن دخل إلى الجنة نسي عذاب الدنيا

ولكن لن يصل أحد إلى الجنة إلا بمقاومة شهواته.. فلقد حفت الجنة بالمكاره.. وحفت النار بالشهوات.. فاتباع الشهوات في اللباس.. والطعام.. والشراب.. والأسواق.. طريق إلى النار.. قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات

فاتعبي اليوم وتصبَّري.. لترتاحي غداً

فإنه يقال لأهل الجنة يوم القيامة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ‏

أما أهل النار فيقال لهم: اَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ

صدق الله العظيم

************

Posted in قصصComments (0)

اعطيته كليتي وأعطاني ورقة طلاقي ..


تقول صــــاحبة القصة //
تزوجت به وقد كانت بيننا اكبر علاقة حب عرفتها المدينة
كان انسان بسيط وكنت انسانه غنيه املك المال وعندما خطبني عارضو اهلي الزواج
فوقفت في وجههم وتحديتهم الى ان تزوجت به ورضيت ان اتخلى عن المستوى
الذي كنت اعيش فيه من اجله ولاني كنت احبه بل اعشقه،،
وبعد اربع سنوات من الزواج ومن الحب ومن التضحيه اصيب بفشل كلوي
واصبح عاجز عن العمل واصحبت اتألم كلما اراه على فراشه يتقلب
كنت ابكي طوال الليل ابحث عن حل ولا كن تفكيري شبه متوقف لا اعلم ما افعله
خصوصا وقد رزقنا الله بطفلين
وبعد طول تفكير هداني الله الى الحل وهو ان اتبرع له بأحدى الكليتين
وبالفعل بعد اجراء التحاليل الازمه وتطابق الانسجه خضعت للعمليه
لا انكر انه كان رافض الفكره وانا التي الححت عليه الى ان وافق
وبعد اجراء العمليه استرد عافيته ولاكن بعد مرور 6 اشهر على العمليه اصبت انا بالفشل الكلوي
واصبحت اعاني ما بين المستشفى والبيت والاولاد وزوجي العزيز
صبر على حالتي قرابة السنه
وبعدها صارحني انه يريد الزواج من اخرى وانه لم يعد يتحمل حالتي
صحيح ان الموضوع ضايقني ولاكني وافقت على طلبه وانا التي دفعت مهرها من مالي

ولاكن المفاجأه التي لم اتوقعها ان الزوجه الجديده لم ترضى ان تكون لها شريكه،،
طلبت منه قبل ليلة الزواج ان يطلقني
ولان زوجي العزيز يخاف على مشاعري فقد ارسل لي ورقة طلاقي مع احد اخواني
في ليلة زواجه كان طلاقي

Posted in قصصComments (0)

قال معاذ الله


كان شاباً فقيراً .. يعمل بائعاً .. يتجول في الطرقات ..

وكانت هي امرأة فارغة .. لا تكف عن التعرض للحرام .. كانت مصيدة للشيطان ..

مرّ ذات يوم بجانب بيتها .. أطلت من طرف الباب وسألته عن بضاعته فأخبرها ..

طلبت منه أن يدخل لترى البضاعة .. فلما دخل أغلقت الباب ..

ثم دعته إلى الحرام .. فصاح بها .. معاذ الله ..

وتذكر حاله عندما تذهب اللذات .. وتبقى الحسرات ..

تذكر يوم تشهد عليها أعضاؤه التي متعتها بالزنا ..

رجله التي مشى بها.. يده التي لمس بها.. لسانه الذي تكلم به..

بل تشهد عليه .. كل ذرة من ذراته .. وكل شعرة من شعراته ..

تذكر حرارة النيران .. وعذاب الرحمن ..

يوم يعلق الزناة في النار.. ويضربون بسياط من حديد .. فإذا استغاث أحدهم من الضرب.. نادته الملائكة : أين كان هذا الصوت وأنت تضحك.. وتفرح.. وتمرح.. ولا تراقب الله ولا تستحي منه..!!

تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام : ( يا أمة محمد.. والله إنه لا أحد أغير من الله.. أن يزنى عبده.. أو تزني أمته.. يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم.. لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) ..

تذكر يوم رأى النبي عليه الصلاة والسلام في منامه رجالاً ونساءً عراة في مكان ضيق مثل التنور .. أسفله واسع وأعلاه ضيق .. وهم يصيحون ويصرخون .. وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم .. فإذا أتاهم ذلك اللهب صاحوا من شدة حره .. فقال صلى الله عليه وسلم : من هؤلاء يا جبريل ؟

قال : هؤلاء الزناة والزواني .. فهذا عذابهم إلى يوم القيامة ..

ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .. نسأل الله العفو والعافية .

قالت له نفسه : افعل وتب .. قال .. أعوذ بالله .. كيف أهتكت ستر ربي .. كيف أنظر إلى امرأة لا تحل لي والله عز وجل من فوقنا .. ينظر إلينا .. كيف نختفي من الخلق .. ونفجر أمام الخالق ..

فبقي ساكناً يفكر في مخرج .. وينظر على الباب ..

فصاحت به الفاجرة : والله إن لم تفعل ما أريده منك صرخت .. فيحضر الناس فأقول : هذا الشاب.. هجم عليَّ في داري .. فما ينتظرك بعدها إلا القتل أو السجن ..

فأخذ الشاب العفيف يرتجف .. خوّفها بالله فلم تنزجر ..

فلما رأى ذلك .. فكر في حيلة يتخلص بها ..

فقال : أريد الخلاء .. الحمام .. فأشارت له إليه ..

فلما دخل الخلاء .. نظر إلى نوافذه فإذا هو لا يستطيع الهرب من خلالها ..

ففكر في طريقة يتخلص بها ..

فأقبل على الصندوق الذي يُجمع فيه الغائط ..

وجعل يأخذ منه ويلقي على ثيابه.. ويديه.. وجسده..

ثم خرج إليها.. فلما رأته صاحت .. وألقت في وجهه بضاعته .. وطردته من البيت ..

فمضى يمشي في الطريق .. والصبيان يصيحون وراءه : مجنون.. مجنون..

حتى وصل بيته.. فأزال عنه النجاسة.. واغتسل..

فلم يزل يُشمُّ منه رائحة المسك.. حتى مات..

( ذكر القصة ابن الجوزي في المواعظ ) ..

Posted in قصصComments (0)

صَدِيقَتِي الَّتِي أُحِبُّهَا وَتُحِبُّنِي



«رَمْلُ الشَّاطِىء حَارٌّ جِدًّا… أَشْعُرُ بِحَرَارَتِهِ الشَّدِيدَةِ رَغْمَ حِذَائِي السَّمِيكِ…».
«أَشِعَّةُ الشَّمْسِ مُحْرِقَةٌ.. رَغْمَ أَنِّي أَحْمِلُ مِظَلَّتِي الصَّغيرةَ الْمُلَوَّنَةَ».
«لَمْ أَسْتَطِعْ تَنَاوُلَ الْآيس كريم اللَّذيذِ.. ذَابَ قَبْلَ انْتِهَائِي مِنْهُ.. كَادَ يُبَلِّلُ ثِيابِي..».
«الْقَمَرُ أَلْطَفُ مِنَ الشَّمْسِ.. لاَ يُزْعِجُنِي».
عَادَتْ مُسْرِعَةً إِلى الْبَيْتِ… قَالَتْ:
«أُمِّي.. مَنِ الْأَكْبَرُ وَمَنِ الْأَنْفَعُ.. الشَّمْسُ أَمِ الْقَمَرُ؟».
تَبَسَّمَتِ الْأُمُّ… قَالَتْ:
«الشَّمْسُ أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْقَمَرِ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَوائِدُهُ وَمَنَافِعُهُ، ولِلشَّمْسِ فَضِيلَةٌ عَلى الْقَمَرِ؛ نُورُهُ مُستَمَدٌّ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ».
اسْتَغْرَبَتْ سُعاد..
قَالَتْ ضَاحِكةً: «هَلْ تَقْصُدِينَ أَنَّ الشَّمْسَ مَحَطَّةُ كَهْرُباءٍ.. بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَمَرِ أَسْلاَكٌ كَهْرُبَائِيَّةٌ..».
الْأُمُّ: «بِالتَّأْكِيِد، لَيْسَ كَمَا تَقُولِينَ يَا سُعَادُ..
الشَّمْسُ بَعِيدَةٌ جِدًّا عَنِ الْقَمَرِ..
لَكِنَّ الْقَمَرَ مِثْلُ مِرْآةٍ عَاكِسَةٍ، يَسْتَقْبِلُ ضَوْءَ الشَّمْسِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ مِنْ جَديدٍ إِلى الْأَرْضِ..
لَكِنْ دُونَ حَرَارَةٍ..».
«لَكِنَّ الشَّمْسَ لا تَكُونُ فِي اللَّيْلِ.. وَالقَمَرُ يَأْتِي فِي الظَّلامِ..».
«هذا صَحِيحٌ يَا سُعَادُ، الشَّمْسُ تَبْقَى فِي مَكَانِهَا، تُرْسِلُ ضَوْءَهَا، نَحْنُ لا نَراهَا لِأَنَّها تَكُونُ فِي الجِّهَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْأَرْضِ.. أَنْتِ تَعْلَمِينَ أَنَّ الْأَرْضَ تَدُورُ والشَّمْسُ ثَابِتَةٌ، الْقَمَرُ يَدُورُ وَيَتَحَرَّكُ مِثْلَ الْأَرْضِ.. نَرَاهُ يَكْبرُ وَيَصْغُرُ.. وَأَحْيَاناً يَخْتَفِي..
الشَّمْسُ والْقَمَرُ نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ لَوْلاَهُمَا لِمَا عَرَفْنَا اللَّيْلَ وَلاَ النَّهارَ، وَلاَ عَرَفْنَا حِسابَ السِّنينَ والأعوامِ.
كَمَا أَنَّ الْأَقْمَارَ وَالنُّجُومَ كانَتَا دليلَ الْمُسَافِرينَ فِي الصَّحْرَاءِ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الْبُوصْلَةِ وَالطُّرُقَاتِ الْحَدِيثَةِ…».
«أُمِّي..».
«نَعَمْ..».
«أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكِ شَيْئاً وَبِصَرَاحَةٍ..».
«تَفَضَّلِي يَا حَبِيبَتِي..».
«أَنَا أُحِبُّ الشَّمْسَ أَكْثَرَ مِنَ الْقَمَرِ.. لكِنَّ الشَّمْسَ لاَ تُحِبُّنِي، أُرِيدُهَا صَدِيقَتِي.. لكِنَّهَا لاَ تُحِبُّني..».
تَضْحَكُ الْأُمُّ وَتَقُولُ:
«الشَّمْسُ لاَ تُحِبُّكِ؟!
مَنْ قَالَ لَكَ ذلِكَ يَا سُعَادُ؟
الشَّمْسُ لاَ تَكْرَهُ أَحَداً.. هِيَ تَقُومُ بِوَاجِبِها بِكُلِّ إِخْلاَصٍ. إِنَّهَا تَحْرِقُ نَفْسَهَا، تُبَدِّدُ طَاقَتِهَا لِتَنْشُرَ الدِّفْءَ وَالنُّورَ عَلَى الدُّنْيَا..».
سُعَاد: «كُلَّمَا خَرَجْتُ إِلَى الْحَدِيقةِ لِأَلْعَبَ، أشْعُرُ أَنَّ الشَّمْسَ تُؤْذِينِي بِحَرَارَتِهَا وَخُصُوصاً فِي فَصْلِ الصَّيْفِ..
عِنْدَمَا أَخْرُجُ لِلتَّنَزُّهِ أضطرِ لِلاحْتِمَاءِ مِنْهَا بِالْمِظَلَّةِ أَوْ خَلْفَ سِتَارٍ أَوْ تَحْتَ الْأَشْجَارِ..».
الْأُمُّ: «سُعادُ.. أَنْتِ تُثِيرِينَ عَجَبِي…
أَتُرِيدِينَ مِنَ الشَّمْسِ أَنْ تَكُفَّ عَنْ عَمَلِهَا؟! هِي تَسِيرُ بِأَمْرِ اللَّهِ، تُنَفِّذُ أَوامِرَهُ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيةٍ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُعْصِيهِ أَوْ تَتَمَرَّدَ عَلَيْهِ.
كَيْفَ يُمْكِنُ لِلشَّمْسِ أَنْ تَكُونَ عَدُوَّتَكِ وَهِيَ تَمْنَحُكِ أَسْبَابَ الْحَيَاةِ؟! كُلُّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا.. هَلْ تَتَخَيَّلِينَ الدُّنْيَا مِنْ دُونِ الشَّمْسِ؟!
سَوْفَ تَتَحوَّلُ الْأَرْضُ إِلَى كُرَةٍ جِلِيدِيَّةٍ ضَخْمَةٍ..
لاَ تَبْقَى فِيها حياة..
سُعَادُ: «أَنَا أُحِبُّ الشَّمْسَ.. أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ صَدِيقَتِي.. لَكنَّهَا تُؤْذِينِي وَالْقَمَرُ لاَ يُؤْذِينِي..».
الْأُمُّ: «هَلْ تَعْنِي الصَّدَاقَةُ أَنْ يَتَخَلَّى الْإِنْسَانُ عَنْ وَاجِبَاتِهِ؟.. وَكَذلِكَ الشَّمْسُ، لاَ بُدَّ أَنْ تَقُومَ بِدَوْرِهَا..
الشَّمْسُ تُحِبُّكِ.. لَوْ لَمْ تَكُنْ تُحِبُّكِ لَفَعَلَتْ مِثْلَمَا تُرِيدِينَ… وَخَفَّفَتْ مِنْ ضَوْئِهَا وَوَهْجِهَا.. سَوْفَ تَرْتَاحُ هِيَ وَتَمُوتُ الْكَائِنَاتُ الْحَيَّةُ ثُمَّ تَنْعَدِمُ الْحَيَاةُ فَوْقَ الْأَرْضِ.. وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا، فَالشَّمْسُ تَعْمَلُ مُنْذُ آلافِ السِّنِينَ… لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنِ الْعَمَلِ لَحْظَةً وَاحِدَةً».
سُعَاد بِانْدِهَاشٍ: «كُلُّ هذَا سَيَحْدُثُ؟!».
الْأُمُّ: «رُبَّمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ..
أَرَأَيْتِ يَا سُعَادُ أَنَّ الشَّمْسَ تُحِبُّكِ عِنْدَمَا تُرْسِلُ أَشِعَّتَهَا الْقَوِيَّةَ؟!».
سُعاد: «نَعَمُ.. كَلاَمُكَ حَقٌّ..».
قَامَتْ سُعَادٌ مُسْرِعَةٌ..
الْأُمُّ: «إِلى أَيْنَ يَا سُعَادُ».
سُعَادُ: «إِلَى الْحَدِيقَةِ لِأَلْعَبَ مَعَ صَدِيقَتِي الشَّمْسِ الَّتِي تُحِبُّنِي».
الْأُمُّ: «لكِنْ لاَ تُطِيلِي الْوَقْتَ.. حَتَّى لاَ تَشْغَلِي الشَّمْسَ عَنْ عَمَلِهَا..».
صَدِيقَتِي الْمُخْطِئَة… عَفْواً
«كُنْتُ مُخْطِئَةٌ بِالتَّأْكِيدِ عِنْدَمَا اعْتَقَدْتُ أَنَّهَا صَدِيقَتِي الْمُقَرَّبَةُ…».
«هذِهِ الرِّحْلَةُ أَتْعَسُ رِحْلَةٍ فِي حَياتِي… لَيْتَنِي لَمْ أَذْهَبْ..».
«الصَّداقَةُ.. أَيْنَ الصَّداقَةُ؟! لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ مُصَادَقَةَ أَحَدٍ..
لِأَكُنْ صَدِيقَةَ نَفْسِي فَقَطْ…».
«لماذا فَعَلْتُ هكَذا؟! لَمْ أَضُرَّها يَوْماً فِي حَياتِي.. لَقَدْ خَذَلَتْنِي عِنْدَمَا احْتَجْتُ إِليها.. لاَ أُطِيقُ تَذَكُّرُ مَا حَدَثَ..».
كانَتْ تَمْشِي خُطُواتٍ مُتَثَاقِلَةٍ..
عَادتْ مِنْ رِحْلَةٍ إِلى حَدِيقَةِ الْحَيَوانِ؛ لَم تَكُنْ سَعِيدةً كَعَادَتِهَا..
دَخَلَتْ غُرْفَتَهَا… أَغْلَقَتِ الْبَابَ دُون أَنْ تَتَكَلَّمَ مَع أَحَدٍ..
أَحَسَّتِ الْأُمُّ أَنَّ ابْنَتَهَا لَيْسَتْ عَلى مَا يُرامُ..
جَهَّزَتِ الْأُمُّ الطَّعَامَ… نَادَتْ:
«مُنَى.. هَيَّا تَعَالَيْ.. الطَّعَامُ جَاهِزٌ.. أَلَسْتِ جَائِعَةً بَعْدَ نَهارِكِ الطَّويلِ؟».
جَاءَتْ مُنَى وَجَلَسَتْ مَعَ أُمِّهَا تَتَنَاوَلانِ الطَّعَامَ، لكِنَّهَا لَمْ تَأْكُلْ بِشَهِيَّةٍ، بَدَتْ كَأَنَّهَا مُنْزَعِجَةٌ مِنْ أَمْرٍ مَا… بَعْد الغَداءِ قَامَتْ وَسَاعَدَتْها فِي تَنْظِيفِ الْأَطْبَاقِ.
سَأَلَتِ الْأُمُّ: «رِحْلَةُ الْيَوْمِ شَيِّقَةٌ.. أَلَيْسَ كَذلِكَ؟!».
نَظَرَتْ مُنَى إِلى وَجْهِ أُمِّهَا.. وَانْفَجَرَتْ بِالْبُكَاءِ..
حَضَنَتِ الْأُمُّ ابْنَتَهَا: «أَأَزْعَجَكِ سُؤَالِي إِلى هذا الْحَدِّ؟! آسِفَةٌ يا ابْنَتِي..».
ــــ «حَديقَةُ الْحَيوانِ مُزْعِجَةٌ لا أُحِبُّهَا لاَ أُرِيدُ الذَّهَابَ إِليْهَا ثَانِيةً».
ــــ «لَم يَكُن هذا رَأْيُكِ فِي السَّابِقِ..».
ــــ «الآنَ رَأْيِي تَغَيَّر».
ــــ «يَبْدُو لِي أَنَّ شَيئاً كَبيراً عَكَّرَ مِزَاجَكِ وَغَيَّرَ رَأْيَكِ..
هَلْ تُخْفِينَ عَنْ أُمِّكِ الَّتِي تُحِبُّكِ شَيئاً يا حَبِيبَتِي؟!».
ــــ «لا.. لَمْ أَقصِد ذَلِكَ..».
ــــ «مَا الْخَبَرُ إِذَنْ؟!».
قَالَتْ مُنَى بَعْدَ تَفْكِيرٍ: «أَتَذْكُرِينَ صَدِيقَتِي رَبَاب؟!..».
ــــ «نَعَمْ، لَطَالَما حَدَّثْتِنِي عَنْهَا..».
ــــ« أَتَذْكُرِينَ أَنِّي سَاعَدْتُهَا السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ فِي مَادَةِ الْحِسَابِ الَّتِي أُحِبُّهَا… شَرَحْتُ لَهَا الدُّرُوسَ الصَّعْبَةَ.. أَعْطَيْتُهَا عَدَداً مِنْ قِصَصِي الْجَمِيلَةِ لِأَنَّهَا لاَ تَمْلِكُ مِثْلَهَا.. وَعِنْدَمَا مَرِضَتْ قَبْلَ أَسَابِيعَ ذَهَبْتُ لِزِيَارَتِهَا فِي الْمُسْتَشْفَى وَأَحْضَرْتُ لَهَا هِدِيَّةً كَبِيرَةً؟!».
ــــ «نَعَمْ أَذْكُرُ كُلَّ ذَلِكَ.. وَأَكْثَرَ.. بَارَكَ اللَّهُ بِكِ يَا ابْنَتِي.. هكذَا عَرَفْتُكِ دَوْماً.. تُحِبِّينَ جَمِيعَ صَدِيقَاتِك وَتَهْتَمِّينَ بِهِنَّ، لكِنِّي لَمْ أَفْهَمْ حَتَّى الْآنَ مَا الْمُشْكِلَةَ؟!».
قَالَتْ مُنَى بِحِدَّةٍ:
«رَبَابُ هذِهِ.. صَدِيقَةٌ مُخَادِعَةٌ! عِنْدَمَا تَحْتَاجُنِي أَرَاهَا مَعِي دَوْماً، وَعِنْدَمَا احْتَجْتُ إِلَيْهَا تَخَلَّتْ عَنِّي بِكُلِّ بَسَاطَةٍ، تَصَوَّرِي يَا أُمِّي…».
تَوَقَّفَتْ مُنَى عَنِ الْكَلاَمِ… تَسَاقَطَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْهَا ثُمَّ تَابَعَتْ تَقُولُ:
«عِنْدَمَا وَصَلْنَا إِلى حَدِيقَةِ الْحَيَوانِ، اكْتَشَفْتُ أَنَّنِي نَسِيتُ مَحْفَظَةَ نُقُودِي فِي الْمَنْزِلِ.. لَمْ أَنْسَهَا بِسَبَبِ الإِهْمَالِ، بَلْ لِأَنِّي كُنْتُ مَشْغُولَةٌ فِي التَّفْكِيرِ بِالرِّحْلَةِ.. طَلَبْتُ مِنْ رَبَابِ أَنْ تُسَلِّفَنِي قِيمَةَ تَذْكَرَةِ الدُّخُولِ لكِنَّهَا رَفَضَتْ.. لَوْ لَمْ تَتَفَهَّمْ مُشْرِفَةُ الرِّحْلَةِ مُشْكِلَتِي لَأَعَادَتْنِي إِلَى الْمَنْزِلِ..
اشْتَرَتْ لِيَ التَّذْكَرَةَ مِنْ جَيْبِهَا الْخَاصِ».
ــــ «مَاذَا فَعَلْتِ بَعْدَمَا دَخَلْتِ إِلَى الْحَدِيقةِ؟».
ــــ «قَاطَعْتُ رَبَابَ… لَمْ أَتَكَلَّمْ مَعَهَا.. لَعِبْتُ مَعَ صَدِيقَاتِي الْأُخْرَيَاتِ.. لَقَدْ قَرَّرْتُ مُخَاصَمَتَهَا طَوالَ حَياتي، سَوْفَ أَطْلُبُ مِنْ كُلِّ صَدِيقَاتِي عَدَمَ التَّحَدُّثِ مَعَهَا بَعْدَ الْيَوْمِ».
الْأُمُّ: «أَلاَ يُوجَدُ حَلُّ آخَرَ.. أَتَظُنِّينَ أَنَّ هذَا هُوَ الْحَلُّ الْأَنْسَبَ؟».
فَكَّرَت مُنى.. قَالَتْ:
«قَد أكُونُ أَنَانِيَّةً بَعْضَ الشَّيْءِ.. أَعْتَقِدُ أَنَّ صَدِيقَاتِي لَنْ يَقْبَلْنَ مُقَاطَعَتَهَا مِنْ أَجْلِي… فَهِيَ لَمْ تُخْطِىءْ بِحَقِّهِنَّ».
الْأُمُّ: «أَلاَ يُوجَدُ حَلُّ آَخَر؟».
مُنَى: «سَأَطْلُبُ مِنْهَا أَنْ تُعِيدَ إِليَّ جَمِيعَ الْأَغْرَاضِ الَّتِي أَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا.. وَلَنْ أُعْطِيهَا شَيْئاً بَعْدَ الْيَومِ..».
الْأُمُّ: «هَلْ تَعْتَقِدِينَ أَنَّهُ حَلٌّ مُنَاسِبٌ؟».
فَكَّرَتْ مُنَى.. قَالَتْ:
«رُبَّمَا قَالَتْ عَنِّي صَدِيقَاتِي إِنِّي طَمَّاعَةٌ.. وَلاَ أُحِبُّ الْخَيْرَ وَالْعَطَاءَ..
وَقَدْ يَبْتَعِدْنَ عَنِّي وَلاَ يَثِقْنَ بِي بَعْدَ ذلِكَ.. وَأَنَا فِي الْحَقِيقَةِ أَكْرهُ الطَّمَعَ وَالرِّيَاءَ..».
عِنْدَهَا قَالَتِ الْأُمُّ: «الْمُهِمُّ هُوَ ما يُرْضِي رَبَّكِ وَلَيْسَ مَا يُرْضِي صَدِيقَاتِكِ».
مَا رَأْيُكِ لَوْ نُنَاقِشُ الْأَمْرَ بَعْدَ أَنْ تَهْدَئِي قَلِيلاً؟!.
مُنَى: «نَعَمْ يَا أُمِّي.. سَأَذْهَبُ إلى غُرْفَتِي الْآنَ..».
بَعْدَ سَاعَةٍ تَقْرِيباً، دَخَلَتِ الْأُمُّ غُرْفَةَ ابْنَتِهَا وَقَالَتْ: «هِيه… أَلَمْ تُوَفَّقِي إِلى حَلٍّ مُنَاسِبٍ؟».
ــــ «لَيْسَ بَعْدُ يَا أُمِّي..».
قَالَتِ الْأُمُّ بِهُدُوءٍ: «هَلْ فَكَّرْتِ أَنَّهَا رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ الْمَالَ الْكَافِي؟!».
ــــ «لاَ.. أَبَداً.. لَقَدْ رَأَيْتُهَا تَشْتَرِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً دَاخِلَ الْحَدِيقَةِ، كَمَا أَنَّ قِيمَةَ التَّذْكَرَةِ رَخِيصَةٌ جِداً…».
ــــ «إِنَّ مَا فَعَلَتْهُ أَمْرٌ مُؤْسِفٌ حَقًّا، لَمْ يَكُنْ مَوْقِفُهَا مُتَوَقَّعاً، لَكِنْ عَلَيْكِ أَنْ تَسْتَمِرِّي عَلَى مَوْقِفِكِ الطَّيِّبِ، فَأَنْتِ لَمْ تَفْعَلِي الْأَشْيَاءَ الْجَمِيلَةَ مَعَهَا مِنْ أَجْلِ الْحُصولِ عَلَى مُقَابِلٍ..».
هزَّتْ مُنَى رَأْسَهَا مُوَافِقَةً وَقَالَتْ: «كَلاَمُكِ صَحِيحٌ.. لكن..».
الْأُمُّ: «اسْمَعِي يَا مُنَى.. عَلَيْكِ أَنْ تَفْرَحِي لِأَنَّكِ تَمْلُكِينَ عَقْلاً تُمَيِّزِينَ بِهِ الصَّوابَ مِنَ الْخَطَأ..
يَجِبُ أَنْ تَتَرَفَّقِي بِهَا.. لاَ أَنْ تُحَاسِبِيهَا وَتَغْضَبِي مِنْهَا».
تَابَعَتِ الْأُمُّ قائِلةً:
«أَرَأَيْتِ لَوْ أَنَّكِ وَاجَهْتِ خَطَأَ كُلَّ إِنْسَانٍ بِخَطَأٍ مِثْلِهِ لِتَشَابَهْتُمَا تَمَاماً، بَلْ عَلَيْنَا مُسَاعَدَةُ الْمُخْطِىء لِيَتَخَلَّصَ مِنْ خَطَئِهِ».
ــــ «كَيْفَ؟».
قَالَتِ الْأُمُّ بِهُدُوءٍ:
«صَدِيقَتُكِ رَبَاب..».
قَاطَعَتْهَا مُنَى… وقالت:
«لَيْسَتْ صَدِيقتِي بَعْدَ الْآنَ..».
ــــ «انْتَظِرِي لِأُنْهِي كَلاَمِي.. وَعِنْدَهَا اتَّخَذِي قَرَارَكِ الَّذِي تَعْتَقِدِينَ أَنَّهُ هُوَ الصَّوابُ؛ رَبَاب قَدْ تَكُونُ أَخْطَأَتْ فِعْلاً.. وَأَنَا أَتَّفِقُ مَعَكِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّكِ فَعَلْتِ كَمَا فَعَلَتْ لَحَزِنْتُ كثيراً، لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّهَا لاَ تُدْرِكُ حَتَّى الآنَ أَنَّهَا أَخْطَأَتْ وَرُبَّمَا هِيَ الْآنَ سَعِيدَةٌ بِمَا فَعَلَتْ.. وَأَنْتِ حَزِينَةٌ وَغَاضِبةٌ.. بَيْنَمَا الْعَكْسُ يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ».
ــــ «مَاذَا تَقْصُدِينَ بِالْعَكْسِ؟».
ــــ «أَنْتِ تَعْرِفِينَ خَطَأَهَا.. وَهِي لاَ تَعْرِفُ صَوَابَكِ…
فَافْرَحِي لِأَنَّكِ تَعْرِفِينَ الصَّوابَ وَالْخَطَأَ.. كَمَا أَنَّهَا سَتَحْزَنُ عِنْدَمَا تَكْتَشِفُ أَنَّهَا أَخْطَأَتْ مِنْ جَانِبَيْنِ: الْأَوَّلُ: الْخَطَأُ نَفْسُهُ وَالثَّاني: جَهْلُ مَا هُوَ صَوَابٌ!».
قَالَتْ مُنَى بِهُدُوء:
«كَلامُكِ مُقْنِعٌ حَقًّا يَا أُمِّي.. مَا أَعْظَمَكِ مِنْ أُمٍّ.. مَاذَا عَليَّ أَنْ أَفْعَلَ الآن؟».
ــــ «مَا دُمْتِ مُقْتَنِعَةَ بِرَأَيِي تَمَاماً عَلَيْكِ مُسَاعَدَتُهَا لِتَكْتَشِفَ بِنَفْسِهَا سُوءَ تَصَرُّفِهَا..».
ــــ «مَا رَأْيُكِ لَوْ أَتَحَدَّثُ مَعَهَا وَنُنَاقِشُ الْأَمْرَ فِيمَا بَيْنَنَا؟».
ــــ «حَلٌّ مَعْقُولٌ جِدًّا.. اتَّصِلِي بِهَا الْآنَ.. قُومِي بِدَعْوَتِهَا لِتَنَاوُلِ الْغَدَاءِ مَعَكِ غَداً.. فَهُوَ يَوْمُ عُطْلَتِكُمَا مِنَ الْمَدْرَسَةِ وَأَنَا سَوْفَ أُعِدُّ لَكُمَا طَعَاماً شَهيًّا..».
ــــ «لكن.. لكن..» شَعُرَتْ مُنَى بِبَعْضِ التَّرَدُّدِ.. فَهِيَ لاَ تَزَالُ حَزِينَةً مِنْ مَوْقِفِ رَبَابِ.
ــــ «هَيَّا.. اتَّصِلِي بِهَا.. يَجِبُ أَنْ تَتَغَلَّبِي عَلَى غَضَبِكِ.. اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: { } لَيْسَ بِالْحُسْنِ فَقَط بَلْ بِالْأَحْسَنِ، وَبِذَلِكَ يُصْبِحُ الْعَدُوُّ صَدِيقاً وَالْخَصْمُ حَلِيفاً.. فَكَيْفَ بِصَدِيقَتِكِ الَّتِي تُحِبِّينَهَا؟1».
قَامَتْ مُنَى فَوْراً، اتَّصَلَتْ بِرَبَابٍ وَدَعَتْهَا لِلْغَدَاءِ..
تَعَجَّبَتْ رَبَابٌ.. كَانَتِ الدَّعْوَةُ مُفَاجِئَةً.. لَمْ تَتَوَقَّعْ أَنْ يَكُونَ مَوْقِفُ مُنَى عَلى هذَا الشَّكْلِ.
قَالَتْ: «أَبَعْدَ كُلَّ مَا فَعَلْتُ مَعَكِ؟ إِنِّي آسِفَةٌ حَقًّا.. لَسْتُ أَدْرِي مَاذا أَقُولُ..».
تَابَعَتْ رَبَابٌ:
«أَنْتِ دَوْماً أَفْضَلُ مِنِّي… لاَ تَتْرُكِينَ أَحَداً يَتَفَوَّقُ عَلَيْكِ بِالْخَيْرِ… سَوْفَ آتي غَداً لأعتذر منك».
وَضَعَتْ مُنَى سَمَّاعَةَ الْهَاتِفَ… كَانَتْ سَعِيدَةً لِلْغَايةِ…
ظَهَرَتْ ابْتِسَامَةُ رِضَا كبيرةٌ عَلى وَجْهِهَا… قالت: لَقَدْ تَعَلَّمْتُ الْيَوْمَ يَا أُمِّي دَرْساً عَظِيماً..».
قَالَتِ الْأُمُّ: «الْمَعْرُوفُ يَا ابْنَتِي لاَ يَضِيعُ أَبداً.. وَقَدْ قَال رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُدْرَكُ بِالرِّفْقِ مَا لاَ يُدْرَكُ بِالْعُنْفِ».

Posted in قصصComments (0)

يومٌ واحد!


سئم أطفالُ مدينةِ الكرز الأزرق كثرةَ أوامر الكبار ونصائحهم التي لا تنتهي أبداً، فذهب وفد منهم برئاسة الطفل

 

(شقلوب) إلى الملك المحبوب (حسون) وكانَ يحبُّ الأطفالَ والعزف واللعب كثيراً وقفَ شقلوبُ أمام الملك وبعدَ أن حيَّاه قدَّم لـه مزماراً من القصب نفخَ فيه الملك فأصدرَ صوتاً جميلاً جعله يتمايل طرباً ثمَّ قال

:

-

لماذا جئتَ لمقابلتي أنتَ ورفاقُك يا شقلوب؟

-

 

نريدُ أن نشكوَ لك أيها الملك كثرةَ أوامر الآباء والأمَّهاتِ والأعمامِ والعمَّاتِ والأخوالِ والخالاتِ والجيرانِ والجاراتِ والمعلمين والمعلِّمات

.

-

يكفي.. يكفي يا شقلوب ماذا يأمرونكم؟

!

وهنا ارتفعت أصواتُ الأطفال من كلِّ جانب

 

.. استيقظوا حانَ وقتُ المدرسة.. اغسلوا وجوهكم وأيديكم جيداً.. اشربوا كأس الحليب.. نظِّفوا أسنانكم.. لا تسرعوا في الطريق.. لا تلعبوا.. انتبهوا للسيَّارات.. وفي المدرسة تتواصلُ الأوامر.. أينَ الوظيفة؟.. لماذا تأخّرتم؟.. احفظوا الدرس جيداً.. لا تركضُوا في الباحة.. مللنا حياتَنا أيها الملك. يبدو أنّ الكبار قد أتوا بنا إلى هذه الدنيا من أجل إلقاء الأوامر والنصائح فقط

.

صمتَ الملك قليلاً ثمّ تناول ثلاثَ كرزاتٍ شهية وغنَّى بصوت جميل عن طفل يعيشُ في الغابات وأصدقاؤه الشمسُ والطيورُ والغدرانُ والرياح

 

. وبعد أن أنهى الملك أغنيته كانَتْ عيونُ الأطفال مليئةً بالدموع.. فكَّر الملك قليلاً ثم قال

:

-

اسمعوا.. لديّ فكرة طريفة يا أصدقاء

!

-

ما هي؟

!

-

سأريحُكم من أوامر الكبار أسبوعاً كاملاً..

ما رأيكم؟

-

 

هذا قليل..

أرحنا منهم شهراً كاملاً

-

 

بل سنةً وأكثر

!

صرخ الملك

 

:

-

يكفي.. يكفي.. سآخذ غداً جميع الكبار في المدينة إلى جزيرة (الكركي المجنون) وسنبقى هناك حتى تبعثوا لنا رسالة

!

صرخ طفل من الوفد

 

:

-

لن نرسل لكم أية رسالة

!

وصرخَتْ طفلةٌ غاضبة

 

:

-

لا تنسَوا أخذَ الصغار الذين يرضَعون الحليب ويبلِّلون ثيابهم

.

-

وخذوا معكم أيضاً كلَّ من لا يستطيع إلاَّ قول بابا.. بابا.. ماما..

ماما

-

 

سئمنا صُراخَهم وبكاءَهم.. سئمْنا حملَهم وتدليلهم

..

عزف الملك حسُّون على المزمار قليلاً وتناول كرزتين ثمَّ قال

 

:

-

لا بأس أيُّها الأطفال سأفعلُ كلَّ ما تطلبون

.

في صباحِ اليومِ التالي وقفَ الأطفالُ على شاطئِ البحرِ يودِّعون السفن التي ستحملُ الكبارَ وراضعي الحليب إلى جزيرة

 

(الكركي المجنون) وقبلَ أن يركبَ الملك حسّون آخرَ سفينة قدَّم للأطفال حمامةً برتقاليّة اللون وقال

:

-

إذا أردتُمْ أن نعودَ سريعاً فأرسلوا إلينا هذه الحمامةَ واسمُها (سجيعة

).

صرخَ شقلوبُ وردَّد الأطفال خلفه

 

:

-

لا نريدُ هذه الحمامةَ الغبيّة

.

-

ليتَ ثعلباً ينقضُّ عليها وهي نائمة

.

-

ليتَ صقراً يخطفها طعاماً لفراخه

!

غضبت سجيعة وطارت نحو غابة السناجب

 

. ولم تكَدْ السفن تغادر الميناء حتى قفز الأطفال وصرخوا.. هيه.. هيه.. نحنُ أحرار.. نحن أحرار.. ورموا قبعاتهم وكراتهم وحتَّى أحذيتهم في الهواء ثمّ ركضوا على رمال الشاطئ وخلع بعضهم ثيابه وألقى نفسه في مياه البحر كما أخذ آخرون يبنون من الرمل بيوتاً وقصوراً وقلاعاً ويزينونها بالأصداف والحجارةِ الملونةِ وحين سئموا من البحر والرمل أسرعوا إلى الشوارع فلعبوا كما يشاؤون وقذفوا الكراتِ في كلِّ اتجاه غير مبالين بتحطيمِ النوافذِ كما سدَّدوا حجارتَهم نحو العصافيرِ والمصابيح وحين أصبحت الشمس عموديةً فوقَ رؤوسهم قرصَ الجوع بطونَهم فهرعوا إلى بيوتهم فتحوا البرّادات أخرجوا ما فيها من طعامٍ وحلويات والتهموها باردة ثمّ خرجوا ثانية إلى الشوارع وقادهم شقلوب إلى مدينة الألعاب فوجدوها مغلقة، لكنَّهم تسلَّقوا الأبوابَ والأسوار وقفزوا إلى ساحتها ولم يستطيعوا الاستمتاع إلاّ بالأراجيح لأنّ الكبار المسؤولين عن تشغيلِها قد رحلوا إلى الجزيرة مع الراحلين فاقترحَ عليهم شقلوبُ أنْ يذهبوا إلى الحدائق. وهناك ركضوا فوق المروج وداسوا الأحواض وقطفوا الأزهار وألقوا بأنفسهم في البحيرات يطاردون البطّ والإوز.. ولم يدرِ الأطفالُ كيف رحل النهار فجأةً وخيّم الظلام الشديد بهذه السرعة فعادوا إلى بيوتهم بعد أنْ جعلوا المدينةَ أشبه بحاوية قمامةٍ مقلوبة. ولمَّا أرادوا إشعال المصابيح الكهربائية لم تضئ لأن المسؤولين عن توليد الكهرباء كانوا قد رحلوا أيضاً إلى جزيرة (الكركي المجنون). جلسَ الأطفال متعبين جائعين، الخدوشُ والجروح تغطّي وجوههم وأيديهم والتراب والأوساخ تغطِّي شعرهم وثيابهم. استراحوا قليلاً وحين صرخَتْ بطونُهم من الجوع اتَّجهوا إلى البرَّادات فوجدوها فارغة إلا من الماء وبقايا الطعام فنظَّفوها تماماً ولكنَّها لم تسدَّ جوعهم. اشتدَّ الظلام تلك الليلة وهبَّت ريح شديدة فتراكضت العفاريت والأشباح فوق الأسطحة وأمام النوافذ وعلى الأدراج والشرفات وقرعت الأبواب والنوافذ. فأسرع جميع الأطفال إلى أسرَّتهم مبكِّرين وشدُّوا الأغطية فوق أجسادهم ورؤوسِهم وهم يرتعدون خوفاً ورعباً ولم تغمضْ جفونُهم طوال الليل. وحين أطلّ الصباح انسلُّوا من بيوتهم مرهقين شاحبي الوجوه. فجرُّوا أنفسهم إلى الساحة الكبيرة وتشاوروا فيما سوف يفعلون وبعد نقاش قصير ورغم الأصوات القليلة المعارضة فقد قرَّروا إرسال الحمامة (سجيعة) إلى جزيرة (الكركي المجنون) وتفرَّقوا في كلِّ اتجاه يبحثون عن الحمامة وينادونها: يا سجيعة.. يا سجيعة.. أنقذينا يا بديعة.. أنقذينا يا بديعة.. كانت الحمامة نائمة بين أغصان شجرة حور عالية فاستيقظت على أصواتِ الأطفال وهم ينادونها ولكنَّها لم تردّ ووضعَتْ رأسَها تحتَ جناحِها وتابعَتْ نومها. إنَّها ما تزال حانقةً عليهم، عند الضُّحى ارتفعَ بكاءُ الأطفال وصاروا يتوسَّلون إلى الحمامة كي تأتي إليهم فرقَّ قلبها وطارت نحوهم ثم حطَّت فوق شجيرة رمَّان فأحاطوا بها فرحين.. سألتهُم وهي عابسة

:

-

ماذا تريدون منِّي؟

صاح شقلوب وهو يمسح دموعه

:

-

نريدك أن تسافري إلى جزيرة (الكركي المجنون) وتطلبي من الكبار أن يعودوا إلينا

.

-

ولكنَّكم طردتموني وتمنَّيتم موتي

!

-

نحن آسفون يا سجيعة ونعتذر منك

.

-

اسمعوني جيداً.. لن أذهبَ إلى جزيرة الكركي إلاّ إذا نظَّفتم المدينة من جميع الأوساخ تماماً

.

-

صرخ بعضُ الأطفال محتجّين

-

 

ولكنَّ تنظيفَ المدينةِ صعبٌ جداً يا سجيعة

!

-

ولماذا لم تفكِّروا بهذا حين وسَّختم المدينة؟

ثم طارت الحمامة ووقفت فوق أحد أسلاك الهاتف وصاحت

:

-

هيه..

ماذا قرَّرتم؟

صرخوا مستسلمين

: اذهبي.. اذهبي.. سننظِّف المدينة

.

-

هناك شرط آخر

..!

-

ما هو؟

 

-

 

أريدكم أن تعتذروا من الكبار وتستقبلوهم بفرح وابتسام

.

-

موافقون.. موافقون. أسرعي فقط يا سجيعة

.

صفَّقت الحمامة بجناحيها ويمَّمت نحو البحر تطير فوق أمواجه الزرقاء

 

.. واندفع الأطفال بحماس نحو الشوارع والساحات ينظِّفون المدينة ويصلحون ما أتلفوا رغم الجوع والتعب.. وحين مالَت الشمس للغروب عادت المدينة نظيفة أنيقة كما كانت فأسرع الأطفال نحو الشاطئ يرقبون بلهفة عودة أهلهم وقلوبهم تخفق شوقاً لرؤية آبائهم وأمَّهاتهم وإخوتهم وكلِّ الكبار الذين يحبُّونهم.. وبعد انتظار محرق.. لمعت أخيراً أجنحة الحمامة من بعيد قادمة مع الشفق الوردي فألاحوا لها بأيديهم فرحين.. حامَتْ فوق رؤوسهم تبشِّرهم بقدوم السفن.. وما هي إلا ساعة من الزمن حتّى ظهرت أولُ سفينة تشقُّ الأمواج نحو الشاطئ تتبعها بقية السفن وقد سطعَتْ بأنوارِها فوقَ مياه البحر.. رسَتْ السّفن وهبط منها الركّابُ فتدافع الأطفال كالسيل يقبِّلون ويعانقون أهلهم وإخوتهم ويشكون ما حلَّ بهم.. وساد الصمت حين هبط الملك (حسُّون) من السفينة وهو يرتدي ثياباً رياضية وينشد أغنية جميلة عن جزيرة الكركي ثمَّ صعد فوق صخرة قرب الشاطئ وقال

:

-

أيها الأطفال الأعزَّاء لا يمكنُنا الاستغناء عنكم ولا يمكنكم الاستغناء عنَّا.. ولذلك فقد قررت بالتشاور مع الكبار ما يلي

:

أولاً

 

: تخفَّض أوامر الكبار إلى النصف هذا العام

..!

ثانياً

 

: يطلب من الأطفال أن يقوموا بما هو ضروري وجميل ونافع لهم ولأوطانهم دون أيِّ أمر..

ما رأيكم؟

صرخ الأطفال جميعاً بحماسة

:

-

موافقون

..!

أمسك الملك مزماره وعزف لحناً جميلاً فغنّى الجميع

 

.

 

 

Posted in قصصComments (0)

الحلم يهرب منيّ


  
كلّ ليلة أحلم.
لكنني قررت أن أستيقظ في منتصف الحلم لأمسكه.
هل أمسكتم الحلم ذات مرة؟

هذه الأحلام غريبة.
هذه الليلة سأفتح عيني وسط الحلم .
كنت قد سألت أمي في ساعات النهار:
هل حلمك يهرب منك؟
قالت: طبعا.
- ومتى يأتي إلينا؟
- حين تكون عيوننا مغلقة..
- ألا يقرع الباب؟
- لا
- وماذا يفعل؟
- يمد يديه ويرفع الجفون ويتسلل ..
- ألا تسمع صوت أقدامه؟
- لا
- وهل له أقدام؟
- كالأخطبوط
- ينظف قدميه قبل الدخول إلى عيوننا؟
- الحلم لا تتسخ أقدامه أبدًا…
- لماذا؟
- لأنه يركض على الريش الأبيض الناعم
في إحدى الليالي انتظرت الحلم..
لكنه تأخر…
حاولت أن أخدعه..
عرفت أنه يحب العيون المغلقة..
تظاهرت بأنني نائم..
لكنني لم اصمد كثيرا،
رمشت
طار الحلم من أمامي
ضرب جناحيه كبلبل
اختفى مثل خفاش
في الليلة التالية نصبت المصيدة
أغمضت عيني تماما
وبعد قليل
شعرت بشيء ناعم كأجنحة ملائكة ترفرف قرب جفني
تظاهرت بالنعاس
استغرقت في النوم
شدّ الحلم جفوني ،
ثقب فيها فتحة،
انزلق في مقلتيّ،
تسلق أهدابي،
وتسلل كشبح خفيف إلى مخيلتيّ
ركب قطار شراييني
ليأخذه إلى عقلي
بتذكرة مجانية
شعرت وكأن بالونا صار يكبر ويكبر وينتفخ
وكأنه يخرج من رأسي
تذكرت أفلام توم وجيري
عندما يحلم توم ينتفخ بالون من رأسه
هذا ما يحدث في رأسي الآن أيضا
هذه هي الفرصة لأقبض على الحلم
مددت يدي بصمت وهدوء
لأباغته
أسرعت بها إلى رأسي
وأمسكته..
كان الحلم باردا
وثقيلا قليلا
من جهة زجاج
ومن الأخرى معدن
ضغطت عليه
ثم أحضرته إليّ
وضعته أمام عينيّ
تأملته
لا.. لا..
إنها الساعة المنبِّه
رنّت وأيقظتني من الحلم
هرب مني الحلم مرة أخرى
نظرت إلى عقارب الساعة
وجدته يتأرجح بينها
وكان ينظر إليّ ويبتسم
نظرت إليه بمحبة وتساءلت بيني وبين نفسي :
هل سألقي القبض على حلمي ذات مرة؟
 

Posted in قصصComments (0)